من لويس باستور إلى نوبل 2026.. حكاية لغز كيميائي عمره 178 عامًا.. جزيئات لا تراها العين قد تنقذ حياة.. اكتشاف يغير قواعد تصنيع الأدوية والعطور
هل تخيلت يوما أن اختلافا بسيطا لا تراه العين بين جزيئين متشابهين قد يصنع الفارق بين دواء يمنح المريض فرصة الشفاء وآخر قد يعرضه لعواقب خطيرة؟ قد تبدو تلك الفكرة غريبة، لكنها تكشف واحدا من أكثر الألغاز إثارة فى عالم الكيمياء؛ حيث لا يتوقف الأمر عند مكونات الجزيء، بل يمتد إلى الطريقة التى تنتظم بها ذراته، وما قد يترتب عليها من اختلاف فى تأثيره داخل الجسم.
فمن يدك اليمنى التى لا تتطابق تماما مع اليسرى، تبدأ حكاية لغز كيميائى يعود إلى عام 1848، حين وضع عالم الكيمياء الفرنسى الشهير لويس باستور، الذى ارتبط اسمه باكتشاف عملية البسترة وتخفيض معدل وفيات حمى النفاس وإعداد لقاحات مضادة لداء الكلب والجمرة الخبيث، إحدى اللبنات الأولى لفهم حالة “التناظر الجزيئي”.
وعلى مدى 178 عاما، واصل العلماء البحث فى أسرار الجزيئات التى تتشابه فى تركيبها، لكنها تختلف فى ترتيبها الفراغى وتأثيراتها فى رحلة طويلة توجتها جائزة نوبل فى الكيمياء لعام 2026، والتى منحت للعالمين الفرنسى هنرى كاجان واليابانى كينسو سواي، تقديرا لأبحاثهما التى فتحت آفاقا جديدة للتحكم فى التفاعلات الكيميائية، وتطوير صناعة الدواء، وتعميق فهم الأسس الكيميائية للحياة.
لغز اليدين.. مفتاح لفهم كيمياء الحياة
لتبسيط المشهد، انظر إلى يديك؛ كلاهما تكونان من كف وخمسة أصابع، لكن اليمنى لا تتطابق تماما مع اليسرى، رغم التشابه بينهما. وينطبق الأمر نفسه على بعض الجزيئات الكيميائية التى توجد فى صورتين، تمثل إحداهما انعكاس الأخرى فى المرآة، من دون أن يمكن مطابقتهما بمجرد تدويرهما.
ويطلق الكيميائيون على هذه الخاصية اسم “الكيرالية”، والمعروفة أيضا بـ”جزيئات المرآة”، وهى خاصية هندسية مرتبطة بمفهوم عدم التماثل. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى تفصيلا دقيقا فى بنية المادة، لكنه يحمل أهمية كبيرة فى عالم الأدوية؛ إذ يمكن أن يتفاعل كل شكل من الجزيء بصورة مختلفة مع الخلايا والإنزيمات والمستقبلات الحيوية داخل جسم الإنسان، ما قد يؤدى إلى نتائج كارثية فى بعض الأحيان.
وتكمن المشكلة فى أن التفاعلات الكيميائية قد تنتج الشكلين معا، فى حين يحتاج تصنيع بعض الأدوية إلى الحصول على شكل محدد بدقة، لضمان الفعالية المطلوبة وتقليل الآثار غير المرغوبة.
ومن هنا جاءت أهمية أبحاث كاجان وسواي، اللذين حصلا على نوبل الكيمياء لعام 2026، تقديرا لاكتشاف التأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتى فى التخليق العضوى غير المتماثل، وهى آليات تتيح توجيه التفاعلات الكيميائية نحو إنتاج أحد الشكلين بكميات أكبر من الآخر، بل وتضخيم الفارق بينهما فى ظروف معينة.
من كارثة الثاليدومايد إلى ضرورة ضبط الجزيئات
يقول أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا، المصرى ماهر القاضي، فى تصريحات لـ”فيتو”: إن أهمية هذا المجال يمكن تبسيطها بتخيل شخص يدخل صيدلية للحصول على دواء وصفه الطبيب، ليكتشف أن أحد شكلى جزيئه يحقق التأثير العلاجى المطلوب، بينما قد يكون الشكل الآخر أقل فاعلية أو مختلف التأثير.
وتبرز أهمية هذه المسألة فى تاريخ صناعة الدواء، خاصة مع كارثة الثاليدومايد، وهو دواء استخدم فى أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضى للتخفيف من الغثيان، ومن بينه غثيان الحمل. وأدى استخدامه إلى ولادة آلاف الأطفال بتشوهات خلقية خطيرة، شملت تشوهات فى الأطراف.
وربطت التفسيرات العلمية المبكرة بين التأثيرات المختلفة للصورتين المرآتيتين للجزيء، لكن القضية أكثر تعقيدا من مجرد وجود شكل نافع وآخر ضار؛ إذ يمكن للصورتين أن تتحولا إحداهما إلى الأخرى داخل الجسم. ولذلك لا يصح اختزال مأساة الثاليدومايد فى الفصل بين شكلين ثابتين، بل تكشف عن أهمية فهم سلوك الجزيئات داخل الأنظمة الحيوية قبل اعتماد الأدوية واستخدامها.
وأعادت هذه الكارثة تسليط الضوء على ضرورة دراسة البنية الفراغية للجزيئات، وعدم الاكتفاء بمعرفة مكوناتها أو عدد ذراتها، لأن التفاصيل الدقيقة قد تصنع فارقا حاسما فى التأثير العلاجى والسلامة.
كيف تساعد الأبحاث فى تطوير الأدوية؟
ويوضح القاضى أن اختلاف ترتيب الذرات فى الفراغ قد يؤثر فى قدرة الجزيء على أداء وظيفته الدوائية، حتى عندما يتساوى شكلان فى عدد الذرات وترابطها الأساسي. فالجزيئات الحيوية داخل الجسم تتميز بدورها ببنى فراغية محددة، وهو ما يجعل التوافق بين الدواء والهدف البيولوجى عاملا مهما فى تحديد النتيجة العلاجية.
ويضيف أن التحكم فى هذه البنية يمكن أن يساعد الباحثين على تطوير طرق أكثر دقة لإنتاج الشكل المطلوب من الجزيئات الدوائية، والحد من تكوين الأشكال غير المرغوبة، بما يدعم كفاءة التصنيع ويقلل الهدر، فضلا عن إتاحة فرص جديدة لتطوير مركبات دوائية أكثر انتقائية.
وقد وصف رئيس لجنة نوبل للكيمياء هاينر لينكه إنجاز العالمين بأنه حل للغز كيميائى يعود إلى أكثر من قرن، يتعلق بكيفية نشوء التجانس الكيرالى بصورة تلقائية؛ فيما قالت اللجنة فى بياها: إن كاجان اكتشف طريقة جديدة للتحكم فى التفاعلات الكيميائية، تتيح الحصول على فائض أكبر من أحد الشكلين المتناظرين (الصورتين المرآتيتين) مقارنة بما كان يعتقد سابقا أنه ممكن. وقد أحدث اكتشافه ثورة بالنسبة للكيميائيين الذين يطورون تفاعلات لتصنيع المستحضرات الصيدلانية، والنكهات، والعطور، والمواد الجديدة.
