معركة الكائنات الفضائية الأمريكية (2 من 2)
الأجسام الطائرة المجهولة.. معركة سياسية في أمريكا.. مطالب شعبية بكشف الأسرار الحكومية ومخاوف من اختراق المنشآت العسكرية.. وجدل حول سباق التسلح والتفوق التكنولوجي
تتجاوز قضية الأجسام الطائرة المجهولة في الولايات المتحدة حدود الجدل العلمي حول وجود كائنات فضائية، لتتحول إلى ملف يرتبط بالأمن القومي والتنافس التكنولوجي، وسط مطالب شعبية بالكشف عن المعلومات الحكومية. وبين احتمالات امتلاك قوى منافسة تقنيات جوية متطورة، وتساؤلات بشأن طبيعة هذه الظواهر، تبرز القضية بوصفها اختبارا لشفافية المؤسسات الأمريكية وقدرتها على حماية منشآتها العسكرية، فضلا عن إمكانية استخدامها كورقة انتخابية مستقبلا.
ففي مقابلة أجريت معه في فبراير 2026، تحدث الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عن الكائنات الفضائية، قائلا "إنهم موجودون"، قبل أن يسارع إلى التوضيح قائلا: "لكنني لم أرهم. وهم ليسوا محتجزين في المنطقة 51. ولا توجد منشأة تحت الأرض، إلا إذا كانت هناك مؤامرة هائلة أخفوا حقيقتها عن رئيس الولايات المتحدة".
وأضاف أوباما أنه يستند في اعتقاده باحتمال وجود كائنات خارج الأرض، جزئيا، إلى أن "الكون شاسع إلى حد يجعل احتمالات وجود حياة في مكان ما مرتفعة، من الناحية الإحصائية".
تلسكوب "كيبلر" يرصد آلاف الكواكب الخارجية
تصريحات أوباما كانت تكرارا لحجة يكررها كثير من المؤمنين بوجود حياة خارج الأرض، خصوصا بعدما اكتشف تلسكوب "كيبلر" الفضائي التابع لوكالة ناسا، إلى جانب مراصد فضائية وأرضية أخرى، آلاف الكواكب الخارجية، أي الكواكب التي تدور حول نجوم غير الشمس.
وقد دفع ذلك علماء الفلك إلى استنتاج أن كل نجم تقريبا من تريليونات النجوم في السماء قد يدور حوله عالم واحد على الأقل، وفق "تايم".

وعلى المستوى الشعبي، يبدو أن الأمريكيين يتعاملون مع هذا الملف بجدية لافتة؛ حيث كشفت نتائج استطلاع رأي أجرته مؤسسة "الكشف" المعنية بتتبع ملف الكائنات الفضائية أن 84% من المشاركين في الاستطلاع يريدون الحصول على مزيد من المعلومات الحكومية بشأن الظواهر الشاذة غير المحددة.
ويعتقد 69% من المشاركين في الاستطلاع أن هذه الظواهر حقيقية، فيما يؤيد 59% عقد جلسات استماع وإقرار قوانين تضمن الشفافية. وفي المقابل، لا يثق سوى 21% في أن الحكومة الفيدرالية تقول الحقيقة كاملة، دون تباين واضح بين الديمقراطيين والجمهوريين.
الكائنات الفضائية ورقة انتخابية
يقول جوردان فلاورز، المدير التنفيذي لمؤسسة "الكشف" في تصريحات لمجلة "تايم": يمكنك أن تخوض الانتخابات في الولايات المتحدة مرشحا يركز على قضية واحدة فقط، وقد تكون هذه القضية هي الشفافية بشأن الظواهر الشاذة غير المحددة، ويمكنك الفوز بالانتخابات اعتمادا على هذه القضية وحدها.
وعلى خلاف قضايا انتخابية أخرى، مثل الضرائب والهجرة والمناخ، التي تظل مطروحة على مدى عقود من دون نهاية واضحة، فإن قضية الشفافية بشأن هذه الظواهر لها نقطة نهاية محددة. فالحكومة ستكشف كل ما تعرفه، وستحقق في المشاهدات، وستحدد أصولها، سواء تبين أنها أجسام أرضية المنشأ، كالمعدات العسكرية المتطورة للغاية أو غيرها من الوسائل، أو أنها، في اكتشاف قد يغير مسار التاريخ، أجسام قادمة من خارج الأرض، وفق "تايم".
هل هي أجسام معادية من صنع البشر؟
يقول عالم الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات بجامعة هارفارد ورئيس "المجلس الاستشاري العلمي للظواهر الشاذة غير المحددة" آفي لوب في تصريحات سابقة لمجلة "تايم": افتراضي الأساسي هو أن هذه أجسام من صنع البشر، تشغلها دول معادية بالقرب من منشآت استراتيجية أمريكية. لكن ماذا لو لم تكن كذلك؟ ماذا لو جاءت من مكان آخر؟ ستكون الإجابة على تلك الأسئلة أعظم اكتشاف تحققه البشرية على الإطلاق.
من جهته، يؤكد الملازم المتقاعد في البحرية الأمريكية رايان جريفز أنه واجه هذه الظواهر للمرة الأولى قبالة الساحل الشرقي للولايات المتحدة قبل 14 عاما، ثم رصد المزيد منها خلال العامين التاليين.

