بمشاركة 100 عالم من 50 دولة، الأوقاف تعقد الملتقى العاشر للفكر الإسلامي بمسجد الحسين
شهد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف - رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، اليوم الثلاثاء 13 من أكتوبر 2026م، الموافق 2 من جمادى الأولى 1448هـ، انعقاد الملتقى العاشر للفكر الإسلامي الدولي، بمسجد الإمام الحسين (رضي الله عنه) بالقاهرة، بمشاركة ٩٠ عالمًا من كبار العلماء والمفتين والمفكرين من ٥٠ دولة من خلال الحضور المباشر وتقنية الاتصال المرئي، إلى جانب عدد من العلماء وأساتذة الجامعات وطلاب العلم. واستُهلت فعاليات الملتقى بتلاوة آيات من الذكر الحكيم للقارئ مصطفى كمال أبو حامد، أحد نجوم مشروع «دولة التلاوة» في موسمه الأول.
وزير الأوقاف يشهد الملتقى العاشر للفكر الإسلامي الدولي بمسجد الإمام الحسين
ورحّب الوزير في كلمته بالعلماء والمشاركين من مختلف دول العالم، معربًا عن سعادته باستمرار الملتقى وبلوغه نسخته العاشرة، ومشيرًا إلى أن الوزارة حين أطلقته لم تكن تتوقع أن يمتد هذا المسار العلمي المبارك ليحقق هذا القدر من الاستمرار والتواصل بين علماء الأمة ومفكريها.
وأوضح أن الوزارة تتبنى نهجًا مستمرًّا في تقديم هدية علمية جديدة إلى العلماء كل شهر، في إطار جهود المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لنشر المعرفة الإسلامية، وإتاحة أمهات الكتب والتراث الإسلامي بلغات متعددة أمام الباحثين والعلماء وطلاب العلم في مختلف أنحاء العالم.
كتاب «مختصر شمائل الترمذي»
وأشار إلى أن كتاب «مختصر شمائل الترمذي»، المترجم إلى عشرين لغة، كان هدية الشهر الماضي ضمن مخرجات الملتقى التاسع، وهو متاح بصيغة PDF مع إتاحة حقوق الطبع والنشر للجميع؛ تيسيرًا لنشره وتداوله والاستفادة منه، بوصفه هدية من أرض الكنانة مصر إلى العالم.
وأضاف أن هدية هذا الشهر هي كتاب «الحق المبين» مترجمًا إلى عشرين لغة، استمرارًا لهذا النهج الذي يستهدف توسيع دائرة الانتفاع بالمعارف الإسلامية الصحيحة وتيسير وصولها إلى شعوب العالم بلغاتها المتعددة، مؤكدًا أن الوزارة ستواصل تقديم كتاب جديد هدية كل شهر بتوفيق الله تعالى.
وهنّأ الوزير الشعب المصري والأمة العربية بذكرى نصر أكتوبر العظيم، مؤكدًا أن هذا النصر حطم الغرور والكبرياء، وجسد قدرة المصريين على تجاوز التحديات حين تتوافر الإرادة والعزيمة والتكاتف.
كما وجّه الشكر إلى الدول الشقيقة والصديقة التي قدمت الدعم المعنوي والمادي لمصر وجيشها العظيم حتى تحقق النصر، الذي يظل شاهدًا على أهمية التضامن والتعاون في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
كتاب «الأدب المفرد» للإمام البخاري
وانتقل الوزير إلى المحور العلمي للملتقى، فبيّن أن اللقاءات السابقة والحالية تدور في رحاب كتاب «الأدب المفرد» للإمام البخاري، وأن الملتقى يقف عند باب «صلة الأخ المشرك»، مستلهمًا ما ينطوي عليه تبويب الإمام البخاري من دلالات فقهية وعلمية عميقة.
وشدد على أن هذا الباب يقدم نموذجًا بديعًا لهدي الإسلام في التعامل مع غير المسلمين، لا سيما في زمن انتشرت فيه أفكار متشددة تستبيح تكفير الناس وإراقة دمائهم، مشيرًا إلى أن من يستبيح دماء المسلمين بالتكفير والافتراء والتفسيق أولى بمراجعة تصوره عن حقوق غير المسلمين وواجب التعامل معهم.
وزير الأوقاف: صلة الإنسان بأخيه الإنسان لا يمنعها اختلاف الدين
ولفت إلى أن الصلة لا تقتصر على المسلمين فيما بينهم، بل تمتد إلى غير المسلمين، وأن اختلاف الدين لا يمنع الإحسان أو الهدية أو صلة الرحم الإنسانية، مستشهدًا بالحديث الذي رواه عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما)، أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) رأى حُلّة سيراء تُباع عند باب المسجد، فقال للنبي ﷺ: «لو اشتريتَ هذه فلبستَها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك». فقال رسول الله ﷺ: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة». ثم أُتي النبي ﷺ بحُلَل منها، فأعطى عمر (رضي الله عنه) حُلّة، فقال عمر: «يا رسول الله، كسوتنيها وقد قلتَ في حُلّة عطارد ما قلت؟». فقال رسول الله ﷺ: «إنما بعثتُ إليك لتبيعها أو تكسوها»؛ فكساها عمر أخًا له بمكة قبل أن يُسلم.
