رئيس التحرير
عصام كامل

جمال نكروما، ابنُ غانا الذي حمل في قلبه حكاية مصر وأفريقيا

الصحفي جمال نكروما،
الصحفي جمال نكروما، فيتو
18 حجم الخط

رحل الكاتب الصحفي جمال نكروما، نجل الزعيم الغاني الراحل كوامي نكروما، وأحد مؤسسي صحيفة الأهرام ويكلي، إحدى إصدارات الأهرام الناطقة بالإنجليزي، تاركًا وراءه سيرةً تتقاطع فيها الصحافة مع التاريخ، وتلتقي فيها مصر بغانا، وتتجسد فيها حكاية جيلٍ آمن بأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا بين الشعوب، وعلى مدى عقود، ظل  حاضرًا بقلمه وفكره، مدافعًا عن قضايا أفريقيا وتطلعات شعوبها إلى الحرية والعدالة والتنمية. 

نعاه الدكتور محمد فايز فرحات، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، مؤكدً اأن المؤسسة ستتذكره بكل  التقدير لمسيرته وإسهاماته وعطاءه الصحفي والفكري، واهتمامه بقضايا الشعوب الأفريقية وتطلعاتها إلى الحرية والعدالة والتنمية، على نحو ٣ عقود.  

وقال:" حمل  نكروما الابن في تكوينه وثقافته عمق الروابط المصرية الأفريقية، بوصفه نجل الزعيم الغاني الراحل كوامي نكروما والسيدة المصرية فتحية نكروما، وجسّد في حياته وعمله صلة إنسانية وثقافية بين مصر وغانا.

الرئيس كوام نكروما 

الكاتب الصحفي جمال نكروما نجل الزعيم كوامي  نكروما، من أبرز القادة السياسيين في تاريخ أفريقيا الحديث، ومن الشخصيات التي أسهمت في إنهاء الاستعمار وتعزيز حركات التحرر الوطني. 

قاد «نكروما» نضال غانا ضد الحكم الاستعماري البريطاني، وأصبح أول رئيس وزراء لها بعد استقلالها عام 1957، ثم أول رئيس للجمهورية عام 1960، ولم  يقتصر تأثيره على غانا، بل امتد إلى القارة الأفريقية من خلال دعوته إلى الوحدة الأفريقية والتعاون السياسي والاقتصادي بين دولها.

النشأة والتعليم

وُلد كوامي نكروما في 21 سبتمبر 1909 في نكروفول، بمنطقة نزيما في ساحل الذهب، وهي المستعمرة البريطانية التي أصبحت لاحقًا دولة غانا. نشأ في أسرة متواضعة، وتلقى تعليمه الأولي في بلاده، ثم عمل في مجال التعليم لفترة.

في عام 1935، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة دراسته الجامعية، ودرس في مؤسسات تعليمية من بينها جامعة لينكولن وجامعة بنسلفانيا. وتعرّف خلال هذه المرحلة على أفكار القومية الأفريقية والتحرر من الاستعمار، وتأثر بأفكار الوحدة والتضامن بين الشعوب الأفريقية.

ثم انتقل إلى بريطانيا، حيث واصل نشاطه السياسي وشارك في تنظيم المؤتمرات والحركات المناهضة للاستعمار، قبل أن يعود إلى ساحل الذهب عام 1947.

وأسهم تعليمه واحتكاكه بالحركات السياسية والفكرية في تشكيل رؤيته للاستقلال، وجعله يتبنى مشروعًا يتجاوز إنهاء الاستعمار إلى بناء دولة مستقلة وتحقيق الوحدة الأفريقية.

بداية النضال السياسي

عند عودته إلى ساحل الذهب عام 1947، انضم نكروما إلى اتفاقية ساحل الذهب المتحدة، وهي حركة سياسية كانت تطالب بالإصلاحات الدستورية وزيادة مشاركة السكان في الحكم. لكنه اختلف مع بعض قياداتها بشأن أساليب النضال وسرعة تحقيق الاستقلال، فاختار العمل السياسي الجماهيري المباشر.

وفي عام 1949، أسس حزب المؤتمر الشعبي، الذي اعتمد على تعبئة الجماهير والعمال والشباب للمطالبة بالحكم الذاتي والاستقلال. ودعا إلى استخدام الوسائل السياسية والاحتجاجات والإضرابات لتحقيق أهداف الحركة الوطنية.

اعتقلته السلطات الاستعمارية عام 1950 بسبب نشاطه السياسي، لكن حزبه حقق نجاحًا انتخابيًا كبيرًا عام 1951، ما أدى إلى الإفراج عنه وتوليه منصبًا قياديًا في الحكومة المحلية.

 ساعد نكروما على تحويل المطالبة بالاستقلال إلى حركة شعبية منظمة، وأثبت أن الضغط السياسي والانتخابي يمكن أن يكون وسيلة فعالة لمواجهة الحكم الاستعماري.

