رئيس التحرير
عصام كامل

تزامنًا مع «منتدى مصر 2026».. المؤشر العالمي للفتوى يفنّد الشائعات: المجتمعية والخدمية تتصدر بـ42% والاقتصادية 37% والدينية 21%.. يوصي بإنشاء سجل رصدي لتصنيف الشائعات وتتبع مصادرها

منتدى مصر 2026، فيتو
منتدى مصر 2026، فيتو
18 حجم الخط

تزامنًا مع انطلاق «منتدى مصر»، ودعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، إلى أهمية رفع وعي المواطنين وتعريفهم بأهمية مواجهة الشائعات والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمغلوطة، أصدر المؤشر العالمي للفتوى (GFI)، التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تقريرًا عن أنماط الشائعات والمعلومات المضللة المتداولة في مصر خلال الفترة من أغسطس إلى أكتوبر 2026؛ بما يعكس اتساع نطاق الشائعات، التي تناولت القضايا الاقتصادية والخدمات الحكومية والمعيشية، وامتدت إلى الموضوعات الدينية والصحية والاجتماعية، مرورًا بالأخبار المرتبطة بالأمن والسلامة العامة والأصول الوطنية والمشروعات الاستراتيجية.

 

وأظهر التحليل الكمي للحالات المرصودة على مدار الأشهر الثلاثة تنوعًا في طبيعة الشائعات بحسب موضوعاتها وأهدافها؛ إذ تصدرت الشائعات المجتمعية والخدمية والأمنية بنسبة (42%)، بما يعكس اتساع نطاق التضليل المرتبط بالقضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، وتؤثر في شعورهم بالأمن وثقتهم بالخدمات والمؤسسات. 

 الشائعات الاقتصادية في المرتبة الثانية بنسبة (37%)

وجاءت الشائعات الاقتصادية في المرتبة الثانية بنسبة (37%)، وتناولت قضايا معيشية ومالية وخدمية ذات صلة مباشرة بمصالح المواطنين؛ بما يؤكد قابلية هذه الموضوعات لاستثارة القلق وتداول المعلومات غير الدقيقة. فيما سجلت الشائعات والمعلومات المضللة المتعلقة بالقضايا الدينية نسبة (21%)، وشملت أنماطًا من انتحال الشخصيات الدينية، وتوظيف الرموز والمؤسسات الدينية في محتوى مضلل، فضلًا عن الشائعات التي تمس سمعة الأفراد.

ويؤكد المؤشر العالمي للفتوى أن الشائعات لا تتحرك في نطاق واحد، بل تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والمجتمعية والدينية، بما يستدعي تطوير استجابات توعوية مؤسسية وإعلامية متخصصة، تراعي طبيعة كل موضوع وآليات تأثيره في الجمهور، وتعزز الوعي والجاهزية لمواجهة الشائعات.

الشائعات، واحتياجات المواطنين اليومية

أظهر تحليل المؤشر العالمي للفتوى أن الشائعات الأكثر حساسية هي تلك التي ترتبط مباشرة باحتياجات المواطنين اليومية ومصادر قلقهم، وفي مقدمتها الأسعار والطاقة والأدوية والدعم الاجتماعي والرسوم والخدمات العامة؛ فكلما اتصل الادعاء بمصلحة معيشية مباشرة، ازدادت قابليته لجذب الانتباه وإعادة التداول، خاصة عندما يُقدَّم في صورة قرار رسمي وشيك أو معلومة عاجلة مدعومة بأرقام محددة، دون الاستناد إلى مستند يمكن التحقق منه.

 شائعات بشأن تداول أسعار جديدة للبنزين والسولار دون الاستناد إلى قرار رسمي

ورصد المؤشر شائعات بشأن تداول أسعار جديدة للبنزين والسولار دون الاستناد إلى قرار رسمي، إلى جانب ادعاءات تتعلق بعدم توافر أدوية التأمين الصحي والأنسولين، ومزاعم باستبعاد أكثر من ثلاثة ملايين أسرة من برنامج «تكافل وكرامة». وفي هذه الحالات، استند المؤشر، في التحقق من تلك الادعاءات، إلى توضيحات الجهات المختصة، التي نفت الشائعات المتعلقة بها أو صححت المعلومات المتداولة بشأنها.

وأشار المؤشر كذلك إلى تداول مزاعم بشأن طرح أراضٍ ومواقع مطلة على كورنيش النيل للبيع، وادعاءات ربطت خسائر قناة السويس بمقترحات لبيعها أو مقايضتها بالمديونية، استنادًا إلى تصريحات قديمة أُعيد تقديمها خارج سياقها. ويرى المؤشر أن هذه الحالات تشير إلى نمط تضليلي يقوم على الجمع بين معلومة جزئية أو قديمة واستنتاج جديد لا يثبته المصدر الأصلي، بما يخلق انطباعًا بوجود توجهات أو قرارات رسمية لم يثبت صدورها.

