رئيس التحرير
عصام كامل

الجفاف الممتد يضع مصر أمام اختبار مائي صعب.. سيناريوهات تراجع إيرادات النيل ومخزون السد العالي وخطر "التخزين الميت".. وتأثير نقص المياه على 250 ألف فدان واستدعاء جفاف الثمانينيات

نهر النيل، فيتو
نهر النيل، فيتو
18 حجم الخط

أكد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن مخزون السد العالي في وضع جيد جدا ومطمئن، ويغطي الاحتياجات المائية لمصر، رغم مرور حوض النيل الأزرق بموسم جفاف وانخفاض إيراد النهر عن المتوسط، مع توقع استمرار الإيراد أقل من المتوسط حتى نهاية العام المائي في يوليو 2027.

وتعيد تصريحات وزير الري فتح ملف تداعيات الجفاف الممتد على الموارد المائية المصرية، خاصة إذا تكررت سنوات انخفاض إيرادات النيل بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاحتياجات المائية، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط على مخزون بحيرة ناصر والقطاعات التي تعتمد على مياه النهر، وفي مقدمتها الزراعة ومياه الشرب والصناعة وتوليد الكهرباء.

وفي تصريحات خاصة لـ«فيتو»، حذر الدكتور خالد أبو زيد، الخبير الدولي في الموارد المائية، من مخاطر تكرار سنوات الجفاف، مستندا إلى دراسة هيدرولوجية تناولت تأثيرات السد الإثيوبي على مصر والسودان، واعتمدت على تسلسل الفيضانات والأمطار وتصرفات النيل الأزرق خلال نحو 100 عام حتى عام 2015، مع دراسة احتمالات تكرار الأنماط التاريخية في ظل وجود السد.

السد الإثيوبي وفواقد المياه.. 5 مليارات متر مكعب سنويا

قال أبو زيد: إن السعة القصوى لخزان السد الإثيوبي تبلغ نحو 74 مليار متر مكعب، فيما تصل مساحة البحيرة إلى نحو 1800 كيلومتر مربع، موضحا أن وجود هذه المساحة المائية يرتبط بفواقد نتيجة البخر والتسرب، تتغير وفقا لدرجات الحرارة وسرعة الرياح وطبيعة التربة والظروف المناخية.

وأضاف أن متوسط هذه الفواقد يقدر بنحو 5 مليارات متر مكعب سنويا، وفقا لتقديراته، وهو ما يعني إمكانية وصول إجمالي الفواقد إلى نحو 50 مليار متر مكعب على مدار عشر سنوات إذا استمر المتوسط نفسه، مع التأكيد أن الفواقد الفعلية تتغير من عام إلى آخر تبعا للظروف الجوية والتشغيلية.

وأوضح أن تقييم تأثير السد الإثيوبي لا يتوقف عند سعته التخزينية، بل يمتد إلى توقيت التخزين وكميات المياه التي يجري تمريرها خلال سنوات الوفرة والجفاف، ومدى التنسيق بين دول المنبع والمصب في إدارة الموارد المائية المشتركة.

ماذا يحدث إذا تكررت سنوات الجفاف؟

وأشار الخبير الدولي في الموارد المائية إلى أن تكرار سنوات الجفاف قد يؤدي إلى تراجع إيرادات النيل، بالتزامن مع استمرار الاحتياجات المائية، بما يضع ضغوطا على المخزون المتاح في بحيرة ناصر. 

ولفت إلى أن الدراسات الهيدرولوجية التي تناولت تسلسل الفيضانات التاريخية تساعد على اختبار سيناريوهات مختلفة، لكنها لا تمثل تنبؤا مؤكدا بما سيحدث مستقبلا، خصوصا مع التغيرات المناخية التي قد تغير أنماط سقوط الأمطار والتصرفات المائية.

