رئيس التحرير
عصام كامل

دستور يا أسيادنا.. 7 محطات تاريخية في رحلة الدستور المصرى منذ عام 1837.. والرئيس يقطع الطريق على المزايدين

الدستور المصري، فيتو
الدستور المصري، فيتو
18 حجم الخط

جاء تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسى بأنه لا مساس بالدستور، وأنه سوف يكتفى بحكم البلاد حتى 2030، ليعكس احترامه للدستور، وليقطع الطريق على المزايدين من الجانبين. ولا شك أن الدستور المصرى على مر التاريخ كان عرضة للتعديلات المتتالية التى تصل أحيانا إلى حد العبث والهوى.

على مدار قرن ويزيد، خاضت الدولة المصرية رحلة طويلة ومعقدة فى مسار بناء نظامها الدستوري، متأرجحةً بين محطات مضيئة لإرساء دعائم الديمقراطية وفصل السلطات، وأخرى حالكة شهدت انتهاكات جسيمة وتعديلات استثنائية عصفت بحقوق المواطنين وحرياتهم.

منذ صدور دستور 1923 كأول وثيقة ليبرالية منظمة للحياة النيابية، مرورًا بدستور 1971 وما شابه من إشكاليات، وصولًا إلى اللحظات المفصلية التى شهدت صدور إعلانات دستورية أثارت جدلًا واسعًا حول صلاحيات السلطة التنفيذية وحدود سيادة القانون، ظل الصراع محتدمًا بين رغبة الشعوب فى ترسيخ دولة المؤسسات وبين محاولات الالتفاف على الحصانات الدستورية والقضائية.

وفى قلب هذه المسيرة التاريخية الطويلة، يبرز “الإعلان الدستوري” الصادر عام 2012 ممثلا علامة فارقة أحدثت هزة عنيفة فى بنيان الدولة القانونية، لما تضمنه من مواقف غير مسبوقة فى تحصين القرارات والاعتداء على استقلال القضاء، وهو ما فتح الباب واسعًا نحو مواجهات سياسية وشعبية عارمة انتهت بتبدل مسار الحكم فى البلاد.

دستور عام 1837

وتستعرض فيتو فى هذا التقرير الموسع، رحلة الدستور المصرى عبر التاريخ وأبرز محطاته التاريخية، منذ عام 1837 وحتى الآن، حيث يؤكد الدكتور صلاح الدين فوزى أستاذ القانون الدستورى عضو لجنة الخبراء التى أعدت مسودة دستور 2014 وعضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، أنه فى عام 1837 أصدر محمد على أول قانون يتعلق بنظام الحكم وهو القانون الذى عرف باسم قانون السياستنامة، والذى يعد أول دستور حقيقى للبلاد، والذى احتوى على مقدمة وثلاثة فصول. وأوضحت المقدمة القواعد العامة للحكم والإدارة، وأن جميع المصالح المتعلقة بالأمور الداخلية تسند إلى ديوان واحد، وكذلك أبنية الدولة يلزم أن تسند إلى ديوان واحد، وأن الدواوين العامة عليها فى آخر كل عام تقديم حساباتها ومصروفاتها إلى ديوان تفتيش الحسابات لمراجعتها.

وأوضح أن الفصل الأول كان يحدد دواوين الدولة فى ذلك التوقيت، كالتالي:
الديوان الخديوي.

ديوان الإيرادات.
ديوان العساكر البرية.
ديوان البحر.
ديوان المدارس.
ديوان الأمور الأفرنجية والتجارة المصرية.
ديوان الفابريكات (المصانع).
وتابع، أما الفصل الثانى فكان متضمنًا مهام كل ديوان من دواوين الدولة، والفصل الثالث احتوى على بيان بالعقوبات المقررة على مخالفة القوانين واللوائح المعمول بها.

1866 لائحة تأسيس مجلس شورى النواب

وأضاف أستاذ القانون الدستوري: فى 27 أكتوبر سنة 1866 أصدر الخديو إسماعيل لائحة تأسيس مجلس شورى النواب، حيث شكل هذا المجلس عن طريق الانتخاب من أقاليم الدولة بنسبة عدد السكان؛ حيث كان ينتخب واحد أو اثنان عن كل قسم من أقسام المديرية بحسب عدد السكان، وينتخب ثلاثة عن القاهرة واثنان عن الإسكندرية وواحد عن دمياط.
أما هيئة الناخبين فكانت مشكلة من مشايخ البلاد المنتخبين من قبل الأهالي، ولكن بالنسبة إلى القاهرة والإسكندرية ودمياط فكان الناخبون هم أعيان هذه المدن، متابعا: وقد تقررت حصانة لأعضاء المجلس، لكن مدة عمل المجلس فقط فى الأيام المحددة له - لكن لا تشمل الحصانة جرائم القتل.

