ما دلالات قوله تعالى «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» في كتب التفسير؟
الباقيات الصالحات ، استهل الإمام ابن عاشور – رحمه الله – تفسير الآية { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } ببيان أن إيرادها في السياق “أريد به الموعظة والعبرة للمؤمنين بأن ما فيه المشركون من النعمة من مال وبنين ما هو إلا زينة الحياة الدنيا التي علمتم أنها إلى زوال، كقوله تعالى {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ…} وأن ما أعد الله للمؤمنين خير عند الله وخير أملًا، والاغتباط بالمال والبنين شنشنة معروفة في العرب.
الباقيات الصالحات
ثم بين أن (الباقيات الصالحات) “صفتان جرتا على موصوف محذوف، أي الأعمال الصالحات الباقيات، أي التي لا زوال لها، أي لا زوال لخيرها، وهو ثوابها الخالد، فهي خير من زينة الحياة الدنيا التي هي غير باقية”.
وعن ترتيب الوصفين قال: “وكان مقتضى الظاهر في ترتيب الوصفين أن يقدم الصالحات على الباقيات؛ لأنهما وإن كانا وصفين لموصوف محذوف إلا أن أعرفهما في وصفية ذلك المحذوف هو الصالحات؛ لأنه قد شاع أن يقال: الأعمال الصالحات، ولا يقال الأعمال الباقيات، ولأن بقاءها مترتب على صلاحها، فلا جرم أن الصالحات وصف قام مقام الموصوف وأغنى عنه كثيرًا في الكلام حتى صار لفظ الصالحات بمنزلة الاسم الدال على عمل خير، وذلك كثير في القرآن قال تعالى (وعملوا الصالحات)…
ثم بين لماذا خولف مقتضى الظاهر هنا، فقال: “فقدم (الباقيات) للتنبيه على أن ما ذكر قبله إنما كان مفضولًا؛ لأنه ليس بباق، وهو (المال والبنون)، كقوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}، فكان هذا التقديم قاضيًا لحق الإيجاز لإغنائه عن كلام محذوف، تقديره: أن ذلك زائل أو ما هو بباق، والباقيات من الصالحات خير منه”، وتعمق في توضيح ذلك فقال: “فكان قوله (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) مفيدًا للزوال بطريقة التمثيل، وهو من دلالة التضمن، وكان قوله: (والباقيات) مفيدًا زوال غيرها بطريقة الالتزام، فحصل دلالتان غير مطابقتين، وهما أوقع في صناعة البلاغة، وحصل بثانيتهما تأكيد لمفاد الأولى فجاء كلامًا مؤكدًا موجزًا.
ثم أشار إلى أن “نظير هذه الآية آية سورة مريم {وَالْبَاقِيَاتُ الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا}، فإنه وقع إثر قوله {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتُنَا بِيِّناتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا، وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئيًا…}”.
سر تقديم المال على البنين
وعن سر تقديم المال على البنين في الذكر، قال: “لأنه أسبق خطورًا لأذهان الناس؛ لأنه يرغب فيه الصغير والكبير والشاب والشيخ، ومن له من الأولاد ما قد كفاه…”.
وختم تفسيره للآية بقوله: “معنى (وَخَيْرٌ أَمَلًا) أن أمل الآمل في المال والبنين إنما يأمل حصول أمر مشكوك في حصوله ومقصور على مدته، وأما الآمل لثواب الأعمال الصالحة فهو يأمل حصول أمر موعود به من صادق الوعد، ويأمل شيئًا تحصل منه منفعة الدنيا ومنفعة الآخرة.