 


وامتدت ساحة الشائعات إلى ادعاءات بشأن تكلفة إصلاح سفينة التغييز «إنرجوس وينتر»، ورسوم المعاملات القنصلية للمصريين في الخارج، وبعض المشروعات الاستراتيجية، فضلًا عن مزاعم مرتبطة بسلامة تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية. كما تناولت الشائعات قضايا تتصل بالهجرة ومياه النيل والملاحة البحرية والأوضاع داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.

وفي هذا السياق، لفت المؤشر الانتباه إلى أن خطورة الشائعة لا تستمد من مضمونها وحده، بل تتوقف أيضًا على توقيت نشرها، وحساسية القضية التي تتناولها، وطريقة صياغتها، ومدى قدرة الجمهور على الوصول إلى المعلومات الأصلية. كما أن تكرار الادعاء عبر صفحات متعددة لا يُعد دليلًا مستقلًّا على صحته، إذا كانت تلك الصفحات تعيد نقل المصدر نفسه أو تكرر رواية غير موثقة.

الشائعات الدينية.. استغلال الثقة وانتحال الهوية

وفيما يتعلق بالمجال الديني، كشف تقرير المؤشر العالمي للفتوى عن أنماط من التضليل تتجاوز اختلاق الأحكام الشرعية إلى التلاعب بمصادر الفتوى، واجتزاء أقوال العلماء، وانتحال الشخصيات الدينية، وتوظيف الرموز والمحتوى الديني في سياقات تجارية أو دعائية مضللة.

ومن أبرز الحالات التي تناولها التقرير استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج إعلانات ومقاطع تنتحل صور الرموز الدينية. 

ومن وسائل التضليل في هذا السياق استخدام صورة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وصوته للترويج لأدوية ومنتجات علاجية، وهو ما حذَّر منه الأزهر، مؤكدًا عدم صلة تلك المواد بالإمام الأكبر أو الأزهر الشريف. 

وتكشف هذه الواقعة تحديدًا عن نمط بالغ الخطورة من «نقل الثقة»؛ إذ يستعير المحتوى المضلل مكانة شخصية دينية موثوقة ليمنح منتجًا تجاريًّا مصداقية زائفة؛ بما قد يؤثر في قرارات الشراء والقرارات المتعلقة بالصحة، ويجعل المستهلك أكثر استعدادًا لتصديق ادعاءات لم تخضع للتحقق العلمي أو المؤسسي. 

كما رصد المؤشر التلاعب بمقطع صوتي مرتبط بإذاعة القرآن الكريم واستخدامه في إعلان تجاري، إلى جانب حالات يُوظَّف فيها المظهر الديني للإيحاء بانتماء مؤسسي لم يجرِ التحقق منه، فضلًا عن التحذيرات من الشائعات المتعلقة بالأعراض والتشهير بالأفراد. 

وتوضح هذه الأنماط أن التضليل الديني قد يستهدف سمعة الأشخاص والمؤسسات، أو يستغل الرموز الدينية لتسويق المنتجات، أو يثير خلافات اجتماعية استنادًا إلى أقوال مبتورة أو منسوبة على غير وجهها الصحيح.

الذكاء الاصطناعي.. تحدٍّ جديد أمام التحقق الإعلامي

أوضح المؤشر العالمي للفتوى، في تقريره، أن التطور التقني أتاح إمكانات واسعة لإنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية تبدو واقعية، بما يزيد صعوبة التمييز بين المحتوى الأصلي والمحتوى المعدل أو المصطنع، خاصة عندما تُستخدم هذه التقنيات في انتحال شخصيات عامة أو دينية، أو الترويج لمنتجات، أو إعادة تأطير أحداث قديمة باعتبارها وقائع جديدة. ولا تقتصر المشكلة على التزييف الكامل؛ إذ قد يكون المحتوى أصليًّا في أساسه، لكنه يُقتطع من سياقه، أو يُحذف جزء من التصريح بما يغيِّر دلالته، أو تُضاف إليه معلومات لا يتضمنها المصدر الأصلي. ومن ثم، فإن التحقق الفعّال لا يعتمد على الانطباع البصري أو الصوتي وحده، بل يقوم على مقارنة النسخ، والبحث عن المصدر الأول، وفحص التاريخ والسياق، وجمع القرائن المستقلة.

 وشدد المؤشر على أن أدوات كشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي لا تقدم، بمفردها، حكمًا قاطعًا، وأن نتائجها تظل احتمالية تستلزم مراجعة مصادر مستقلة.

كما أن وجود شعار رسمي أو تصميم احترافي أو أرقام دقيقة لا يثبت صحة الوثيقة أو الادعاء، ما لم يكن من الممكن التحقق من الجهة المصدرة، وتاريخ النشر، وسلامة النص الأصلي.

التفاعل الرقمي.. بين الانتشار والتأثير الحقيقي

أكد المؤشر العالمي للفتوى، في تحليله للتفاعل مع الشائعات، أهمية الفصل بين عدد مرات تداول الادعاء، والمشاركات والتعليقات، والوصول الفعلي، وطبيعة الاستجابة الجماهيرية، موضحًا أن هذه المؤشرات لا يمكن دمجها في رقم واحد، ولا يجوز استنتاج حجم التفاعل من مجرد تكرار الخبر في وسائل الإعلام. كما لا يصح اعتبار كل إعادة نشر تأييدًا للمحتوى؛ فقد يتداوله المستخدم بغرض التحذير منه أو انتقاده أو السخرية منه، وقد يعيد آخرون نشره دون التحقق من صحته. ولذلك، ينبغي التمييز بين التفاعل المؤيد للادعاء، والتفاعل الرافض له، والمشاركة التوعوية، والتداول غير الواعي.