1882م - 1913م اللائحة الأساسية والقوانين النظامية

وأضاف: 7 فبراير سنة 1882، صدرت لائحة أساسية لمجلس النواب والتى نصت على أن النواب لهم مطلق الحرية فى التعبير عن آرائهم وهم مستقلون، كما تقرر لهم حصانة برلمانية لا ترفع إلا بإذن من المجلس. وتقرر للنواب اختصاصات تشريعية ورقابية ومالية.

وتابع: فى أول مايو سنة 1883، صدر القانون النظامى، والذى بموجبه شكلت مجالس المديريات، ومجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، ومجلس شورى الحكومة.
وتابع، عهد الخديو عباس حلمى (أول يوليو سنة 1913)،  صدر القانون النظامى رقم 29، حيث بموجبه تم إنشاء جمعية تشريعية، ومجلس للمديريات فى كل مديرية.

1923م - 1935م  دستور 1923 ودستور 1930

وأضاف فوزى: منذ قرن من الزمان صدر أول دستور مصرى متكامل فى 19 أبريل سنة 1923.

وأوضح: فى أول مارس سنة 1922 رشح عدلى يكن السيد عبد الخالق باشا ثروت - كى يُشكل وزارة جديدة.

وأضاف: بعد ذلك بشهر واحد شكلت لجنة لوضع مشروع دستور للبلاد، وقانون للانتخابات، وكان حسين رشدى باشا رئيسًا للجنة، وأحمد حسنين باشا نائبًا للرئيس، وكانت اللجنة مشكلة من ثلاثين عضوًا وأطلق عليها “لجنة الثلاثين”، وضمت مفكرين وأدباء ورجال قانون، ورجال مال وأعيان، ورجال دين وتجار وساسة، وعلماء، ولكنها لم تضم أعضاء لا من الحزب الوطنى ولا من حزب الوفد؛ لأن هذين الحزبين رفضا المشاركة فى أعمال هذه اللجنة، بل إن الزعيم سعد زغلول - والذى كان منفيًا فى هذا الوقت فى جزيرة سيشل - وصف هذه اللجنة بأنها “لجنة الأشقياء” لأنه كان يرى أنه من اللازم أن يوضع الدستور من خلال جمعية تأسيسية تمثل الأمة لا من خلال لجنة تشكلها الحكومة.

قامت اللجنة بعرض مشروع الدستور على عبد الخالق باشا ثروت فى 21/10/1922 توطئة لأن يصدر به مرسوم ملكي، وأيضًا قدمت اللجنة مشروع قانون للانتخابات.

وتابع: استقال عبد الخالق باشا ثروت، فأدى ذلك إلى الحيلولة دون صدور الدستور فى ذلك الوقت، على الرغم من أن وزارة الأشغال كانت قد شرعت فى إقامة وبناء مقر لمجلس النواب منذ أغسطس سنة 1922، كما تم بالفعل توسيع مبنى الجمعية العمومية لتكون مقرًا لمجلس الشيوخ.

وأضاف: فى مارس سنة 1923 جاءت وزارة يحيى باشا إبراهيم، حيث ألغت الأحكام العرفية، كما أفرجت عن الزعيم  سعد زغلول ورفاقه من المنفى، وبتاريخ 19 أبريل سنة 1923 صدر الدستور، كما أجريت انتخابات فى 27/9/1923 فاز فيها حزب الوفد وشكلت وزارة جديدة برئاسة سعد باشا زغلول بعد استقالة وزارة يحيى باشا إبراهيم والتى خسرت فى الانتخابات رغم أنها كانت تدير هذه الانتخابات.

مصير دستور 1923

وتابع الدكتور صلاح فوزى: لم يستمر دستور 1923 طويلًا، حيث صدر دستور آخر فى 22 أكتوبر سنة 1930، لكنه أطيح بهذا الدستور، حيث تمت العودة مرة ثانية لدستور 1923 وكان ذلك سنة 1935.

[1952م - 1964م] مرحلة ثورة 23 يوليو والدساتير التالية

وأضاف: فى 10 ديسمبر سنة 1952 بعد قيام ثورة 23 يوليو سنة 1952 صدر الإعلان الدستورى بسقوط العمل بدستور سنة 1923.