استقلال غانا وتأسيس الدولة

في السادس من مارس عام 1957، حصلت غانا على استقلالها عن بريطانيا، وأصبح نكروما أول رئيس وزراء للدولة المستقلة. وكان هذا الحدث نقطة تحول مهمة في تاريخ أفريقيا؛ إذ أصبحت غانا مصدر إلهام لحركات التحرر والاستقلال في دول أفريقية أخرى.

وفي الأول من يوليو عام 1960، أصبحت غانا جمهورية، وتولى نكروما منصب أول رئيس لها. وبدأت الدولة مرحلة جديدة من بناء مؤسساتها السياسية والإدارية، مع السعي إلى التخلص من التبعية الاقتصادية للاستعمار.

ولم يكن استقلال غانا إنجازًا وطنيًا فحسب، بل كان مثالًا عمليًا على إمكانية إنهاء الحكم الاستعماري، وعزز مكانة نكروما بوصفه أحد أبرز رموز التحرر الأفريقي.

 أبرز الإنجازات الداخلية

تبنّى نكروما سياسات اقتصادية هدفت إلى تقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام، وتوسيع التصنيع، وتحسين مستوى الخدمات العامة. كما سعت حكومته إلى تعزيز مشاركة المواطنين الغانيين في إدارة مؤسسات الدولة.

وعملت حكومته على توسيع التعليم وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية، باعتبارها من أسس بناء الدولة الحديثة. كما دعمت المشروعات الصناعية ومشروعات الطاقة والنقل، وكان مشروع سد أكوسومبو على نهر فولتا من أبرز مشروعات التنمية المرتبطة بعهده.

الوحدة الأفريقية ودوره القاري

كان نكروما من أبرز المدافعين عن الوحدة الأفريقية، وهي فكرة تقوم على التضامن بين الدول والشعوب الأفريقية، وتنسيق جهودها لحماية استقلالها وتحقيق التنمية.

وكان «نكروما» يرى أن الاستقلال السياسي وحده لا يكفي، وأن الدول الأفريقية ستظل معرضة للضغط الخارجي ما لم تتعاون اقتصاديًا وسياسيًا. ودعا إلى شكل أوسع من الاتحاد الأفريقي، إلا أن رؤيته واجهت اختلافات بين القادة بشأن السيادة الوطنية وسرعة التكامل.

وساهم في ترسيخ الوحدة الأفريقية باعتبارها قضية سياسية أساسية، وشجع على دعم حركات التحرر في القارة. ولا تزال أفكاره مرجعًا مهمًا في النقاشات المتعلقة بالتكامل الأفريقي.

أبرز أفكاره ومؤلفاته

لم يكن نكروما قائدًا سياسيًا فقط، بل كان كاتبًا ومفكرًا تناول في مؤلفاته الاستعمار والإمبريالية والاشتراكية ومستقبل أفريقيا.

من أبرز كتبه: “سأتحدث عن الحرية، أفريقيا يجب أن تتحد، الاستعمار الجديد: المرحلة الأخيرة من الإمبريالية”.

التحديات السياسية ونهاية الحكم

على الرغم من إنجازات نكروما، شهدت سنوات حكمه الأخيرة تراجعًا في الحريات السياسية وتزايدًا في تركيز السلطة بيده. فقد سمحت قوانين أُقرت خلال عهده باحتجاز معارضين من دون محاكمة في ظروف معينة، كما تصاعدت الانتقادات بسبب التضييق على المعارضة السياسية.

وفي عام 1964، أصبحت غانا رسميًا دولة ذات حزب واحد، وأُعلن نكروما رئيسًا مدى الحياة. وتزامنت هذه التطورات مع تفاقم الصعوبات الاقتصادية، وارتفاع الديون، ونقص بعض السلع، وزيادة التوترات الاجتماعية.

وفي 24 فبراير 1966، وبينما كان نكروما خارج البلاد في زيارة إلى بكين، أطاح به انقلاب عسكري شارك فيه الجيش والشرطة. وانتقل بعد ذلك إلى غينيا، حيث منحه الرئيس أحمد سيكو توري مكانة الرئيس المشارك الفخرية، وعاش هناك حتى وفاته.

توفي نكروما في 27 أبريل 1972 في بوخارست، عاصمة رومانيا آنذاك، بعد إصابته بالسرطان، عن عمر بلغ 62 عامًا.

يمثل كوامي نكروما شخصية محورية في تاريخ أفريقيا خلال القرن العشرين،  أسهم في إنهاء الاستعمار البريطاني في غانا، وجعل استقلالها نقطة انطلاق لإلهام حركات التحرر في القارة، كما عمل على نشر فكرة الوحدة الأفريقية بوصفها وسيلة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي.

الجريدة الرسمية