60% من العمالة خارج المنظومة الرسمية.. خبراء: الاقتصاد الموازي يحرم الدولة من مليارات الجنيهات سنويا.. وتبسيط التراخيص والحوافز الضريبية والتمويل ضرورة لتحقيق الدمج
يمثل الاقتصاد الموازي أحد الملفات المؤثرة في هيكل الاقتصاد المصري مع اتساع الأنشطة التي تعمل خارج المنظومة الرسمية بداية من التجارة والمشروعات الصغيرة وصولا إلى بعض الأنشطة الإنتاجية والخدمية، وبينما يوفر هذا القطاع مصدر دخل وفرص عمل لشرائح واسعة تبرز تحديات تتعلق بالعدالة الضريبية وحماية العمالة وتكافؤ الفرص بين المشروعات، فضلا عن صعوبة حصول الأنشطة غير الرسمية على التمويل اللازم للنمو والتوسع.
ويطرح ذلك تساؤلا مهما حول كيفية تحويل هذه الأنشطة من اقتصاد يعمل خارج المنظومة إلى قوة إنتاجية أكثر تنظيما واستدامة.
خالد الشافعي: الإقتصاد غير الرسمي يهدد المنافسة ويحرم الدولة من مليارات الجنيهات
قال الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية: إن الاقتصاد الموازي أو غير الرسمي في مصر يمثل قطاعا ضخما وحيويا يدير مليارات الجنيهات بعيدا عن الرقابة الحكومية والمنظومة الرسمية ويشمل مختلف الانشطة الاقتصادية والإنتاجية والخدمية التي تسجل رسميه لدى الجهات الحكومية هو المنظومة الرسمية ويشمل مختلف الأنشطة الإقتصادية والإنتاجية والخدمية التي تسجل رسميا لدى الجهات الحكومية ولا تلتزم بسداد الضرائب المستحقة او بتوفير المظلة التأمينية والقانونية للعاملين بها.
وأوضح أن هذه الأنشطة تنتشر في الأسواق العشوائية والورش الحرفية والصناعية الصغيرة والتجارة الجائلة والخدمات المنزلية والمشروعات التي يديرها أفراد أو أسر دون تراخيص قانونية وتعتمد في جانب كبير منها على التعاملات النقدية بعيدا عن القطاع المصرفي فضلا عن علاقات تجارية ومالية تقوم على الثقة الشخصية والأعراف بدلا من العقود الرسمية.

وأضاف الشافعي أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي يؤدي إلى تشويه المنافسة والإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص بين التجار؛ إذ يتحمل أصحاب المشروعات الرسمية أعباء ضريبية وتأمينية وتكاليف التراخيص والتفتيش في حين يتمكن غير المسجلين وتقديم سلع وخدمات بأسعار أقل ما يمنحهم ميزة تنافسية على حساب المشروعات الملتزمة ويهدد بعضها بالإفلاس أو الإغلاق.
ولفت إلى أن معدل الضريبة العامة على أرباح الشركات يبلغ نحو 22.5%، فيما قد تتجاوز الأعباء التأمينية التي يتحملها صاحب العمل 18% وفقا لطبيعة الالتزامات التأمينية، موضحا أن ملايين العاملين في الاقتصاد الموازي يواجهون أوضاعا وظيفية غير مستقرة في ظل غياب عقود العمل والحماية القانونية والتأمين الصحي والاجتماعي والمعاشات فضلا عن ضعف ضمانات الحد الأدنى للأجور الذي أشار إلى بلوغه نحو 6000 جنيه للقطاع الخاص وغياب معايير الأمن والسلامة المهنية، بما يعرض العمال لمخاطر الفصل التعسفي والإصابات دون تعويض قانوني كاف.
واشار الى ان تقديرات حجم العمالة في الاقتصاد غير الرسمي تراوحت بين 50% و60% من إجمالي القوى العاملة في مصر وهو ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وتأثيرها في سوق العمل
وأوضح رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية أن استمرار الاقتصاد الموازي يحرم الخزانه العامة من حصيلة ضريبية وجمركية كبيرة تقدر بمئات المليارات من الجنيهات سنويا وهي موارد يمكن توجيهها إلى تطوير البنية التحتية وتحسين خدمات الصحة والتعليم، كما أن بقاء المشروعات خارج المنظومة الرسمية يحد من قدرتها على النمو والتوسع ويحرمها من فرص الاستفادة من التمويل المصرفي والقروض المسيرة والمبادرات الموجهة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومنها المبادرات ذات أسعار الفائدة البالغة 5% و7% نتيجة غياب السجلات والدفاتر والقوائم الماليه المطلوبة.
وشدد الشافعي على أن استمرار هذه الأوضاع يضعف قدرة المشروعات على التطور التكنولوجي والابتكار والتصدير ويحول دون انتقالها إلى كيانات أكثر إنتاجية وقدرة على خلق قيمة مضافة، مؤكدا أهمية تيسير إجراءات التسجيل والترخيص وتبسيط التعاملات الضريبية وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية والتمويل الرسمي بما يشجع أصحاب الأنشطة غير الرسمية على الانضمام إلى الاقتصاد المنظم ويحقق التوازن بين دمج هذه المشروعات وحماية حقوق العاملين ودعم نمو الاقتصادي المستدام.
الدكتور محمد عبد الباسط: الاقتصاد الموازي يحرم الدولة من موارد مهمة ويخلق منافسة غير متكافئة بين التجار
قال الدكتور محمد عبد الباسط، الخبير الاقتصادي ومدرس التمويل والمحاسبة بجامعة عين شمس: إن الاقتصاد الموازي يمثل أحد التحديات الهيكلية أمام الاقتصاد المصري، في ظل استمرار عمل عدد من المشروعات والأنشطة التجارية خارج المنظومة الرسمية بما يحد من قدرتها على التوسع والاستفادة من الخدمات التمويلية والمصرفية.
وأوضح أن استمرار بعض أصحاب المشروعات في العمل خارج الإطار الرسمي لا يرتبط فقط بالرغبة في تجنب الالتزامات الضريبية، بل قد يرجع أيضا إلى ارتفاع تكاليف الامتثال وتعدد الإجراءات الإدارية ومحدودية الحوافز التي يشعر بها أصحاب المشروعات الصغيرة عند الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، وهو ما يتطلب معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى البقاء خارج المنظومة.
وأضاف في تصريح خاص لـ “فيتو” أن انتشار الاقتصاد الموازي ينعكس على المنافسة في الأسواق، إذ تتحمل الشركات الملتزمة بالقواعد القانونية والضريبية تكاليف قد لا يتحملها منافسوها غير الرسميين، بما يخلق تفاوتا في فرص المنافسة ويؤثر على قدرة المشروعات المنظمة على النمو والاستثمار.
الاقتصاد الموازي.. مليارات خارج المنظومة الرسمية
وأشار إلى أن العمالة داخل الأنشطة غير الرسمية تكون أكثر عرضة لغياب الحماية الاجتماعية والتأمينات والاستقرار الوظيفي كما تواجه هذه المشروعات صعوبات في الحصول على التمويل المصرفي وتوسع قاعدة عملائها والدخول في سلاسل الإمداد المنظمة.

