البلاغات الكيدية.. سلاح للانتقام وتلفيق الجرائم.. خبير قانوني يوضح عقوبة استغلال التكنولوجيا لتوريط الأبرياء والتشهير بهم.. وهذه خطوات إثبات البراءة وكشف الأدلة المفبركة
لم تعد البلاغات الكيدية مجرد خلافات تنتهي داخل أقسام الشرطة، بل أصبحت في بعض النزاعات وسيلة للانتقام وتصفية الحسابات، ومحاولة لتوريط الأبرياء في جرائم لم يرتكبوها، والزج بأسمائهم في محاضر وتحقيقات قد تهدد سمعتهم ومستقبلهم وحياتهم الأسرية والمهنية.
وبينما يلجأ البعض إلى القانون بحثًا عن حقوقهم، يسعى آخرون إلى استغلاله للإضرار بخصومهم وتلفيق الاتهامات لهم، اعتقادًا بأن البلاغ الكاذب قد يحقق أهدافهم دون مساءلة، إلا أن القانون يتصدى لهذه الممارسات بعقوبات رادعة متى ثبت كذب البلاغ وتوافرت أركان الجريمة، مؤكدًا أن حق التقاضي مكفول للجميع، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى ستار للانتقام أو وسيلة لتدمير حياة الأبرياء، وأن من يتخذ العدالة سلاحًا للإيذاء قد يجد نفسه متهمًا بدلًا من أن يكون صاحب شكوى.
بلاغات المكايدة ليست لعبة.. والقانون يطارد المتعمدين لتضليل العدالة
وفي هذا السياق، أكد الخبير القانوني المستشار أشرف ناجي الجندي، المحامي بالنقض والدستورية العليا، أن البلاغات الكيدية تُعد من أخطر الجرائم، مشيرًا إلى أن صورها تتعدد بين الترويج للمخدرات باستخدام رقم هاتف زميل، والتشهير بخطيبة سابقة، وصولًا إلى اختلاق الوقائع وتصوير مقاطع فيديو كاذبة بهدف الزج بأشخاص أبرياء داخل السجون.
وطرح تساؤلات حول خطورة هذه الممارسات، قائلًا: هل يمكن أن يتحول رقم الهاتف إلى دليل اتهام ضد صاحبه في جريمة مخدرات لم يرتكبها؟ وهل يستطيع شخص الانتقام من خطيبته السابقة بنشر رقمها على مواقع إباحية واتهامها بممارسة الدعارة؟ وهل يجوز لامرأة اختلاق رواية كاذبة وتصوير مقطع فيديو مضلل، ثم تقديمه إلى الشرطة أو النيابة، بهدف الزج بشخص خلف القضبان؟

الخبير القانوني أن الأخطر في هذه الوقائع هو اعتقاد بعض مرتكبيها بأنهم يستطيعون التخفي خلف شاشة هاتف أو حساب وهمي أو مقطع فيديو مصطنع أو رقم هاتف لا يخصهم، ثم ترك شخص بريء يواجه اتهامًا جنائيًا لم يرتكبه، بما قد يترتب عليه من أضرار تمس سمعته وحياته ومستقبله.
وأشار المستشار أشرف ناجي الجندي إلى أن القانون المصري يتصدى لهذه الجرائم من خلال نصوص قانونية تحدد الأفعال المجرّمة والعقوبات المقررة لها، وفقًا لطبيعة كل واقعة والأدلة المتوافرة فيها، مؤكدًا أن تحديد المسؤولية الجنائية يتطلب فحص ملابسات الواقعة والتحقق من مرتكب الفعل الحقيقي.
أولًا: وضع رقم زميل في إعلان لترويج المخدرات.. والهدف تحويله إلى متهم!