وبيّن الوزير أن هذا الموقف النبوي يبرز مشروعية إهداء غير المسلم، وأن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) راعى رابطة الأخوة الإنسانية في صلته بأخيه المشرك، بما يؤكد أن البر والإحسان لا ينبغي أن تحجبهما الاختلافات الدينية.
وأضاف أن الجار المسلم إذا كان من ذوي الرحم اجتمعت له حقوق الرحم والجوار والدين، وإذا كان غير مسلم ثبت له حق الجوار والصلة، في إطار ما يقرره الإسلام من قيم العدل والرحمة وحسن المعاملة.
وتناول الوزير الدلالات اللغوية الواردة في الحديث، موضحًا أن لفظ «الحُلّة» يطلق في اللغة على الثوب المكوّن من قطعتين، وأن لكلمة «سيراء» في تفسيرها قولين: أحدهما أنها ثوب فيه خطوط من حرير، والآخر أنها الحرير الخالص. وأشار إلى ورود اللفظ في الرواية بالوصف والإضافة، مستعرضًا ما ذكره العلماء، ومنهم الإمام النووي، في توجيه ذلك، وما استندوا إليه من مباحث لغوية ونحوية، ومنها ما نقلوه عن سيبويه في الصفات التي تأتي على وزن «فعلاء». وأكد أن الوقوف عند هذه التفاصيل اللغوية والبلاغية يعين على استيعاب النصوص النبوية وفهم دلالاتها، ويكشف عن ثراء التراث الإسلامي وعمق مناهج علمائه في الاستنباط والتحليل.
وفي حديثه عن صلة الإنسان بأخيه الإنسان، أشار الوزير إلى كتاب «حديقة المعاني في حديقة الرحم الإنساني» للعارف بالله السيد محمد أبي الهدى الصيادي الرفاعي، مستحضرًا ما يجمع بني آدم من أصل إنساني واحد، ومذكرًا بقول النبي ﷺ: «كلكم لآدم وآدم من تراب».
وشهد الملتقى كلمات لعدد من العلماء والمشاركين من مختلف دول العالم، أشادوا خلالها بجهود وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في تنظيم هذه اللقاءات العلمية، وما تقدمه من تأصيل معرفي ولغوي وبلاغي، وما تتيحه من تواصل بين العلماء وتبادل للخبرات والرؤى.
ووجّه الشيخ محضار أحمد بدوي الأزهري، عضو مجلس الإفتاء الكيني، أسمى آيات الشكر والتقدير إلى الوزير، مثمنًا جهوده في حمل أمانة الدعوة، وما يبذله العاملون بوزارة الأوقاف بالتكامل مع الأزهر الشريف من جهود علمية ودعوية. وألقى قصيدة استهلها بقوله: «نور تجلّى بركب الشرق وانتشر»، وطلب منه الوزير إرسالها تمهيدًا لنشرها ضمن الكتاب الذي يوثق أعمال الملتقى.
وأعرب الشيخ إبراهيم الخليل البخاري، أمين جمعية علماء أهل السنة والرئيس المؤسس لجامعة معدن الثقافة الإسلامية بالهند، عن تقديره لجهود الوزارة في تنظيم الملتقى، مشيدًا بما يقدمه من فوائد علمية وتأصيلية ولغوية وبلاغية، وبمشروع ترجمة الكتب الإسلامية إلى عشرين لغة، ومؤكدًا أهمية هذه الجهود في توسيع دائرة الانتفاع بالمعارف الإسلامية ونشرها بين شعوب العالم. كما شكر الوزير على تعزيته له في وفاة والدته، داعيًا الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء.
ومن جانبه، هنّأ أحمد حامد عسولة، رئيس فرع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف بأفريقيا الوسطى، مصر بذكرى نصر أكتوبر المجيد، وهنّأ الوزير ببلوغ الملتقى نسخته العاشرة، مشيدًا بما يقدمه من علوم ومعارف متنوعة، وموجهًا الشكر إلى الدكتور أحمد نبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والقائمين على تنظيم الملتقى.
ونقل الشيخ أبو بكر طاهر البحركي الأربيلي، المدرس بحجرة بحركة للعلوم الشرعية بالعراق، تحيات والده العلامة الملا طاهر البحركي الأربيلي، وتناول الدروس المستفادة من قصة سيدنا موسى والخضر عليهما السلام، موضحًا أن ظاهر بعض الأحداث قد يبدو مؤلمًا أو شرًّا، بينما تكشف عواقبها، بعد مرور الزمن، عن حكمة إلهية وخير لم يكن الإنسان يتوقعه.
