رئيس التحرير
عصام كامل

الفيدرالي بين التضخم والانتخابات الأمريكية، هل تثبيت الفائدة هو الخيار الأرجح ؟

الفيدرالي الأمريكي
الفيدرالي الأمريكي
18 حجم الخط

يتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه هذا الأسبوع، رغم صدور بيانات تضخم أقوى من المتوقع عززت الحجة لمواصلة التشديد النقدي.

 ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه البنك المركزي معادلة معقدة تجمع بين ضغوط اقتصادية، والتوقعات التي أرسلها مسؤولوه إلى الأسواق، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» اليوم الاثنين، فإن قرار التثبيت المرتقب لا يتحدد فقط بمستجدات الاقتصاد الأمريكي، بل يتأثر أيضا بالتصريحات السابقة لمسؤولي الفيدرالي، الذين أشاروا بعد رفع الفائدة في سبتمبر الماضي إلى أن البنك لا يحتاج إلى التسرع في خطوة جديدة.

ودفعت هذه الرسائل المستثمرين إلى تقليص توقعاتهم بزيادة الفائدة في أكتوبر، قبل أن تعيد بيانات التضخم الأخيرة إحياء الجدل حول ضرورة مزيد من التشديد النقدي.

تضخم أقوى من التوقعات

أظهرت بيانات أسعار المستهلكين والمنتجين لشهر سبتمبر ارتفاعات تجاوزت التوقعات، بما يشير إلى أن مؤشر التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي قد لا يكون قد سجل تقدما إضافيا نحو المستهدف البالغ 2%.

ويأتي ذلك امتدادا لحالة الجمود في مسار تراجع التضخم منذ مطلع 2025، مع استمرار الضغوط السعرية الناجمة عن الرسوم الجمركية وارتفاع تكاليف الطاقة.

وفي المقابل، ساعدت الطفرة الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما بناء مراكز البيانات والبنية التحتية التكنولوجية، في دعم مرونة الاقتصاد الأمريكي رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ولم يقدم رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، إشارات تدفع المستثمرين إلى توقع زيادة وشيكة للفائدة، ففي تصريحات له في 16 أكتوبر، قبيل بدء فترة الصمت الإعلامي، تجنب وارش التعليق على بيانات التضخم الأخيرة، واكتفى بالقول إن الاقتصاد تحرك بصورة تتوافق عموما مع توقعات المسؤولين في اجتماع سبتمبر، وبعد تلك التصريحات، تراجعت احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر إلى نحو 15%.

الانتخابات تزيد حساسية القرار

تكتسب خطوة الفيدرالي المرتقبة أهمية سياسية إضافية، لأن الاجتماع يأتي قبل أقل من أسبوع من انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، ورغم تأكيد مسؤولي البنك المركزي أن الاعتبارات السياسية لا تؤثر في قراراتهم، فإن رفع الفائدة بصورة مفاجئة قبل الانتخابات قد يثير جدلا واسعا.

جدل التأجيل مقابل الرفع

يرى بعض الاقتصاديين أن البنك المركزي ينبغي أن يرفع الفائدة هذا الأسبوع بدلا من الانتظار حتى ديسمبر، خاصة أن الأسواق تتوقع بالفعل زيادة جديدة قبل نهاية العام.

ويحذر هؤلاء من أن التأجيل قد يدفع الفيدرالي إلى اتخاذ خطوات أكثر حدة لاحقًا إذا استمرت الضغوط التضخمية، لكن هناك مبررات اقتصادية تدعم التريث، إذ أظهرت توقعات معظم مسؤولي الفيدرالي الشهر الماضي أنهم يرجحون زيادة إضافية واحدة فقط خلال العام الجاري. 

وإذا كان البنك لا يحتاج إلى رفع الفائدة كثيرا، فإن توزيع الزيادات على فترات أطول يمنحه فرصة لتقييم التطورات دون تكاليف كبيرة. 

