رئيس التحرير
عصام كامل

ما بعد الدولة الوطنية:

من الرأسمالية المالية إلى الدولة المجتمعية واتحاد المجتمعات العالمية

18 حجم الخط

تمهيد
ما نعيشه اليوم ليس أزمة حكومات، ولا صعودًا عابرًا للشعبوية، بل لحظة مفصلية في تاريخ الرأسمالية والدولة معًا. فلقرنين، قامت صفقة واضحة: الرأسمالية الصناعية تخلق المصنع والوظيفة، والدولة الوطنية بلبوسها القومي تخلق المدرسة والهوية والطبقة الوسطى، والقانون العلماني يضمن الحياد. 

هذه الصفقة هي التي انتهت. لقد انتقلنا إلى طور المال المالي، مال يصنع مالًا بالمضاربة لا بالإنتاج، وهذا الطور لا يحتاج الدولة الوطنية بل يعتبرها عبئًا. فانهار الوعدان اللذان قامت عليهما: وعد الطبقة الوسطى، ووعد الحياد. 

وهذا النص يحاول أن يفسر لماذا يعود الناس اليوم إلى المجتمع والدين والهوية المحلية، ليس نكوصًا، بل بحثًا عن عقد جديد. عقد لا تكون فيه الدولة ملكًا يملك المجتمع باسم القومية، بل أداة يملكها المجتمع نفسه، تمهيدًا لعالم لا يكون دولًا متحدة، بل أممًا متحدة فعلًا.

١. الانسداد البنيوي: من الصناعوية إلى المال المالي

الذي يحدث في أوروبا اليوم، سواء أسميناه ربيعًا متأخرًا أم غضبًا مجتمعيًا متراكمًا، لا يمكن اختزاله في أزمة حكومة أو في صعود يمين أو في احتجاج فئوي عابر، لكنه ولأنه (معًا) في العمق تعبير عن انسداد بنيوي في النظام الرأسمالي نفسه وهو ينتقل من طوره الصناعوي الذي احتاج إلى المصنع والطبقة العاملة والدولة الحارسة للحدود والهوية، إلى طوره المالي..

والمال المالي بتعريف جد سهل هو المال الذي لا يذهب ليصنع مصنعًا أو وظيفة بل يذهب ليصنع مالًا آخر؛ لكن؛ بالدين والمضاربة والخوارزمية، وهذا الانتقال لا يغير الاقتصاد فقط بل يغير الحامل السياسي للاقتصاد، فالرأسمالية الصناعية احتاجت الدولة الوطنية كسوق محمي وكإطار قانوني وكخزان للشرعية، بينما الرأسمالية المالية لا تحتاج الدولة بل تتجاوزها وتعتبرها عبئًا بيروقراطيًا ومعيقًا لحركة رأس المال، وهنا يبدأ الشعور الجماعي بأن شكل الدولة بات في حكم منتهي الصلاحية، ليس لأن الدولة ضعيفة أمنيًا، بل لأنها فقدت وظيفتها التاريخية كوسيط بين المجتمع والسوق.

٢. انهيار الوعدين: الطبقة الوسطى والحياد العلماني

إن الدولة الوطنية الحديثة بُنيت على وعدين كبيرين، وعد بالحماية الاقتصادية من خلال خلق طبقة وسطى واسعة، ووعد بالحياد الثقافي من خلال العلمانية القانونية التي تقول إن القانون فوق الجميع ومحايد تجاه الأديان والهويات، والوعدان معًا ينهاران الآن. 

فالاقتصاد المالي لا يخلق طبقة وسطى بل يفرز مجتمع العشرَ بالمئة (أو أقل) الذي يملك الأصول ومجتمع التسعين  بالمئة الذي يعيش على الإيجار والخدمات الهشة، والقانون الذي كان محايدًا تحول في نظر الناس إلى أداة لإدارة مصالح السوق المالي والشركات العابرة للحدود. 

وعندما ينهار الوعدان يعود الناس إلى ما قبل الدولة بحثًا عن حماية ومعنى، يعودون إلى المجتمع بمعناه المحلي، إلى الدين كلغة للعدالة لا كعقيدة فقهية، إلى القرية والحي واللغة والجهة، وهذا العود ليس نكوصًا رجعيًا كما يصوره الخطاب التقنوقراطي، بل هو محاولة لإعادة تأسيس السياسي خارج احتكار الدولة له.

