رئيس التحرير
عصام كامل

التضخم عند 12.8% في سبتمبر.. لماذا لا يشعر المصريون بتحسن الاقتصاد رغم استقرار المؤشرات؟.. الأغذية تواصل الضغط على جيوب الغلابة.. والخبراء يكشفون الأسباب

التضخم، فيتو
التضخم، فيتو
18 حجم الخط

 في ظل استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، تظل الضغوط المعيشية أحد أبرز التحديات التي تواجه الأسر المصرية رغم التحسن النسبي في عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي وتكشف بيانات البنك المركزي للتعبئة العامة والاحصاء عن شهر سبتمبر 2026 عن ارتفاع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين بنسبة 1.5% مقارنة بشهر أغسطس فيما ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 12.8% مقابل 12.7% خلال الشهر السابق.

 

التضخم، فيتو 
التضخم، فيتو 

في هذا السياق، قال محمد شفيق، خبير أسواق المال، إن الاقتصاد المصري واجه خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الصدمات الخارجية المتتالية بداية من حرب روسيا وأوكرانيا، مرورا بتداعيات اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وصولا إلى التوترات الإقليمية وتأثيراتها على أسواق الطاقة والتجارة الدولية

وأوضح أن هذه الصدمات فرضت ضغوطا على الاقتصاد المصري من خلال عدة قنوات، أبرزها تحركات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والطاقة فضلا عن تأثير اضطرابات الأسواق العالمية على أسعار السلع الأساسية.

واضاف أن قدرة الاقتصاد على استيعاب الصدامات والحفاظ على استقرار بعض المؤشرات الكلية لا تعني بالضرورة انتهاء آثارها على المواطنين، مشيرا إلى أن جانبا من هذه التداعيات يظهر في استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأسرة المصرية.

التضخم، فيتو 
التضخم، فيتو 

الخضروات تقود الارتفاع الشهري في الأسعار

وكشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء عن ارتفاع قسم الطعام والمشروبات بنسبة 3.2% خلال سبتمبر 2026، مدفوعا بزيادة أسعار الخضروات بنسبة 15.1% والفاكهة بنسبة 2.6% واللحوم والدواجن بنسبة 2.5% والأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 1.2%.

كما رفعت أسعار الملابس والأحذية بنسبة 0.8%، والمسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 0.8% والأثاث والتجهيزات المنزلية بنسبة 1.2% فيما سجل قسم الرعاية الصحية ارتفاعا بنسبة 0.4%.

وأشار شفيق إلى أن استمرار إرتفاع أسعار السلع الأساسية يضاعف الضغوط على ميزانيات الأسر خاصة أن الغذاء يمثل بندا ضروريا في الإنفاق اليومي ولا تستطيع الأسر الاستغناء عنه أو تقليصه بسهولة وهو ما جعل الزيادة الشعرية أكثر تأثيرا على محدودي ومتوسطي الدخل.

لماذا لا يشعر المواطن بتراجع التضخم؟

وأوضح في تصريح خاص لـ “فيتو” أن هناك فارقا بين تراجع معدل التضخم وانخفاض الأسعار فعليا إذ إن انخفاض معدل التضخم يعني تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار مقارنة بفترة سابقة لكنه لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها القديمة.

 

وأضاف أن ارتفاع التضخم السنوي إلى 12.8% خلال سبتمبر يعني أن المستوى العام للأسعار أصبح أعلى مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بينما يعكس ارتفاع الأسعار بنسبة 1.5% على أساس شهري استمرار الضغوط السعرية مقارنة بأغسطس.

ولفت إلى أن شعور المواطنين بالتضخم لا يرتبط بالمعدل العام وحده، لا يتأثر أيضا بطبيعة السلع والخدمات التي يستهلكونها ومدى الزيادة في أسعار الاحتياجات الأساسية مقارنة بمستويات دخولهم.

وأضاف أن استمرار الضغوط السعرية يفرض تحديا أمام السياسات الاقتصادية يتمثل في تحقيق التوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على النشاط الاقتصادي مع الحد من الأعباء الواقعة على المواطنين.

تحسن المؤشرات الاقتصادية لا يكفي وحده

واكدت قراءة شفيق أن تقييم أداء الاقتصاد لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات مثل الاحتياطي النقدي أو النمو الاقتصادي أو حتى سعر الصرف ولكن يجب أن يمتد إلى قياس انعكاس تلك المؤشرات على الدخول الحقيقية ومستويات المعيشة.

وأوضح أن التحسن في المؤشرات الكلية قد يستغرق وقتا طويلا حتى يظهر اثره على حياة المواطن خاصة عندما تكون الاسعار قد ارتفعت بالفعل خلال فترات سابقة بينما لا تتحرك الدخول بالوتيرة نفسها.

وأشار إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الظروف الصعبة والصدمات وذلك بالتوازي مع انعكاساتها على القوة الشرائية، لما يساعد على تخفيف الضغوط عن الأسر لا سيما الفئات الأكثر تأثرا بارتفاع الأسعار

واختتم أن بيانات سبتمبر مؤشرات التضخم يطرح تساؤل رئيسي حول مدى قدرة الاقتصاد على تحويل التحسن النسبي في المؤشرات الكلية إلى تحسن ملموس في مستويات المعيشة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتفاوت تأثيرها من مجموعة إنفاق إلى أخرى.

ارتفاع التضخم يعكس استمرار الضغوط على القوة الشرائية.