تقلبات السندات تدعو للحذر

تضيف الاضطرابات الأخيرة في سوق السندات الأمريكية سببا آخر يدفع الفيدرالي إلى الحذر، فقد تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مستوى 5% عقب زيادة الفائدة في سبتمبر، قبل أن يرتفع فوق 5.3% خلال الأسابيع الثلاثة التالية، مسجلا أعلى مستوياته في 24 عاما.

لكن موجة بيع حادة في أسهم التكنولوجيا دفعت المستثمرين، الخميس الماضي، إلى اللجوء إلى السندات الحكومية باعتبارها ملاذا آمنا، ما أدى إلى انخفاض عائد السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 0.19 نقطة مئوية إلى 4.95%، في أكبر تراجع يومي منذ انهيار بنك «سيليكون فالي» في مارس 2023. 

انقسام داخل الفيدرالي

تعكس تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي اختلافا واضحا بشأن حجم الزيادات الإضافية المطلوبة، فقد اعتبر رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، ورئيسة الاحتياطي في سان فرانسيسكو ماري دالي، أن زيادة سبتمبر كانت خطوة لإدارة المخاطر ومنع ترسخ التضخم، وليست دليلا على أن أسعار الفائدة بعيدة كثيرًا عن المستوى المناسب. 

في المقابل، تتبنى مجموعة أخرى موقفا أكثر تشددا، فقد أكدت رئيسة الاحتياطي في دالاس لوري لوجان ضرورة رفع الفائدة بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية إضافية، كما دعت رئيسة الاحتياطي في كليفلاند بيث هاماك إلى تعديلات أصغر نسبيًا لكن بوتيرة أسرع، بدلًا من الانتظار واحتمال الاضطرار إلى تصحيح أكبر لاحقا.

واعترضت لوجان وهاماك على قرار تثبيت الفائدة في يوليو الماضي، إلى جانب رئيس الاحتياطي في مينيابوليس نيل كاشكاري، وقد يتكرر اعتراضهم إذا قرر البنك الإبقاء على الفائدة دون تغيير الأربعاء.

 أما عضو مجلس محافظي الفيدرالي كريستوفر والر فتبنى موقفا وسطا، مشيرا إلى أن زيادات الفائدة لا تحتاج إلى أن تتم في اجتماعات متتالية، لكنها يجب أن تُنفذ خلال فترة زمنية مناسبة.

الأسواق تترقب اجتماع ديسمبر

إذا قرر الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة الأربعاء، فسيتحول اهتمام المستثمرين إلى المؤتمر الصحفي لرئيس البنك كيفن وارش بحثا عن إشارات بشأن توقيت الزيادة المقبلة.

 وتتوقع الأسواق رفع الفائدة مجددا في ديسمبر، بينما أضاف عدد من المحللين، بينهم مارك جيانوني من «باركليز»، زيادة أخرى مطلع العام المقبل إلى توقعاتهم عقب بيانات التضخم الأخيرة، ويتراوح سعر الفائدة القياسي حاليًا بين 3.75% و4%.

وتكمن المعضلة الأساسية أمام البنك المركزي في أن الاقتصاد الأمريكي يشهد طفرة استثمارية تاريخية تتزامن مع قيود على جانب العرض، تفاقمت أخيرًا بسبب الحرب مع إيران.

 ولا تستطيع أسعار الفائدة المرتفعة معالجة هذه الاختناقات بصورة مباشرة، إذ تختلف العوامل الحالية المحركة للأسعار عن حالات التضخم التقليدية الناتجة عن ارتفاع الطلب والأجور وضيق سوق العمل. 

وبذلك، قد يمثل تثبيت الفائدة هذا الأسبوع مجرد توقف مؤقت في دورة التشديد النقدي، وليس إشارة إلى اقتراب نهايتها، خصوصًا إذا واصلت الضغوط التضخمية تحدي جهود البنك المركزي لإعادتها إلى المستوى المستهدف.

الجريدة الرسمية