 

٣. الدولة الوطنية بلبوس القومية: كيف تحولت الإدارة إلى هوية

وهنا تظهر مسألة دقيقة تحتاج إلى توضيح أكثر وهي مسألة الدولة الوطنية بلبوس القومية، فالدولة الوطنية في أصلها الأوروبي لم تكن دولة قومية بالمعنى العرقي الذي نفهمه اليوم في الشرق الأوسط، بل كانت دولة إدارية قانونية حاولت أن تخلق أمة من خلال المدرسة والجيش والبريد واللغة الرسمية، لكن هذا المشروع حين تصدّر إلى العالم وتحول إلى نموذج عالمي بعد الحربين العالميتين ارتدى لبوس القومية.. 

أي أصبحت الدولة لا تكتفي بأن تقول أنا إطار قانوني محايد لكل من يعيش على أرضي، بل أصبحت تقول أنا تعبير عن قومية واحدة متجانسة، لغة واحدة ودين واحد وتاريخ واحد، وهذا اللبوس القومي هو الذي أعطى الدولة الوطنية قوتها الرمزية في القرن العشرين لأنه حول المواطن من متعاقد إلى منتمٍ بالدم، وحول الأرض من مجال للعيش المشترك إلى ملكية حصرية للقومية الحاكمة، وحول الأقليات من شركاء في العقد إلى ضيوف يجب أن ينحلوا لا أن يندمجوا أو يرحلوا.. 

وفي أوروبا نفسها كان هذا اللبوس هو مصدر الحروب الكبرى، لأن كل دولة ادعت أنها تمثل قومية نقية، بينما الواقع أن كل المجتمعات الأوروبية كانت مختلطة دائمًا، ولذلك حين انهارت الرأسمالية الصناعية التي كانت تغذي هذا اللبوس من خلال التشغيل الكامل والمدرسة القومية، بدأ اللبوس نفسه يتمزق، فالناس لم تعد تصدق أن الدولة تمثل أمة واحدة متجانسة، لأنها ترى في حيها الواحد عشر لغات وعشر ديانات، وترى أن القومية التي وُعدت بها لم تحمها من البطالة ولا من الغلاء ولا من فقدان المعنى.

٤. محاولة الترميم الفاشلة: ثوب ضيق على جسد جديد

إن ما يحدث اليوم هو أن الدولة الوطنية تحاول أن ترمم لبوسها القومي بعد أن اهترأ، فتلجأ إلى خطاب الهوية المتشدد وإلى إحياء الحدود وإلى شيطنة المهاجر وإلى استدعاء تاريخ متخيل نقي، لكن هذا الترميم لا ينجح إلا في إنتاج مزيد من الانقسام، لأنه يحاول أن يجيب على سؤال اقتصادي واجتماعي جديد بلغة قديمة، بلغة القرن التاسع عشر..

بينما السؤال الحقيقي ليس من نحن كقوميّة فقط، بل كيف نعيش معًا كمجتمعات مختلفة في مكان واحد تحت ضغط اقتصاد مالي لا يعترف لا بالقومية ولا بالحدود، ولذلك فإن الدولة الوطنية بلبوس القومية تبدو اليوم كثوب ضيق على جسد تغير تمامًا، فالجسد أصبح جسدًا شبكيًا عالميًا محليًا في آن واحد، والثوب لا يزال ثوبًا قوميًا مغلقًا يريد أن يوحد ما لا يمكن توحيده إلا بالعقد لا بالدم.

٥. شبح الدولة ما بعد العلمانية: ليست علمانية ولا دينية

وهنا يظهر شبح ما نسميه الدولة ما بعد العلمانية، وهي ليست الدولة العلمانية التي تنفي الدين من المجال العام، وليست الدولة الدينية التي تفرض الدين على المجال العام، وليست أيضًا الصيغة التي طرحها هابرماس كحوار نخبوي مهذب بين العقل العلماني والإيمان الديني في جامعات برلين، بل هي دولة تعاين الإرادة الشعبية في مكانها الخام، في الشارع والسوق والكنيسة والمسجد والمعبد والنقابة والتعاونية، وتفهم أن الناس حين ترفع شعار الدين أو الهوية فهي لا تطالب بدولة ثيوقراطية بل تبحث عن لغة أخلاقية للعدل بعد أن فقدت لغة القانون حيادها..