وقال الخبير القانوني أشرف ناجي الجندي، المحامي، إن الفترة الأخيرة شهدت تداول واقعة إلقاء الأجهزة الأمنية القبض على شخص، على خلفية خلاف مع زميله، قرر الانتقام منه بطريقة بالغة الخطورة، بعدما أنشأ صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي للترويج للمخدرات، ووضع رقم هاتف زميله باعتباره وسيلة للتواصل مع الراغبين في الشراء، دون علم صاحب الرقم أو موافقته.
وأوضح أن مثل هذا التصرف قد يعرّض صاحب الرقم لاتصالات من أشخاص يطلبون شراء المواد المخدرة، ويثير الشبهات حوله، بل قد يجعله محل اتهام في واقعة لا يعلم عنها شيئًا، متسائلًا: هل يكفي ظهور رقم هاتف في إعلان لبيع المواد المخدرة لإثبات تورط صاحبه في الاتجار بها؟
وأكد المستشار أشرف ناجي الجندي أن الإجابة القانونية هي لا، إذ إن مجرد ظهور رقم الهاتف في الإعلان لا يكفي وحده لإثبات ارتكاب صاحبه جريمة الاتجار بالمخدرات أو الترويج لها، مشددًا على ضرورة التحقق من هوية الشخص الذي أنشأ الصفحة وأدارها، ومن استخدم الحساب فعليًا، ومن ارتكب الأفعال المجرّمة، مع فحص الأدلة الرقمية وسائر ملابسات الواقعة قبل تحديد المسؤولية الجنائية.

البلاغات الكيدية تحت طائلة القانون.. أشرف ناجي الجندي يكشف عقوبات استغلال التكنولوجيا للتشهير وتلفيق الاتهامات
وأوضح المحامي أشرف ناجي الجندي أن السؤال الأهم في واقعة استغلال رقم هاتف زميل للترويج للمخدرات هو: ما العقوبة التي قد يتعرض لها الشخص الذي دبّر الواقعة بقصد الانتقام أو الإضرار بصاحب الرقم؟
وأشار إلى أن المادة 27 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تعاقب كل من أنشأ أو أدار أو استخدم موقعًا أو حسابًا خاصًا على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا أو تسهيل ارتكابها، في غير الأحوال المنصوص عليها في القانون، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين، وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تجاوز 300 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وأضاف أن هذا النص قد ينطبق، بحسب ظروف الواقعة وتوافر أركان الجريمة، إذا ثبت إنشاء الحساب أو إدارته بقصد تسهيل ارتكاب جريمة الاتجار بالمخدرات، مع ضرورة تحديد التكييف القانوني الصحيح للفعل وفقًا للأدلة المتاحة.
وأكد الجندي أن صاحب رقم الهاتف الذي استُخدم دون علمه أو موافقته لا يجوز إسناد جريمة الاتجار بالمخدرات إليه لمجرد ظهور رقمه في الإعلان، بل يتعين إثبات مساهمته في الجريمة بأدلة معتبرة قانونًا، مشددًا على أن خطورة البلاغات الكيدية تكمن في محاولة الجاني تحويل خصمه من مجني عليه إلى متهم في جريمة بالغة الخطورة.
ثانيًا: نشر رقم الخطيبة أو الزوجة السابقة على مواقع إباحية.. انتقام يهدد السمعة والخصوصية
وقال الخبير القانوني أشرف ناجي الجندي إن بعض الخلافات العاطفية أو النزاعات التي تقع بين الأزواج أو الخطيبين قد تتحول إلى وسيلة للانتقام والتشهير، عندما يعمد أحد الطرفين إلى نشر رقم هاتف الطرف الآخر على مواقع إباحية أو صفحات ذات طبيعة جنسية، مع الادعاء كذبًا بأنه يمارس الدعارة أو يقدم خدمات جنسية مقابل المال.
وأوضح أن المجني عليه قد يجد نفسه، خلال وقت قصير، في مواجهة اتصالات ورسائل من غرباء، بما يلحق أضرارًا بسمعته وحياته الأسرية والمهنية، رغم عدم ارتكابه الفعل المنسوب إليه.