وفى 16 يناير سنة 1953، صدر إعلان دستورى متضمنا حل الأحزاب السياسية ومصادرة أموالها لصالح الشعب.

وتابع: وفى 10 فبراير سنة 1953 صدر إعلان دستورى لتنظيم الحكم خلال فترة انتقالية، وفى 18 يونيو سنة 1953 صدر إعلان دستورى بإلغاء النظام الملكى وإعلان الجمهورية.

وتابع فوزى: ثم فى 16 يناير سنة 1956 صدر دستور مصرى متكامل، تناول خصائص الدولة ومقومات المجتمع الأساسية والحقوق والواجبات وتنظيم السلطات العامة فى الدولة، وفى عام 1958 بعد الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا سنة 1958 صدر دستور مؤقت للجمهورية العربية المتحدة فى نفس العام، ثم فى 27 سبتمبر سنة 1962: صدر إعلان دستورى فى شأن التنظيم السياسى لسلطات الدولة العليا تضمن تشكيل مجلس رئاسة وآخر تنفيذي.

الدستور المصرى الجديد

[1971م - 2012م] الدستور الدائم والإعلانات الدستورية المتعاقبة
وتابع: وفى سبتمبر سنة 1971 صدر دستور آخر يحمل اسم “الدستور الدائم”، وقد دخلت عليه عدة تعديلات: (الأول سنة 1980، الثانى عام 2005، الثالث عام 2007، الرابع والأخير فى 19/3/2011).

فى 30/3/2011 صدر إعلان دستورى تضمن (63) مادة، ولم تتضمن نصًا صريحًا بإلغاء دستور 1971، لكن ذلك مستفاد ضمنًا، وهذا الإعلان أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وتابع: فى 19/11/2011 صدر إعلان دستورى آخر بتنظيم تصويت المصريين المقيمين خارج البلاد فى الانتخابات والاستفتاءات الدستورية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
وأضاف، فى 17/6/2012 أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلانًا دستوريًا.

الإعلانات الدستورية اللاحقة فى 2012، ثم صدر إعلان دستورى تضمن إلغاء الإعلان الدستورى الذى سبق أن أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى 17/6/2012.

وأضاف: فى 21/11/2012 صدر إعلان دستورى آخر تضمن تحصين قرارات رئيس الجمهورية من الرقابة القضائية وعزل النائب العام وإعادة إحياء المادة (74) من دستور 1971.

وقال فوزى: هذا الإعلان الدستورى الذى سمى وبحق إعلان كارثي، تضمن العديد من المخالفات: أولها تحصين القرارات التى سبق صدورها منه، وتحصين القرارات التى سوف يصدرها مستقبلًا، وهذا أمر فى غاية الغرابة لم يشهده أى دستور فى ستينيات هذا القرن.

وتابع: الأمر الآخر هو أنه اعتدى على السلطة القضائية، حيث عزل النائب العام، وهذا أمر يتضمن انتهاكا صارخا لنصوص الدساتير، بل بالقواعد الدستورية غير المكتوبة.

وأضاف: وأيضًا منح نفسه مزيدًا من السلطات معيدًا إحياء المادة 74 التى كانت تشوه دستور 71، تلك المادة التى تعطى رئيس الجمهورية الحق فى اتخاذ أى إجراءات تصل إلى تعطيل عدد من القوانين والمساس بالحريات العامة.

وتابع: بذلك يعد هذا الإعلان بوضعيته فعلًا إعلانًا دستوريًا كارثيًا صدر من رئيس الجمهورية الذى تم عزله بإرادة شعبية بعد ذلك، مشيرا إلى أن هذا الإعلان هو يعنى بمثابة الشرارة التى أدت إلى إشعال ثورة 30 يونيو والإطاحة به؛ لأنه انتهاك كل الحقوق الدستورية وكل الضمانات القانونية المقررة واعتدى على الحصانة المقررة للسلطة القضائية ومستقبل النائب العام.

وواصل فوزى استعراضه لرحلة الدستور المصرى، موضحا أن فى 8/12/2012 صدر إعلان دستورى ألغى بموجبه الإعلان الصادر فى 21/11/2012، إلا أنه أبقى على ما ترتب على هذا الإعلان الملغى من آثار معتبرًا إياها صحيحة ومشروعة.