وشدد على التعامل مع الاقتصاد الموازي لا ينبغي أن يعتمد على الرقابة والعقوبات وحدهما يتطلب تبسيط إجراءات التسجيل والترخيص وتوفير نظام ضريبي ملائم للمشروعات الصغيرة وتسهيل الوصول إلى التمويل وربط الانضمام إلى المنظومة الرسمية بمزايا حقيقية تساعد أصحاب المشروعات على النمو.
وأكد أن دمج الأنشطة غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي من شأنه تعزيز المنافسة العادلة وتوسع القاعدة الضريبية وتحسين حماية العاملين ورفع قدرة المشروعات الصغيرة على الاستثمار والتوسع بما يدعم النمو الاقتصادي المستدام.
الدكتورة درية ماضي: دمج الاقتصاد الموازي يتطلب حوافز حقيقية وتبسيط إجراءات التسجيل
قالت الدكتورة درية ماضي، مدرس التمويل والاستثمار بجامعة عين شمس: إن التعامل مع الاقتصاد الموازي يتطلب رؤية اقتصادية متكاملة لا تقتصر على حصر الأنشطة غير الرسمية أو مطالبتها بالانضمام إلى المنظومة القانونية وإنما تقوم على فهم الدوافع التي تجعل أصحاب المشروعات يفضلون الاستمرار خارج الإطار الرسمي والعمل على إزالة العقبات التي تحول دون انتقالهم إلى الاقتصاد المنظم.
وأوضحت أن إرتفاع تكاليف التشغيل وتعقيد الإجراءات الإدارية، والقلق من الأعباء الضريبية إلى جانب محدودية فرص الحصول على التمويل، قد تدفع بعض أصحاب المشروعات الصغيرة إلى تجنب التسجيل الرسمي، خاصة عندما لا يرون مقابلا واضحا للالتزامات التي سيتحملونها.
وأضافت أن إستمرار الأنشطة خارج المنظومة الرسمية يخلق تحديات أمام تحقيق المنافسة العادلة إذ تتحمل المشروعات المسجلة تكاليف ضريبية وإدارية والتزامات تتعلق بحقوق العاملين في حين قد تتمتع بعض الأنشطة غير الرسمية بمرونة أكبر في التسعير وهو ما قد يؤثر على قدرة الشركات الملتزمة بالقانون على الاستمرار والتوسع.
وأشارت إلى أن خطورة الاقتصاد الموازي لا تقتصر على الإيرادات العامة بل تمتد إلى ضعف قدرة المشروعات على بناء سجلات مالية واضحة والحصول على الائتمان المصرفي وجذب الاستثمارات والاستفادة من الأدوات الرقمية التي تساعد على تحسين الإدارة ورفع الإنتاجية.
وأكدت أن نجاح سياسات دمج الاقتصاد الموازي يرتبط بتقديم حوافز ملموسة لأصحاب المشروعات من خلال تبسيط إجراءات التسجيل والترخيص وتطبيق نظم ضريبية تتناسب مع حجم النشاط وتسهيل الوصول إلى التمويل والخدمات المصرفية إلى جانب توفير الدعم الفني والتدريب اللازمين لتطوير المشروعات الصغيرة.

وشددت على أهمية تحقيق التوازن بين تشجيع أصحاب الأنشطة غير الرسمية على الانضمام إلى الإقتصاد المنظم وضمان التزام الجميع بقواعد المنافسة وحماية حقوق العاملين بما يسهم في توسع قاعدة الإقتصاد الرسمي ورفع كفاءة الأصوات وتحويل المشروعات الصغيره من انشطة محدودة النمو إلى كيانات قادرة على الاستثمار وخلق فرص عمل مستقرة.