وأوضح أبو زيد أن استمرار الجفاف لفترات طويلة قد يؤدي إلى انخفاض مناسيب بحيرة ناصر إلى مستويات شديدة الانخفاض، مشيرا إلى أن "التخزين الميت" في بحيرة السد العالي يقدر بنحو 30 مليار متر مكعب أسفل منسوب بوابات السد، وهي كميات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مخزونا متاحا للتصرف بالطريقة نفسها التي يجري بها استخدام المياه فوق هذا المنسوب.

وأضاف أن الخطورة تكمن في استمرار تراجع الوارد المائي لعدة سنوات، مع السحب من المخزون لتعويض العجز، إذ قد تتجاوز المياه المسحوبة حجم المياه المتراكمة التي يمكن الاعتماد عليها، بما يفرض ضغوطا متزايدة على إدارة الاحتياجات المائية المختلفة.

بحيرة ناصر والسد العالي.. خط الدفاع عن الاحتياجات المصرية

تبلغ السعة القصوى لبحيرة السد العالي نحو 160 مليار متر مكعب، بينما تبلغ حصة مصر السنوية من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب، لكن السعة القصوى للبحيرة لا تعني أن هذا الحجم متاح دائما، إذ يتغير المخزون وفقا للإيرادات الواردة، والسحب لتلبية الاحتياجات، ومعدلات البخر، وطبيعة تشغيل المنظومة المائية.

وأكد أبو زيد أن تراجع إيرادات النيل على مدى سنوات متتالية قد يزيد الاعتماد على المخزون المتراكم في بحيرة ناصر، موضحا أن استمرار هذا الوضع من دون تحسن في الإيرادات يرفع صعوبة الموازنة بين الاحتياجات المائية.

وشدد على أن التعامل مع سيناريو الجفاف الممتد يتطلب متابعة مستمرة للمخزون والإيرادات، وتحديث التقديرات المائية وفقا للبيانات الفعلية، إلى جانب وضع قواعد واضحة لتشغيل السد الإثيوبي في فترات الجفاف والجفاف الممتد، بما يضمن عدم تحميل دول المصب آثارا إضافية نتيجة قرارات التخزين والتشغيل.

جفاف الثمانينيات.. تحذير من تكرار السيناريو

واستشهد أبو زيد بفترة الجفاف التي شهدتها المنطقة خلال ثمانينيات القرن الماضي، واصفا إياها بأنها من أخطر فترات الجفاف خلال المائة عام التي تناولتها الدراسة. 

وذكر أنه في عام 1988 وصلت مناسيب بحيرة السد العالي إلى مستويات منخفضة للغاية، وأن استمرار الظروف نفسها لعام إضافي كان من الممكن أن يدفع الوضع إلى مرحلة أكثر خطورة، قبل أن يحول تحسن الفيضان دون الوصول إلى ذلك السيناريو.

وتبرز تجربة الثمانينيات أهمية وجود مخزون مائي قادر على امتصاص تقلبات الإيرادات السنوية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المخزون محدود، وأن استمرار الجفاف قد يقلص هامش الأمان المائي بمرور الوقت.

وأوضح الخبير أن استحضار هذه الفترة لا يعني الجزم بتكرارها، إذ لا يمكن تحديد موعد الجفاف المقبل أو مدته بدقة، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تؤثر على درجات الحرارة وأنماط سقوط الأمطار وتدفقات الأنهار.

كل مليار متر مكعب يؤثر على 250 ألف فدان

وحذر أبو زيد من انعكاسات نقص المياه على الزراعة المصرية، مشيرا إلى أن كل مليار متر مكعب من العجز المائي قد يؤثر على زراعة نحو 250 ألف فدان، وفقا لحساب تقريبي يستند إلى متوسط احتياجات مائية يبلغ نحو 4 آلاف متر مكعب للفدان، مع اختلاف الاحتياجات الفعلية بحسب نوع المحصول ومواعيد الزراعة وكفاءة الري.