وأكد أن هذه الوقائع لا تقتصر بالضرورة على مجرد الإساءة أو الخلاف العاطفي، وإنما قد تتعدد أوصافها الجنائية وفقًا لطريقة ارتكابها، وطبيعة المحتوى المنشور، والقصد من النشر، والأدلة المتوافرة.
وأشار إلى أن المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تقرر عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، في الحالات التي حددها النص، ومنها الاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو الخصوصية المعلوماتية للأفراد، وفقًا لشروط انطباقه.
وأضاف أن نشر معلومات أو صور أو بيانات تنتهك خصوصية شخص دون رضاه، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة، قد يترتب عليه قيام المسؤولية الجنائية متى توافرت أركان الجريمة المنصوص عليها قانونًا.
ولفت إلى أنه إذا تضمن المنشور إسناد واقعة محددة إلى شخص من شأنها أن توجب عقابه قانونًا أو احتقاره لدى أهل وطنه، فقد تنطبق أحكام القذف الواردة في قانون العقوبات، متى توافرت أركانها. وشدد على أن انتهاء الخطوبة أو الزواج لا يمنح أي طرف الحق في التشهير بالطرف الآخر أو استغلال بياناته الشخصية للإضرار به.
ثالثًا: تصوير فيديو كاذب لتوريط شخص في جريمة.. هل تتحول الكاميرا إلى أداة لتلفيق الاتهامات؟
وتطرق المستشار أشرف ناجي الجندي إلى إحدى أخطر صور البلاغات الكيدية، والمتمثلة في تعمد اختلاق واقعة وتصوير مقطع فيديو مضلل بهدف الزج بشخص بريء خلف القضبان.
وأوضح أن بعض الوقائع قد تبدأ بافتعال موقف مع شخص، أو تصوير جزء من واقعة مع إخفاء ما سبقها أو تلاها، ثم إرفاق التسجيل برواية كاذبة أو نسبة فعل إلى شخص لم يرتكبه، والتقدم به إلى الشرطة أو النيابة العامة بقصد إقناعهما بوقوع جريمة.
وأشار إلى أن تحديد المسؤولية الجنائية في مثل هذه الحالات يتطلب فحص التسجيل وظروف تصويره، والتحقق من صحة الوقائع الواردة في البلاغ، ومدى توافر القصد الجنائي لدى مقدمه.
ما النصوص القانونية التي يمكن تطبيقها على هذه الوقائع؟
أولًا: المادة 305 من قانون العقوبات بشأن الإخبار الكاذب بسوء قصد
أوضح الجندي أن المادة 305 من قانون العقوبات تتناول الإخبار بأمر كاذب مع سوء القصد، وتقرر العقوبة وفقًا لأحكام القانون، حتى لو لم يترتب على الإخبار سوى تقديمه، ودون أن تنتهي الواقعة إلى إقامة دعوى بشأن الأمر المبلغ عنه.
وأكد أن تطبيق هذا النص يتطلب إثبات كذب الإخبار وسوء القصد وفقًا للأدلة وظروف الواقعة، ولا يشترط بالضرورة أن يكون البلاغ قد انتهى إلى محاكمة الشخص الذي اتُّهم فيه.
ثانيًا: المادتان 302 و303 من قانون العقوبات بشأن القذف
وأضاف أن الرواية الكاذبة المصاحبة للفيديو قد تشكل جريمة قذف إذا تضمنت إسناد واقعة محددة إلى شخص، وكان من شأنها أن توجب عقابه قانونًا أو احتقاره لدى أهل وطنه، مع توافر سائر الأركان والشروط القانونية.
وأشار إلى أن جريمة القذف تختلف عن جريمة الإخبار الكاذب، إلا أنه قد يجتمع الوصفان في واقعة واحدة إذا توافرت شروط كل منهما، وقد ينطبق أحدهما دون الآخر تبعًا لملابسات الواقعة وطبيعة الأفعال المرتكبة.