واستعرض دلالات خرق السفينة وإقامة الجدار وقتل الغلام في القصة القرآنية، مبينًا أن الإنسان لا يحيط علمًا بحقائق الأمور وعواقبها، وأن عليه أن يحسن الظن بالله تعالى، ويفوض أمره إليه، ويثق بأن وراء تدبيره سبحانه حكمة قد لا تظهر إلا بعد سنوات. وأشار في هذا السياق إلى ما قد يتعرض له الإنسان من شائعات أو إساءات، داعيًا إلى الصبر واليقين وعدم التسرع في الحكم على الأحداث قبل انكشاف عواقبها.
وأشاد الشيخ محمد عبد الله المغربي، مدير العلاقات الدولية في المجلس الصوفي العالمي بالبرازيل، بجهود الوزير في التواصل مع العلماء حول العالم، مؤكدًا أن ما تشهده الوزارة من تطور ينعكس إيجابًا على العمل الدعوي والعلمي. وهنّأ مصر والأمة العربية بذكرى نصر أكتوبر، مشيرًا إلى أن النصر بعث برسالة واضحة مفادها أن الظلم لا يدوم.
وأوضح أن المسلمين في بلاد الاغتراب يتطلعون إلى خطاب ديني يجيب عن تساؤلاتهم ويراعي طبيعة البيئات التي يعيشون فيها، لافتًا إلى حاجتهم إلى فقه واعٍ بواقعهم، يحمي الشباب من التشدد ويقدم الفهم الصحيح للأحكام الشرعية، مؤكدًا أهمية مراعاة مقصد تأليف القلوب، مستشهدًا بمصرف المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة، ومحذرًا من التشدد في الفتوى أو تحريم ما لم يحرمه رسول الله ﷺ. وقال: إن قوة المؤسسات الدينية المصرية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية، تمثل مصدر دعم للمسلمين في مختلف أنحاء العالم.
وفي كلمته، أكد الدكتور شوقي علام، رئيس لجنة الشئون الدينية والأوقاف بمجلس الشيوخ، أن هذه الملتقيات العلمية المباركة تفتح آفاقًا جديدة للعلم والمعرفة، وتكشف في كل لقاء عن حكم وفوائد تستحق الدراسة والتأمل.
وأشاد بما يقدمه الوزير من عناية بالأدب النبوي الشريف، وما تتضمنه مؤلفاته من رد على الشبهات التي تثار حول السنة النبوية، منوهًا بأهمية كتاب «الحق المبين» وما يقدمه من إسهام علمي في تصحيح المفاهيم وإزالة سوء الفهم عن هدي النبي ﷺ.
ولفت إلى أن المجتمعات في حاجة ماسة إلى تكاتف العلماء والمؤسسات الدينية في مختلف أنحاء العالم لمواجهة المفاهيم المغلوطة التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتستند أحيانًا إلى اجتزاء الوقائع التاريخية أو توظيف أدلة موهمة لبناء تصورات فكرية غير صحيحة.
ضرورة أن تتضافر جهود المؤسسات الدينية وعلماء الأمة لتوضيح حقائق السنة النبوية
وشدد على ضرورة أن تتضافر جهود المؤسسات الدينية وعلماء الأمة لتوضيح حقائق السنة النبوية، وتقديم خطاب علمي رصين يواجه الشبهات ويكشف مواطن الخلل في الفهم والاستدلال. وفي ختام كلمته، وجّه الشكر إلى الوزير على جهوده العلمية والدعوية، داعيًا الله تعالى أن يسدد خطاه ويوفقه إلى مواصلة رسالته.
حضر الملتقى السيد الشريف محمود الشريف، نقيب السادة الأشراف، وسماحة الدكتور عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، والدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الشريف الأسبق، والدكتور عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور فتحي حجازي، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، والدكتور إدريس بوزكورت، المستشار الثقافي بالسفارة التركية بالقاهرة، والدكتور سيمور نصيروف، رئيس جمعية الصداقة المصرية الأذربيجانية، والدكتور كريم حسين، دكتوراة في العلوم السياسية، والدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، والدكتور أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية.
كما شارك من وزارة الأوقاف الدكتور السيد عبد الباري، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، والدكتور أحمد نبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، والشيخ أحمد جمال، مدير مديرية أوقاف القاهرة.
واختُتمت فعاليات الملتقى بفاصل من الابتهالات الدينية للمبتهل عبد الرحمن الأسواني، في أجواء إيمانية جسدت روح المحبة والتواصل، ورسالة الملتقى في ترسيخ قيم الرحمة والتسامح، ونشر الفهم الصحيح للإسلام، وتعزيز أواصر الأخوة الإنسانية بين شعوب العالم. وأعقب ذلك زيارة الوزير والحضور في المسجد لمقام سيدنا الإمام الحسين (رضي الله عنه) وقراءة الفاتحة عنده.




