الهروب من الأجل القصير، هل ينهي نواب المعارضة دوامة الاعتماد على الأموال الساخنة ؟
في تحرك برلماني حاسم يضع الملف المالي الأكثر تعقيدًا على طاولة الرقابة، تقدم الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بـ مجلس النواب، بطلبي إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية. واستهدف التحرك مكاشفة حكومية عاجلة بشأن مخاطر إعادة تمويل الدين العام، وارتفاع كلفة الاقتراض المحلي، وتصاعد الانكشاف المالي بالعملات الأجنبية، مطالبًا بعقد جلسة عاجلة للجنة الخطة والموازنة لتقييم مدى التزام الحكومة باستراتيجيتها المعلنة متوسطة المدى.
ضغوط أذون الخزانة ومأزق الآجال القصيرة
واستند فؤاد في مساءلته إلى المؤشرات الرقمية الواردة بتقارير المؤسسات الدولية؛ إذ يقدّر صندوق النقد الدولي الدين العام بنسبة 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025/2026، مع بلوغ الاحتياجات التمويلية الإجمالية نحو 42% من الناتج.
وأشار رئيس برلمانية العدل إلى أن ارتفع متوسط العائد المرجح لأذون وسندات الخزانة إلى 24.5% في الربع الثاني من عام 2026، بالتوازي مع بقاء متوسط أجل الإصدارات الجديدة عند حدود 1.1 سنة بنهاية يونيو الماضي، وهو ما يظل دون مستهدفات برنامج إدارة الدين.
وشدد البرلماني على أن الفارق المحاسبي بين إجمالي الإصدارات وصافي الاقتراض لا يقلل من خطورة تجديد الأجل؛ فإعادة الفائدة المرتفعة وتكرار السداد يضع الموازنة تحت رحمة تقلبات السيولة وشهية المستثمرين، ويحرم الدولة من القدرة على التخطيط المستقر للإنفاق التنموي والخدمي.
حساسية الأموال الساخنة
ولم تتوقف المساءلة عند أروقة الدين المحلي، بل امتدت في الطلب الثاني لتفند قروض الحكومة بالعملة الأجنبية من البنوك المصرية المحلية، والتي قفزت إلى 56.2 مليار دولار بنهاية مايو 2026، بزيادة بلغت 8.23 مليار دولار (نحو 17%) خلال خمسة أشهر فقط.
وحذر فؤاد من أن الدين الدولاري يظل عرضة لمخاطر التغير في سعر الصرف بغض النظر عن طبيعة الدائن، لكون انخفاض الجنيه يرفع تلقائيًا عبء السداد على الخزانة العامة.
كما سلط فؤاد الضوء على هشاشة الاعتماد على استثمارات غير المقيمين في أذون الخزانة، والتي ارتفعت حصتهم فيها إلى نحو 42–43% بنهاية يونيو 2026، مستشهدًا بالتقلب الحاد لحيازات الأجانب التي تراجعت من 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار في أبريل، قبل أن ترتفع مجددًا إلى 37.2 مليار دولار بنهاية يونيو.
وطالب البرلماني بإجراء اختبارات ضغط حقيقية لسعر الصرف وتكلفة التمويل، مؤكدًا أن نجاح إدارة الدين يقاس بمدى تخفيف العبء الفعلي عن الموازنة والمواطن، وليس بمجرد القدرة على تدوير وتجديد القروض.
يأتي تحرك رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل في وقت تواجه فيه السياسة المالية في مصر اختبارات حاسمة للتوفيق بين متطلبات السيطرة على العجز المالي وبين كبح أعباء خدمة الدين. وتكشف المعطيات الصادرة عن وزارة المالية والبنك المركزي عن ضغوط هيكلية تعطل محاولات إطالة عمر الدين العام؛ حيث أدى الارتفاع المتتالي لمعدلات الفائدة خلال الفترات الماضية إلى تفضيل السوق للأدوات قصيرة الأجل على حساب السندات متوسطة وطويلة الأجل، وهو ما أبقى الموازنة العامة في حالة مواجهة مستمرة مع استحقاقات التمويل السريعة.
وتستهدف المساءلة النيابية فتح ملف الشفافية المالية المتعلقة بالالتزامات الأجنبية، خاصة مع صعود إجمالي الدين الخارجي لمصر إلى نحو 164 مليار دولار. ويأتي طلب حزب العدل بإجراء اختبارات ضغط للسيناريوهات الأسوأ مثل خروج الاستثمارات الأجنبية الشاملة أو الضغط على سعر الصرف، كخطوة تستهدف إجبار الحكومة على التحول من حلول التسكين والتجديد الدوري للقروض، إلى تقديم حلول هيكلية تقلل نسبة مخاطر إعادة التمويل، وتضمن توجيه التدفقات المالية نحو الأنشطة الإنتاجية بدلًا من استنزافها في خدمة الفوائد.