ولذلك فإن الصبغة التي تلوح في الأفق ليست صبغة دولة وطنية جديدة بلبوس قومي جديد ولا دولة علمانية مرممة بطلاء جديد، بل صبغة دولة مجتمعية، دولة لا تقول أنا أمثل الشعب من العاصمة، بل تقول أنا الشبكة التي يمثل الشعب نفسه من خلالها، شبكة من المجتمعات المحلية المتعاقدة، من الأقاليم والمناطق والبلديات والتعاونيات والمجالس المهنية، حيث يكون القرار قريبًا من مكان الألم، وحيث تكون الديمقراطية ليست إجراءً انتخابيًا كل أربع سنوات بل ممارسة يومية لإدارة الموارد المشتركة..

وإذا قدرت هذه الدولة أن تكون ديمقراطية أكثر بكثير من أن تكون سلطوية فإنها ستنجح، أما إذا سقطت في فخ الزعيم القوي الذي يستثمر الغضب ليبني دولة وطنية مغلقة أكثر قسوة من سابقتها بلبوس قومي أكثر تشددًا فإنها ستعيد إنتاج نفس الانسداد بلباس جديد أكثر ضيقًا.

٦. البديل: من دولة تملك المجتمع إلى مجتمع يملك الدولة

إن البديل إذًا ليس في إصلاح الدولة الوطنية من الداخل ولا في استبدال نخبها بنخب أخرى ولا في تغيير لبوسها من قومي إلى قومي آخر أكثر تسامحًا، بل في تغيير منطق الشرعية نفسه، من شرعية تستند إلى السيادة والحدود والجيش وإلى أسطورة النقاء القومي إلى شرعية تستند إلى العقد والشبكة والعدل المحلي، من دولة تملك المجتمع باسم القومية إلى مجتمع يملك الدولة ويستخدمها كأداة خدمية..

وهذا التحول هو ما يجعل النموذجين المتصارعين اليوم، النموذج التقنوقراطي الذي يريد عالمًا بلا شعوب تديره البنوك والمفوضيات، والنموذج الشعبوي الذي يريد شعبًا بلا عالم يحكمه قائد يغلق الحدود باسم القومية، مجرد محاولتين يائستين لتأجيل السؤال الحقيقي، والسؤال الحقيقي هو كيف نعيد تعريف السياسة بوصفها شأنًا مجتمعيًا لا شأنًا دولتيًا، وكيف ننزع عن الدولة لبوسها القومي الذي لم يعد يقنع أحدًا ونعيدها إلى حجمها الطبيعي كإدارة للشأن المشترك لا كصانع للهوية.

الخاتمة: 
من الدول المتحدة إلى الأمم المتحدة فعلًا - نحو اتحاد المجتمعات العالمية

وهنا تبدو إحدى مخرجات هذا التحول واضحة على المستوى الدولي، فنظام الأمم المتحدة كما تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد مجديًا كثيرًا ليس لأنه فشل في حفظ السلام ونشر الصحة وحفظ الكرامة الإنسانية بعد البيئة، بل لأنه خالف اسمه ذاته، لقد كان من المفترض أن يكون أممًا متحدة أي شعوبًا ومجتمعات وثقافات تتعاقد فيما بينها، فتحول في الممارسة إلى دول متحدة أي حكومات وسلطات وأجهزة أمنية تتفاوض على مصالحها وتحتكر تمثيل شعوبها حتى لو كانت تلك الشعوب غير راضية عنها، وتحتكر أيضًا تمثيل قومية واحدة باسم الدولة بينما تقمع باقي الأمم داخل حدودها.. 

ولذلك فإن التفكير الجدي اليوم يجب أن يتجه نحو نظام دولي جامع لا يكون اتحاد دول بل اتحاد مجتمعات عالمية، نظام لا يجلس فيه ممثل الدولة المركزية فقط بل يجلس فيه ممثل التعاونية والمجتمع المحلي والمدينة والجهة والشعب الأصلي، لأنه إذا كانت الدولة الوطنية بلبوسها القومي في الداخل قد انتهت صلاحيتها كإطار وحيد للسياسة فإن منظومة الدول المتحدة في الخارج قد انتهت صلاحيتها أيضًا كإطار وحيد للعالم، والعالم القادم يجب وينبغي ألا يكون عالم دول تتصارع على السيادة بل عالم مجتمعات تتعاقد على العيش المشترك.

الجريدة الرسمية