رئيس التحرير
عصام كامل

أفلام الموبايل قبل ما تبقى ترند.. تجارب سبقت يسري نصر الله وظلت بعيدة عن الأضواء

يسري نصر الله وفرح
يسري نصر الله وفرح الهاشم
18 حجم الخط

«الأفلام تلمس قلوبنا، وتوقظ خيالنا، وتغير الطريقة التي نرى بها الأشياء» هكذا قال المخرج الشهير مارتن سكورسيزي عن سحر صناعة السينما وما تصنعه في النفس فهي الحلم الذي نراه وأعيننا مفتوحة، وقطعة الحلوى التي تفصلنا بعض الوقت عن الحياة وتعيد تشكيل وعينا لنراها مرة أخرى بشكل مختلف.
وعلى مدار أكثر من قرن، شهدت صناعة السينما تطورات متلاحقة، منذ التجارب الأولى للأخوين لوميير، وصولًا إلى عصر التصوير الرقمي والتقنيات الحديثة، التي أعادت تشكيل أدوات الإنتاج السينمائي وفتحت آفاقًا جديدة أمام صناع الأفلام، وكان من بينها التصوير باستخدام الهواتف المحمولة.
 

«أنت مين» يفتح الجدل بين نصر الله وفرح الهاشم


أعاد إعلان المخرج يسري نصر الله عزمه تصوير أجزاء كبيرة من فيلمه المقبل «أنت منين» باستخدام كاميرات الهواتف المحمولة، خلال مشاركته في مهرجان الجونة السينمائي، فتح النقاش حول مستقبل التصوير بالموبايل في صناعة الأفلام، وما تتيحه هذه التقنية من فرص أمام المخرجين لتقديم تجارب بصرية مختلفة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على معدات التصوير التقليدية، لكن الإعلان الذي حظي باهتمام إعلامي لافت أعاد إلى الواجهة أيضًا تجارب سينمائية مستقلة استخدمت الهواتف المحمولة في إنتاج أفلام كاملة منذ سنوات، دون أن تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام.

المخرج الكبير يسري نصر الله
المخرج الكبير يسري نصر الله


ومن بين هذه التجارب ما كشفته المخرجة فرح الهاشم في منشور لها، إذ أكدت أنها بدأت تصوير أفلامها بالهاتف المحمول منذ عامي 2012 و2013، واستمرت في الاعتماد عليه حتى فيلمها «هرتلة في القاهرة» الذي قدمته عام 2025، مشيرة إلى أن قائمة أعمالها المصورة بهذه الوسيلة تضم أفلام «ترويقة في بيروت»، و«بيروت برهان»، و«رصيف بيروت»، و«قصة مش مكتوبة»، و«سبع ساعات»، و«محجورة»، و«اليوم الخامس»، إلى جانب فيلمها المقبل «خبيني في إسكندرية». وتكشف هذه التجربة عن مسار ممتد لاستخدام الهاتف باعتباره أداة إنتاج سينمائي، وليس مجرد وسيلة بديلة فرضتها محدودية الإمكانات.

المخرجة فرح الهاشم
المخرجة فرح الهاشم


 

تجارب خارج الضوء بسبب اسم المخرج


وتطرح هذه المفارقة سؤالًا يتجاوز حدود التقنية نفسها: لماذا تحظى بعض التجارب باهتمام واسع عندما يعلن عنها مخرج صاحب اسم وتاريخ سينمائي، بينما تظل تجارب أخرى، رغم سبقها الزمني واستمرارها لسنوات، بعيدة عن دائرة الضوء؟ فالتصوير بالموبايل لم يعد اكتشافًا جديدًا فهناك أفلام صنعت وعرضت في مهرجانات عالمية، كما أن قيمته الفنية لا تتحدد بنوع الكاميرا وحده، وإنما بقدرة المخرج على توظيف الأداة في خدمة الحكاية وتقديم رؤية بصرية متماسكة، ومن هنا تبدو القضية مرتبطة أيضًا بفرص ظهور السينما المستقلة، ومساحات الاعتراف بالتجارب التي تنشأ خارج منظومة الإنتاج التقليدية.

فيلم فرح الهاشم
فيلم فرح الهاشم


ولا يمكن فصل انتشار التصوير بالهواتف عن التحديات الاقتصادية التي تواجه صناعة الأفلام، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة توفير الميزانيات اللازمة أمام المخرجين المستقلين والشباب، فامتلاك هاتف بكاميرا متطورة قد يمنح صانع الفيلم فرصة للبدء، لكنه لا يلغي احتياجات العمل إلى رؤية إخراجية وفريق فني ومونتاج وصوت وإضاءة، فضلًا عن صعوبات العرض والتوزيع والوصول إلى الجمهور. لذلك فإن إتاحة أدوات التصوير لا تعني بالضرورة إتاحة فرص متساوية لعرض الأفلام أو حصول أصحابها على الاعتراف الذي يستحقونه.

مهرجانات سينمائية متخصصة

ولا يعني الاهتمام بإعلان يسري نصر الله اكتشاف التصوير بالهاتف المحمول، فهذه التقنية أصبحت مستخدمة منذ سنوات، بل إن لها مهرجانات سينمائية متخصصة، وإنما تكمن أهمية التجربة -وفقا لبعض المتابعين للجدال الدائر بعد إعلان نصر الله تنفيذ فيلمه بالموبايل وبين المخرجين المستقلين- تتمثل في أن مخرجًا يمتلك خبرة طويلة في صناعة السينما وأدواتها التقليدية يقرر خوض مغامرة باستخدام وسيلة مختلفة عن المعتاد، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول دوافع هذه الخطوة، وما يمكن أن تضيفه إلى تجربته الفنية، ومدى قدرة الأدوات الحديثة على تغيير أساليب صناعة الأفلام.

سينما الموبايل
سينما الموبايل

وفي المقابل، يرى مخرجون مستقلون أن الهاتف المحمول لم يكن بالنسبة إليهم مجرد مغامرة فنية، بل وسيلة لتجاوز عقبات الإنتاج ونقص الإمكانات المادية وصعوبة توفير معدات التصوير الاحترافية، كما أن وصول أفلام مصورة بالكامل بالهاتف إلى مسابقات رسمية في مهرجانات دولية غير متخصصة في هذا النوع من الأعمال يمثل مؤشرًا على تطور النظرة إلى هذه التجربة، والاعتراف بالهاتف باعتباره أداة سينمائية يمكن تقييم العمل المنجز بها وفقًا لقيمته الفنية، وليس فقط وفقًا للمعدات المستخدمة في تصويره.


وبين تجربة يسري نصر الله المرتقبة والأفلام التي أُنجزت بالفعل باستخدام الهواتف المحمولة، تبدو الفرصة مناسبة لإعادة النظر في تاريخ السينما المستقلة المصرية، والبحث عن الأعمال التي سبقت الاهتمام الحالي بهذه التقنية، وأصحاب التجارب الذين خاضوا مغامرتها بعيدًا عن الأضواء، فالتجديد السينمائي لا يبدأ دائمًا مع إعلان اسم كبير عن تجربة جديدة، بل قد يكون قد بدأ بالفعل على يد مخرجين لم يجدوا سوى أدوات بسيطة ليحكوا قصصهم، بينما بقيت أفلامهم في انتظار من يكتشفها.

 

الجريدة الرسمية