وقال جريفز لمجلة "تايم": "عدنا من إحدى المهام العسكرية عام 2012، وبدأنا تحديث أنظمة الرادار لدينا، فلاحظنا على الفور أجساما في منطقة عملياتنا لم نكن نتوقع وجودها. وكان هناك عادة ما بين ثلاثة وستة أجسام في المجال الجوي قبالة ساحل فيرجينيا بيتش. وكانت أحيانا ثابتة تماما في مكانها رغم الرياح الشديدة جدا، وأحيانا أخرى تطير بسرعة تتراوح بين 250 و350 عقدة، أي ما يعادل نحو 288 إلى 402 ميل في الساعة".
وأوضح جريفز أن أقطار هذه الأجسام تراوحت بين 5 و15 قدما، وأنها بدت كأنها مكعب رمادي أو أسود داخل كرة شفافة. ولم تكن تصدر أي عوادم، وكانت تتحرك بطريقة تشمل الهبوط والصعود وتغيير الاتجاه فجأة، بما قد يعرض أي راكب بشري لقوى تسارع قد تكون قاتلة. وفي بعض الأحيان، كانت هذه الأجسام تقترب كثيرا من طائرات البحرية المقاتلة، إلى حد اضطرار الطيارين إلى تقديم تقارير عن مخاطر الطيران، لتحذير الطائرات الأخرى العاملة في المنطقة. لقد كانت هذه الأجسام تمارس تلك الحركات طوال اليوم. وقد يبدو الأمر كما لو أنها تستخدم قوانين فيزيائية سحرية لا نفهمها. لقد سجلنا 12 حادثة مشابهة.
حادثة حلوى الـ"تيك تاك"
لم تكن مشاهدات الطيارين التابعين للبحرية قبالة سواحل فيرجينيا وفلوريدا التجارب الوحيدة التي خاضها الجيش الأمريكي مع الظواهر الشاذة غير المحددة. ومن أبرزها ما يعرف باسم "حادثة تيك تاك"، التي وقعت قبالة ساحل كاليفورنيا عام 2004.
فخلال مهمة عسكرية كانت تسير بصورة اعتيادية، رصد أفراد الرادار مرارا انعكاسات جسم طائر يتحرك على نحو غير مألوف، إذ كان يلتف ويهبط ويصعد، ثم ينخفض فجأة من ارتفاع 80 ألف قدم إلى 20 ألف قدم.
ولكشف حقيقة الجسم، أرسلت مجموعة من الطيارين إلى السماء. وبعد وصولهم، اكتشفوا ما قدروه بأنه آلة طائرة يبلغ طولها نحو 45 قدما، وتشبه إلى حد كبير الحلوى المعروفة باسم "تيك تاك"، بسبب شكلها المستطيل ذي الأطراف المستديرة.
وقال الطيار ديفيد فرافور خلال ظهوره أمام لجنة في الكونجرس عام 2023: نظرنا نحن الأربعة إلى الأسفل ورأينا جسما يشبه حلوى "تيك تاك" يتحرك فوق سطح الماء بحركات مفاجئة للغاية. لم تكن هناك تيارات هوائية. وعندما وجهنا مقدمة الطائرة نحو الجسم، على مسافة تقل عن نصف ميل منه، تسارع بسرعة هائلة واختفى. وقد احتفظت تسجيلات كاميرات قمرة القيادة بمشاهد من هذه المواجهة.
تكنولوجيا تفوق البشر
لم تقتصر المضايقات على الطائرات؛ إذ تعرضت منشآت عسكرية برية أيضا لتحركات مماثلة. ففي ديسمبر 2024، وعلى مدى 17 ليلة متتالية، اجتاحت أجسام طائرة قاعدة لانجلي الجوية في مدينة هامبتون بولاية فرجينيا. وكانت تظهر في السماء بعد نحو 45 دقيقة من غروب الشمس، ثم تحلق مرارا فوق القاعدة.
ووفقا لرائد الفضاء السابق سكوت كيلي، الذي اختير عام 2022 عضوا في فريق تابع لوكالة ناسا لدراسة الظواهر الشاذة غير المحددة، بدت الأجسام بطول نحو 20 قدما، وكانت تحلق على ارتفاع يتراوح بين 3 آلاف و4 آلاف قدم، وبسرعة تقارب 100 ميل في الساعة.
وبلغت خطورة هذه الاختراقات الجوية حدا دفع قاعدة لانجلي إلى إلغاء تدريبات الطيران الليلية ونقل طائراتها المقاتلة من طراز "إف-22" إلى قاعدة جوية أخرى، وفق مجلة "تايم".
وتخلص مجلة "تايم" إلى القول: إذا ثبت أن هذه الأجسام قادمة من خارج الأرض، فهذا يعني أن التكنولوجيا التي تمتلكها الكائنات الفضائية تتجاوز بفارق هائل كل ما طوره البشر من آلات طيران. أما إذا كانت أرضية المنشأ، ومصممة ومشغلة من جانب دول منافسة، فإنها تشير إلى سباق تسلح قد تكون الولايات المتحدة متأخرة فيه بالفعل.