ومن جانبه، قال الدكتور محمد عبد الباسط الخبير الاقتصادي، ومدرس التمويل والمحاسبة بجامعة عين شمس، أن ارتفاع معدل التضخم السنوي الى 12.8% خلال سبتمبر 2026 بالتزامن مع زيادة الاسعار على أساس شهري بنسبة 1.5% يعكس استمرار الضغوط التضخمية على الاقتصاد المصري التحسن النسبي في بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي

وأوضح أن استقرار بعض المؤشرات الاقتصادية لا يعني بالضرورة شعور المواطنين بتحسن فوري في الأسعار، وذلك لأن التحسن الحقيقي في أي اقتصاد يرتبط بمدى انعكاسه على دخل الأسر وقدراتها على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

التضخم، فيتو 
التضخم، فيتو 


وأشار إلى أن الارتفاع الملحوظ في الأسعار بشكل عام بنسبة 15.1% خلال شهر سبتمبر يمثل أحد أبرز العوامل الضاغطة على ميزانيات الأسر، خاصة أن الغذاء يستحوذ على جانب أساسي من إنفاق المواطن

وأضاف أن تركيز الزيادات السعرية في السلع الضرورية يجعل تأثير التضخم أكثر وضوحا على أرض الواقع حتى في حال تباطؤ معدلاته مقارنة بفترات سابقة، مؤكدا أن المشكلة لا تتعلق فقط بمستوى الأسعار، لا بالفجوة بين إرتفاع تكاليف المعيشة ومعدلات نمو الدخول والأجور

وأكد مدرس التمويل والمحاسبة، أن التعامل مع الضغوط التضخمية يتطلب سياسات متكاملة تستهدف زيادة المعروض من السلع الأساسية وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد والتوزيع والحد من حلقات الوساطة التي قد تسهم في إرتفاع الأسعار، إلى جانب توجيه برنامج الحماية الاجتماعية إلى للفئات الأكثر تضررا.

تدفقات النقد الأجنبي ومرونة سعر الصرف دعمت الاقتصاد على مواجهة الأزمات

 

ويسانده أيمن الزيات، خبير أسواق المال، بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة نسبية على احتواء تداعيات الصدمات الخارجية والحفاظ على الاستقرار الكلي إلا أن جانبا من تكلفة هذه الأزمات انعكس على المواطنين من خلال ارتفاع الأسعار وتكاليف الإنتاج والمعيشة في ظل استمرار الضغوط العالمية والتوترات الجيوسياسية.


وأوضح الزيات في تصريح خاص لـ فيتو أن الاقتصاد المصري واجه سلسلة من الصدمات المتلاحقة شملت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى جانب التوترات الجيوسياسية الإقليمية والدولية وهو ما فرض تحديات كبيرة على الأسواق المحلية ومؤشرات الاقتصاد الكلي.


وأشار إلى أن الاقتصاد استطاع امتصاص جزء من هذه الضغوط من خلال مجموعة من الإجراءات النقدية والمالية التي استهدفت الحفاظ على استقرار النظام المصرفي والمالي وتجنب تفاقم الأزمات إلى مستويات أكثر حدة خاصة فيما يتعلق بتوافر السيولة الأجنبية والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية وتوفير احتياجات الاستيراد الأساسية.

وأضاف أن التدفقات الاستثمارية وتحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى جانب التمويلات والدعم الخارجي ساهمت في تعزيز موارد النقد الأجنبي ودعم توافره داخل الجهاز المصرفي بما ساعد على الحد من الضغوط التي تعرضت لها سوق الصرف وتقليص الفجوة بين العرض والطلب على العملات الأجنبية.

ولفت إلى أن زيادة مرونة سعر الصرف اتاحت للاقتصاد مساحة أكبر للتكيف مع المتغيرات الخارجية مؤكدا أن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات تظل مرتبطة باستدامة تدفقات النقد الأجنبي وتحسين مؤشرات المالية العامة والحد من المخاطر المرتبطة بارتفاع الدين واحتياجات التمويل.

التضخم، فيتو
التضخم، فيتو

ارتفاع أسعار الطاقة والفائدة نقل جزءا من تكلفة الأزمات إلى المواطن


وأوضح الخبير الاقتصادي أن نجاح الاقتصاد في احتواء جانب من الصدمات على مستوى المؤشرات الكلية لا يعني اختفاء آثارها إذ انتقل جزء من تكلفتها إلى الأسواق الاستهلاكية وقطاعات الإنتاج وهو ما ظهر في ارتفاع أسعار السلع والخدمات وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين.

وأشار إلى أن إرتفاع أسعار الوقود ينعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على مختلف الأنشطة الاقتصادية باعتبار الطاقة عنصرا رئيسيا في تكاليف النقل والزراعة والصناعة والتوزيع الأمر الذي يؤدي إلى انتقال الزيادات في التكلفة عبر حلقات الإنتاج المختلفة وصولا إلى المستهلك النهائي.

وأضاف أن مواجهة الضغوط التضخمية دفعت البنك المركزي إلى استخدام أدوات السياسة النقدية وعلى رأسها رفع أسعار الفائدة بهدف احتواء التضخم والحد من الضغوط السعرية إلا أن هذه الإجراءات أدت في المقابل إلى زيادة تكلفة الاقتراض والتمويل أمام الشركات والقطاع الخاص بما يفرض أعباء إضافية على الإنتاج والاستثمار والتوسع.

وأكد الزيات أن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل الاستقرار الاقتصادي الكلي إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين من خلال الحد من الضغوط التضخمية وتعزيز الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة الأسواق وتوسيع مصادر النقد الأجنبي المستدامة بما يساعد على تقليل انتقال آثار الصدمات الخارجية إلى الأسعار وتكاليف المعيشة.

واختتم بأن قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات لا تقاس فقط بمدى الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وإنما أيضا بقدرته على حماية القوة الشرائية للمواطنين وتهيئة بيئة أكثر استقرارا للقطاع الخاص وتحقيق نمو اقتصادي مستدام تنعكس ثماره على مختلف فئات المجتمع.

الجريدة الرسمية