وتابع: فى دستور 2012 تم تشكيل جمعية تأسيسية مكونة من (100 عضو) لإعداد مشروع دستور جديد حيث أنهت أعمالها وتم الاستفتاء على المشروع، وصدر بذلك دستور سنة 2012 مكونًا من خمسة أبواب هي:

مقومات الدولة والمجتمع.
الحقوق والحريات.
السلطات العامة.
الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية.
الأحكام الانتقالية والختامية.

[2013م - 2019م] دستور 2014 وتعديلاته

وتابع: فى 30/6/2013 حدثت ثورة شعبية عارمة على أثرها صدر بيان من القيادة العامة للقوات المسلحة عقب الاجتماع بعدد من الرموز الدينية والوطنية والشباب تضمن تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شئون البلاد خلال المرحلة الانتقالية لحين انتخاب رئيس جديد، ومعه حق خلال المرحلة الانتقالية إصدار إعلانات دستورية.

وتابع: فى 5/7/2013 أصدر الرئيس المؤقت إعلانًا دستوريًا متضمنًا حل مجلس الشورى.
وأضاف، فى 8/7/2013 أصدر الرئيس المؤقت إعلانًا دستوريًا تضمن (33 مادة) وتشكيل لجنة خبراء من عشرة أعضاء (اثنان من المحكمة الدستورية العليا، واثنان من قضاة مجلس الدولة، واثنان من القضاء العادي، وأربعة من أساتذة القانون الدستورى بالجامعات المصرية) لاقتراح تعديلات على دستور 2012 المعطل.

وتابع: فى 21/7/2013 صدر قرار رئيس الجمهورية رقم (489) لسنة 2013 بتشكيل لجنة الخبراء، ثم  قرار رئيس الجمهورية رقم (570) لسنة 2013: تشكيل لجنة من (خمسين عضوًا) لإعداد المشروع النهائى للدستور، ثم استفتاء 14 و15 يناير 2014: أُجرى الاستفتاء على المشروع حيث تم إقرار الدستور، والذى هو من الناحية الموضوعية دستور جديد مكون من ستة أبواب مسبوقة بديباجة بعدد (247 مادة).

تعديلات أبريل 2019

وواصل فوزى: ثم أُجرى تعديل على هذا الدستور حيث تم إدخال تعديل على عدد من مواد الدستور بالتغيير، كما أُضيف باب جديد هو الباب السابع والذى فيه استُحدث مجلس الشيوخ وأصبح مجموع مواد الدستور (254) مادة.

وقال الدكتور صلاح فوزى: إن الدساتير عبارة عن وثائق قانونية تصنعها الإرادة العامة للشعوب وقت إعداد الدستور، وهذه الإرادة ليست ثابتة بل متغيرة وفقًا لعوامل الزمن والمتطلبات من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الشعب الذى وافق على الدستور فى وقت الاستفتاء عليه ليس هو الشعب بعد عقد من الزمان أو أقل أو أكثر؛ لأن الجسم الانتخابى يتغير من فترة لأخرى، حيث ينضم إليه مواطنون كانوا دون سن الرشد السياسى ويخرج منه آخرون بحكم الوفاة أو وجود مانع يحول دون مباشرتهم للحقوق السياسية.

وتابع: لذلك فإن ما يقال عن وجود «نصوص دستورية خالدة لا يطالها التعديل أو الإلغاء» فإن هذا القول تنقصه الدقة، مستشهدا بدستور مصر سنة 1930 الذى كان متضمنًا نص المادة (156) والتى كانت تنص على: “لا يجوز اقتراح تنقيح هذا الدستور فى العشر سنوات التى تلى العمل به”، لكنه قد أطيح بهذا الدستور كله عام 1935 وتقرر العودة لدستور سنة 1923.
وحول فكرة الرقابة على دستورية القوانين، قال فوزى إن الأصل العام هو أن القضاء الدستورى يضطلع بمهمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، بمعنى أن يتم التثبت مما إذا كان القانون أو اللائحة لا تتضمن تناقضًا ومخالفة لحكم من أحكام الدستور.

أما المطابقة الدستورية للقوانين واللوائح فهذا يوكل للقضاء الدستورى حالة وجود توزيع للاختصاصات بين القانون واللائحة (مثل المادة 34 من الدستور الفرنسى الصادر سنة 1958).

وأحيانًا توكل النصوص الدستورية للقضاء الدستورى اختصاصًا بتفسير الدستور (مثل المادة 93/1 من الدستور الألماني).

كما يمكن للنصوص الدستورية أن توكل للقضاء الدستورى مهمة الرقابة على إجراءات التعديلات الدستورية.

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية