رئيس التحرير
عصام كامل

«المصري» قصة محل عمره 90 عاما، حرفة الأجداد تجد طريقها للحاضر بالخيامية

محل المصرى منطقة
محل المصرى منطقة تحت الربع
18 حجم الخط

في مساحة لا تتجاوز مترًا في متر، تتجاور لمبة الجاز والبابور والسبراية والبراد النحاسي، أدوات ارتبطت يومًا بتفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت المصرية، قبل أن تتراجع أمام الأجهزة الحديثة. لكن هذه الأدوات لم تختفِ تمامًا فما زال هناك من يشتريها للاستخدام، ومن يبحث عنها لتزيين منزله، لتجد مكانًا جديدًا في حياة تغيّرت تفاصيلها.

في شارع الخيامية بمنطقة تحت الربع، يقف «محل المصري» بواجهته الصغيرة، حاملًا اسمًا ارتبط بصناعة هذه المنتجات وبيعها عبر أجيال. يعود تاريخ المحل إلى نحو عام 1937، فيما استمر نشاط العائلة في تصنيع الأدوات التقليدية داخل ورشتها الخاصة، إلى جانب بيعها وصيانة القطع القديمة وإصلاحها.

هنا، لا تُعرض المنتجات بوصفها مقتنيات انتهى دورها، ولا باعتبارها تحفًا أثرية بالضرورة؛ فبعضها يُصنع من جديد، وبعضها يُصلح ليعود إلى العمل، وبعضها ينتقل من المطبخ إلى ركن في المنزل، بعدما أصبحت قيمته مرتبطة بالاستخدام والشكل والذاكرة معًا.

 

 

الخيامية.. حرفة صنعت اسم الشارع

ارتبط شارع الخيامية بالحرفة التي يحمل اسمها، وهي صناعة الأقمشة المزخرفة يدويًا، التي استُخدمت في الخيام  والمعلقات القماشية. ويقع الشارع في منطقة القاهرة التاريخية بالقرب من باب زويلة، ضمن نطاق الدرب الأحمر، حيث احتفظت الأسواق والورش الصغيرة بأشكال من النشاط الحرفي التقليدي.

لكن ما يلفت الانتباه في هذه المنطقة ليس حرفة واحدة فقط، بل قدرة بعض الأنشطة القديمة على الاستمرار بجوار أنماط التجارة الحديثة. وبين المحال المتخصصة في الأقمشة والزينة، يواصل «المصري» نشاطًا مختلفًا، يرتبط بأدوات الإضاءة والطهي وإعداد المشروبات، وهي منتجات كانت جزءًا من احتياجات البيت قبل انتشار الأجهزة الحديثة.

ولا يستمد المحل أهميته من صغر مساحته وحده، بل من طبيعة النشاط الذي يجمع بين التصنيع والبيع والإصلاح، ومن استمرار وجود مشترين لهذه المنتجات رغم تغير استخداماتها.

لمبة الجاز.. ضوء من زمن مختلف

قبل انتشار الكهرباء، كانت لمبات الوقود وسيلة أساسية للإضاءة في بيوت كثيرة. وكانت لمبة الجاز تؤدي وظيفة يومية واضحة، قبل أن تتراجع الحاجة إليها مع انتشار وسائل الإنارة الحديثة.

في «المصري»، لا تزال لمبات الجاز تُصنع وتُعرض بأحجام وألوان مختلفة، وتبدأ أسعارها من 200 جنيه،  وبينما يشتريها البعض للاستخدام، يقتنيها آخرون للزينة، مستفيدين من شكلها التقليدي الذي يختلف عن وحدات الإضاءة المعاصرة.

 عائلة المصرى لم تكتفِ بالحفاظ على الأشكال القديمة، بل أدخلت تعديلات على بعض المنتجات، من بينها تطوير لمبات الجاز بألوان وتصميمات مختلفة. وهذا يعني أن استمرار الحرفة لا يتوقف بالضرورة عند تكرار الشكل القديم، بل يمكن أن يجمع بين الاحتفاظ به وتطويره بما يناسب أذواق المشترين.

أما فانوس رمضان، فرغم ارتباطه في الذاكرة الشعبية بحكايات عن دخول الخليفة الفاطمي المعز لدين الله القاهرة، فإن أصل الفانوس بصورته المعروفة اليوم لا يمكن اختزاله في رواية واحدة محسومة. والأهم في حكاية المحل أن الفوانيس التقليدية، مثل لمبات الجاز، ما زالت تجد من يطلبها، سواء لشكلها التراثي أو لاستخدامها في مواسم الاحتفال.

 

 

 

البابور والسبراية.. حين كانت الأدوات تصنع تفاصيل البيت

إلى جوار لمبات الجاز، توجد أدوات أخرى ارتبطت بالحياة المنزلية، في مقدمتها بابور الجاز والسبراية والبراد النحاسي.

كان البابور وسيلة للطهي وتسخين المياه، بينما ارتبطت السبراية بإعداد القهوة على نار هادئة. أما البراد النحاسي، فكان من أدوات إعداد الشاي وتقديمه. ومع تغير أنماط المعيشة وانتشار مواقد الغاز والأجهزة الكهربائية، تراجع حضور هذه الأدوات في الاستخدام اليومي، لكنها لم تغادر السوق تمامًا.

فما زال بعض المشترين يبحثون عن بابور الجاز أو مستلزماته، بينما يقتني آخرون السبراية أو البراد النحاسي ضمن ديكور المنزل. وتكشف هذه الاستخدامات المختلفة عن تحول في علاقة الناس بالأشياء: الأداة التي كانت تُشترى لضرورة يومية قد تصبح اليوم اختيارًا جماليًا، من دون أن تفقد بالضرورة قدرتها على أداء وظيفتها الأصلية.

وهنا تكمن الحكاية؛ ليس في أن الماضي عاد كما كان، بل في أن بعض أدواته وجدت لنفسها مكانًا داخل الحاضر.

 

 

 

 

ورشة تصنيع 

خلف المعروضات نشاط لا يظهر كله في المساحة الصغيرة للمحل تُصنع المنتجات داخل ورشة خاصة بالعائلة، ثم تُعرض للبيع، إلى جانب خدمات الصيانة والإصلاح.

وتشمل المنتجات لمبات الجاز والبابورات والسبرايات وأدوات نحاسية، فضلًا عن فوانيس ومباخر وأباريق وأكواب. 

هذا الجانب يميّز المكان عن متجر يكتفي بعرض منتجات جاهزة؛ فالتصنيع يتيح استمرار إنتاج الأدوات، والإصلاح يمنح القطع القديمة فرصة أخرى للاستخدام. وبدلًا من أن تنتهي حياة المنتج بمجرد تعطله أو تراجع الحاجة إليه، يمكن أن يعود إلى العمل إذا أمكن إصلاحه.

كما أن وجود ورشة تصنيع يعني أن ما يراه الزبون داخل المحل ليس بالضرورة قديمًا؛ فقد يكون منتجًا جديدًا صُنع وفق تصميم تقليدي، أو قطعة طُوّرت لتناسب استخدامًا مختلفًا، أو أداة تحتاج إلى الصيانة. لذلك، فإن وصف كل المعروضات بأنها «تحف قديمة» لا يعكس طبيعة النشاط بدقة.

 

 

زبائن بين الحاجة والحنين

تتعدد دوافع شراء هذه المنتجات. فهناك من يحتاج إلى أداة بعينها أو إلى قطعة غيار، وهناك من يشتري لمبة جاز أو سبراية أو برادًا نحاسيًا لتزيين منزله. 

ولا يمكن اعتبار هذا الإقبال دليلًا على عودة الأدوات القديمة إلى منافسة الأجهزة الحديثة في الاستخدام اليومي، لكنه يؤكد أن لها سوقًا مستمرة، وإن اختلفت أسباب الشراء من شخص إلى آخر.

بالنسبة إلى بعض المشترين، ترتبط هذه المنتجات بذكريات البيوت القديمة، وبأدوات كانت مألوفة في حياة الآباء والأجداد. وبالنسبة إلى آخرين، قد يكون شكلها وحده سببًا كافيًا لاقتنائها. وفي الحالتين، لم تعد وظيفة المنتج هي المحدد الوحيد لقيمته؛ فالتصميم التقليدي نفسه أصبح جزءًا مما يبحث عنه الزبون.

متر في متر.. والحرفة تجد طريقها إلى الحاضر

 إن تاريخ المحل يعود إلى نحو عام 1937، وإن نشاط العائلة انتقل عبر أجيال. 

في مساحة صغيرة، تتجاور أدوات صنعت لتضيء البيوت وتساعد على الطهي وإعداد المشروبات، مع منتجات جديدة تحافظ على أشكال تقليدية، وقطع تحتاج إلى إصلاح كي تعود إلى الاستخدام. وبين التصنيع والبيع والصيانة، تستمر الحرفة بعيدًا عن فكرة أن التراث مجرد شيء يُحفظ خلف الزجاج.

ففي هذا المحل الصغير، لا يعود الماضي كما كان، ولا يبقى مجرد ذكرى. إنه يُصنع من جديد، ويُصلح، ويُباع، ثم يجد مكانه في بيت معاصر؛ أحيانًا أداةً للاستخدام، وأحيانًا قطعةً للزينة، وفي الحالتين يظل حاضرًا في حياة لم تتوقف عن التغير.

الجريدة الرسمية