وتعني هذه الحسابات أن نقصا مائيا قدره 5 مليارات متر مكعب، على سبيل المثال، يعادل احتياجات مائية نظرية لنحو 1.25 مليون فدان وفق الافتراض نفسه، لكن ذلك لا يعني بالضرورة خروج هذه المساحة كلها من الزراعة؛ إذ تتوقف النتيجة الفعلية على كيفية توزيع العجز، وترتيب أولويات الاستخدام، وإجراءات ترشيد المياه، ونوع المحاصيل المزروعة.

وأشار إلى أن الضغوط المائية لا ترتبط بالزراعة وحدها، إذ تشمل أيضا احتياجات مياه الشرب والصناعة وتوليد الكهرباء، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي والزراعي وارتفاع مستويات المعيشة.

التغير المناخي يزيد صعوبة التنبؤ بالجفاف

وقال أبو زيد: إن التغيرات المناخية تضيف قدرا من عدم اليقين إلى التوقعات المستقبلية، إذ يمكن أن تؤثر على كميات الأمطار وتوزيعها الزمني، وعلى معدلات البخر واحتياجات المياه. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة الفواقد المائية من المسطحات المائية، ويرفع احتياجات بعض المحاصيل إلى الري.

وأضاف الدكتور خالد أبو زيد، الخبير الدولي في الموارد المائية، أن حوض النيل يستقبل كميات كبيرة من الأمطار، تقدر بنحو 1660 مليار متر مكعب سنويا وفقا للتقديرات التي أشار إليها، إلا أن الجزء الذي يتحول إلى مياه زرقاء متدفقة في الأنهار لا يمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي الأمطار، بينما تسهم المياه الخضراء في تغذية الغطاء النباتي والمراعي والزراعة المطرية.

وأوضح أن اعتماد مصر الكبير على مياه النيل يجعلها أكثر تأثرا بالتغيرات التي تصيب إيرادات النهر، مقارنة بمناطق تعتمد بصورة أكبر على الأمطار المباشرة، مؤكدا أن التخطيط للمستقبل يجب أن يراعي التغيرات المحتملة في الإيرادات والاحتياجات معا.

اتفاق ملزم لإدارة السد الإثيوبي وقت الجفاف

وشدد أبو زيد على أهمية التوصل إلى اتفاق ملزم بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن قواعد تشغيل السد الإثيوبي، خصوصا في فترات الجفاف والجفاف الممتد، موضحا أن إدارة السد لا ينبغي أن تقتصر على تحديد قواعد الملء، بل يجب أن تشمل آليات واضحة للتعامل مع انخفاض الإيرادات وتنسيق التصرفات المائية.

وأشار إلى أن احتفاظ السد الإثيوبي بمناسيب تخزين مرتفعة بهدف تعظيم إنتاج الكهرباء، مع عدم تمرير كميات كافية من المياه خلال سنوات الجفاف، قد ينعكس على احتياجات دول المصب. 

وأضاف أن الحلول الفنية لتنظيم التشغيل موجودة، لكن تطبيقها يتطلب إرادة سياسية وتعاونا بين الدول المعنية.

وأكد أن أي توسع إضافي في إنشاء السدود على النيل الأزرق، في غياب قواعد متفق عليها لإدارة المياه، قد يزيد تعقيد ملف تقاسم المخاطر المائية، خاصة إذا تزامن مع سنوات انخفاض الأمطار والإيرادات.

إعادة استخدام المياه وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية

وفي مواجهة احتمالات الجفاف، أشار أبو زيد إلى أهمية التوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي بعد معالجتها، إلى جانب تحلية مياه البحر في المدن الساحلية، ورفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة والقطاعات الأخرى.