رابعًا: اصطناع الفيديو أو التلاعب بمحتواه.. متى يتحول إلى جريمة؟
وأكد الخبير القانوني أن اصطناع مقطع فيديو أو تغييره أو التلاعب بمحتواه لإظهار واقعة غير حقيقية يستلزم فحص طبيعة التعديل والغرض منه وكيفية استخدام التسجيل، لتحديد ما إذا كان الفعل يشكل جريمة مستقلة أو وسيلة لارتكاب جريمة أخرى.
وأوضح أن نشر رقم الهاتف وحده لا يؤدي بالضرورة إلى قيام جريمة في جميع الأحوال، إذ يتوقف التكييف القانوني على ظروف النشر والغرض منه وطبيعة البيانات المستخدمة. لكن ربط الرقم بمحتوى إباحي أو ادعاءات كاذبة أو إعلانات لترويج المخدرات بقصد الإضرار بصاحبه قد يغيّر التكييف القانوني، بحسب الوقائع والأدلة.
كيف يثبت المجني عليه أن الفيديو أو الحساب استُخدم لتلفيق الاتهام؟
وشدد المحامي أشرف ناجي الجندي على أن الدليل الرقمي قد يكون مفتاح كشف الحقيقة في جرائم المكايدة، لكن التعامل معه يجب أن يتم بدقة، مع الحفاظ على الأدلة الأصلية وعدم الاكتفاء بمقاطع مجتزأة أو صور منفصلة متى أمكن الاحتفاظ بالمحتوى الكامل.
وأوضح أن هناك عددًا من الخطوات التي تساعد في كشف حقيقة الواقعة وإثبات ملابساتها:
1. الاحتفاظ بالدليل الأصلي: حفظ الفيديو كاملًا، والروابط الإلكترونية، والمنشورات، والرسائل، وبيانات الحساب، بما يساعد على توثيق الواقعة ومصدر المحتوى.
2. طلب الفحص الفني: إذا وجدت أسباب جدية للاشتباه في وجود مونتاج أو تعديل أو اجتزاء، فينبغي طلب فحص التسجيل الأصلي وبياناته الفنية، والتحقق من توقيته وتسلسله ومدى اتصاله بالواقعة المدعى بها.
3. إثبات التهديدات ودوافع الانتقام: الاحتفاظ بالرسائل التي تتضمن تهديدًا بالتشهير أو تلفيق اتهام، وتقديمها إلى الجهات المختصة للاستعانة بها في فهم سياق الواقعة، دون اعتبارها وحدها دليلًا حاسمًا على ارتكاب الجريمة.
4. مقارنة الفيديو بأقوال مقدمه: فحص مدى تطابق أقوال مقدم البلاغ مع التسجيل الكامل، والتحقق مما إذا كانت هناك تناقضات جوهرية أو أجزاء مؤثرة جرى حذفها بما يغيّر فهم الواقعة.
5. طلب فحص الحسابات والبيانات الرقمية: اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لفحص الأدلة الرقمية وتحديد المستخدم الفعلي للحساب أو الجهاز متى أمكن ذلك، بدلًا من افتراض أن صاحب رقم الهاتف أو الحساب المسجل هو بالضرورة مرتكب الفعل.
6. تقديم بلاغ مستقل عند ظهور أدلة على التلفيق: إذا ظهرت أدلة جدية على اصطناع واقعة أو تقديم بلاغ كاذب أو التلاعب بدليل، فيمكن عرضها على جهات التحقيق وطلب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
واختتم الجندي بالتأكيد على أن مواجهة البلاغات الكيدية تتطلب التمييز بين حق كل شخص في اللجوء إلى جهات التحقيق وبين استغلال هذا الحق للإضرار بالآخرين، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا قد تُستخدم لتوثيق الجرائم وكشف حقيقتها، لكنها قد تتحول أيضًا إلى وسيلة للتشهير والتضليل، وهو ما يجعل فحص الأدلة الرقمية والتحقق من صحتها عنصرين أساسيين في الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة.