وأشار المؤشر إلى أن ردود الفعل تجاه القضايا الوطنية والمشروعات الاستراتيجية قد تتضمن تأييدًا وثقة وتعبيرًا عن الاعتزاز الوطني، في حين تكشف قضايا الأسعار والخدمات عن مخاوف معيشية وتساؤلات تحتاج إلى إجابات واضحة. ولا تعني هذه الملاحظات، في حد ذاتها، أن جميع الشائعات أحدثت آثارًا قابلة للقياس؛ إذ يتطلب إثبات التأثير الفعلي بيانات موثقة ومنهجية مستقلة لقياس الوصول والتفاعل والتحولات في اتجاهات الجمهور.

نحو استراتيجية استباقية لمواجهة الشائعات

طرح المؤشر العالمي للفتوى مجموعة من التوصيات لتعزيز جهود مواجهة التضليل، في مقدمتها إنشاء سجل رصد مشترك يصنف الشائعات بحسب المجال والنوع وتاريخ الظهور والجهة المنسوب إليها الادعاء ونتيجة التحقق، مع أرشفة المنشورات الأصلية وروابطها وتواريخها ولقطات الشاشة، وتوثيق خطوات التحقق. 

كما أوصى بإصدار ردود سريعة ومختصرة قابلة للمشاركة، ترتبط بروابط تفصيلية للمعلومات الأصلية، وتطوير صفحة موحدة للفتاوى المتداولة تتيح البحث باستخدام النص والكلمات المفتاحية والتاريخ، وتوضح ما إذا كان المحتوى صحيحًا أو مجتزأً أو غير موجود في المصدر المنسوب إليه.

وشدد المؤشر على أهمية إتاحة المعلومات الرسمية بصورة استباقية، خاصة في القضايا التي تمس الأصول العامة والدعم الاجتماعي والخدمات الأساسية، وإرفاق بيانات النفي بالأدلة القابلة للفحص بدلًا من الاكتفاء بعبارات عامة، مع تعزيز وضوح المتحدثين الرسميين، وتوفير أسئلة وأجوبة تشرح القرارات والإجراءات ذات الصلة. 

ودعا المؤشر إلى توسيع برامج التوعية الإعلامية والرقمية، وتعريف المواطنين بأساليب كشف الصور القديمة والمضللة، والتحقق من مقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية، ومراجعة المستندات المفبركة، والتأكد من صحة الفتاوى المنسوبة إلى المؤسسات والعلماء. 

كما أكد ضرورة تصحيح المعلومات الخاطئة المنشورة سابقًا بوضوح، وإرفاق المصدر الصحيح بدلًا من الاكتفاء بحذف المنشور.

وفي المجال الديني، تبرز الحاجة إلى تعزيز خطاب توعوي يرسخ قيم التثبت والمسؤولية في النشر، واحترام الاختلاف الفقهي المشروع.

ويحذر من استغلال الرموز الدينية في الاحتيال أو التسويق المضلل، مع دعم التعاون بين المؤسسات الدينية والجهات الإعلامية والخدمية والاقتصادية.

التثبت مسؤولية مشتركة لحماية الوعي والمجتمع

اختتم المؤشر العالمي للفتوى بيانه بالتأكيد على أن مواجهة الشائعات لا تتحقق بالنفي وحده، بل تتطلب منظومة متكاملة تجمع بين سرعة الاستجابة، وتصحيح المعلومات، والتحقق المهني، والتوعية المجتمعية، والقدرة على فهم دوافع التداول وآثاره المحتملة، مشددًا على أن مسؤولية مواجهة التضليل لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تمتد إلى كل مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي؛ فإعادة نشر معلومة غير موثقة قد تحول الفرد من متلقٍّ للشائعة إلى مشارك في انتشارها، حتى لو كانت نيته التحذير أو التنبيه، وأن القاعدة الأساسية في هذا السياق هي التثبت قبل التصديق والنشر، والرجوع إلى المصادر الأصلية والجهات المختصة، وعدم اتخاذ قرارات صحية أو مالية أو اجتماعية استنادًا إلى رسائل مجهولة أو محتوى مبتور، فضلًا عن صون كرامة الأفراد وحرمة الأعراض، وعدم الخلط بين الاختلاف المشروع والتضليل المتعمد. 

وأخيرا أكَّد أن بناء مجتمع قادر على مقاومة الشائعات يبدأ من ترسيخ ثقافة التحقق، وتعزيز الثقة القائمة على المعلومات الموثقة، وتكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية والإعلامية والرسمية والمجتمع، بما يحمي الوعي العام ويصون الاستقرار المجتمعي، ويجعل المسؤولية في تداول المعلومات جزءًا أصيلًا من المسؤولية الدينية والوطنية والأخلاقية.

الجريدة الرسمية