ولفت إلى مشروعات لمعالجة وإعادة استخدام المياه، من بينها محطة المحسمة بطاقة معلنة تبلغ نحو مليون متر مكعب يوميا، ومحطة بحر البقر بطاقة نحو 5.6 مليون متر مكعب يوميا، ومشروع الدلتا الجديدة بطاقة تصل إلى نحو 7.5 مليون متر مكعب يوميا، وفقا للأرقام التي أوردها. وتمثل هذه المشروعات جزءا من جهود تنويع مصادر المياه، مع ضرورة التمييز بين الطاقة التصميمية للمحطات وكميات المياه المنتجة فعليا.

وأضاف الدكتور خالد أبو زيد، أن مصر تتجه إلى إعادة استخدام المياه المتاحة أكثر من مرة، لكن هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة لجودة المياه، وتحديد الاستخدامات المناسبة لكل مصدر، إلى جانب استمرار جهود ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة شبكات الري.

المياه الافتراضية في الغذاء المستورد

وأوضح أبو زيد أن الأمن المائي يرتبط أيضا بالسياسات الزراعية والتجارية، مشيرا إلى أن واردات الغذاء تتضمن ما يعرف بـ«المياه الافتراضية»، أي المياه التي استُخدمت في إنتاج السلع الغذائية خارج الدولة المستوردة.

وذكر الخبير الدولي في الموارد المائية، أن تقديرات المياه الافتراضية المرتبطة بالغذاء الذي استوردته مصر في عام 2015 بلغت نحو 48 مليار متر مكعب، وفقا لما أورده، مشيرا إلى أن الاعتماد على الواردات الغذائية يتيح توفير جزء من المياه التي كان يمكن استخدامها محليا لإنتاج هذه السلع. كما أشار إلى أن تقديرات المياه الافتراضية في واردات الغذاء للدول العربية مجتمعة بلغت نحو 330 مليار متر مكعب في العام نفسه.

وأكد أن التعامل مع تحديات المياه يتطلب الجمع بين حماية الموارد المحلية، وتحسين الإنتاجية الزراعية، وترشيد الاستهلاك، وتحديد التركيبة المحصولية الملائمة، والاستفادة من التجارة الغذائية باعتبارها أحد عناصر إدارة الموارد المائية.

هل يهدد الجفاف الممتد الأمن الغذائي؟

وحذر أبو زيد من أن اجتماع عدة عوامل، تشمل تراجع الأمطار والإيرادات المائية، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الاحتياجات، واستمرار الجفاف لسنوات متتالية، قد يؤدي إلى ضغوط على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. 

وأشار إلى أن فترات الجفاف الشديد ارتبطت تاريخيا بأزمات غذائية ومجاعات في مناطق مختلفة، لكنه شدد على أن الاستعداد المبكر وإدارة الموارد بكفاءة يقللان من احتمالات الوصول إلى سيناريوهات شديدة الخطورة.

كما نبَّه إلى أن الإفراط في الاعتماد على المياه الجوفية غير المتجددة في المناطق الصحراوية قد يؤدي إلى انخفاض مناسيبها وتدهور نوعيتها وارتفاع ملوحتها، بما يجعلها موردا لا يمكن استخدامه بلا حدود.

وتؤكد هذه السيناريوهات أهمية عدم التعامل مع الجفاف بوصفه أزمة مرتبطة بموسم واحد فقط، بل باعتباره احتمالا يتطلب خططا مرنة لإدارة المخزون، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتعزيز إعادة الاستخدام، وتطوير نظم الإنذار المبكر، إلى جانب التوصل إلى قواعد واضحة للتعاون بين دول حوض النيل.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه وزير الري أن مخزون السد العالي جيد جدا، ويغطي الاحتياجات المائية الحالية، فإن التحذيرات من الجفاف الممتد تركز على ضرورة الحفاظ على هذا المخزون، والاستعداد لأي تراجع طويل الأمد في الإيرادات، من خلال سياسات مائية وزراعية متكاملة تستند إلى البيانات والسيناريوهات العلمية، لا إلى افتراض حتمي بوقوع أزمة مستقبلية.

الجريدة الرسمية