رئيس التحرير
عصام كامل

كيف مات عمر أفندي؟! قصة حياة أشهر اسم تجاري بمصر في أرقام.. البداية 1856.. التأميم 1957.. التحول لشركة مساهمة 1967.. البيع لشركة سعودية 2006.. وإلغاء الخصخصة 2011

عمر أفندي، فيتو
عمر أفندي، فيتو
18 حجم الخط

في العتبة، لا يبدو أن شيئًا ينتظر أحدًا.

الحركة في الشارع لا تتوقف.. حركة المارة والسيارات والمحلات المحيطة مستمرة كأنها لم تلاحظ أن هناك مبنىً يقف في قلبها خارج الزمن.. خلف الواجهة القديمة، لا تبدو الصورة التي يمكن أن يتخيلها المرء عن أحد أشهر أسماء التجارة في مصر.

هنا كان «عمر أفندي».

 

من متجر غيّر طريقة التسوق في القاهرة إلى مبانٍ بقي منها الاسم

ليس مجرد محل ملابس أو متجر قديم أغلق أبوابه. الاسم الذي ظل أكثر من قرن ونصف جزءًا من الحياة التجارية المصرية، والذي امتلك في وقت من الأوقات شبكة فروع امتدت إلى محافظات مختلفة، يقف اليوم أمام سؤال أكبر من مصير شركة: كيف يمكن لاسم بهذا الحضور أن يصل إلى هذه النقطة؟!

للوصول إلى الإجابة، علينا أن نعود إلى القاهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

 Orosdi-Back

بدأ نشاط المتجر في القاهرة عام 1856 تحت اسم Orosdi-Back، وتصفه المصادر التاريخية بأنه من أقدم المتاجر متعددة الأقسام في مصر والشرق الأوسط.

الفكرة نفسها كانت جديدة على المستهلك المصري: بدل أن يذهب الزبون إلى متجر للأقمشة وآخر للملابس وثالث للأدوات المنزلية، يجمع المتجر أقسامًا متعددة تحت سقف واحد.

لم يكن الأمر مجرد طريقة جديدة للبيع؛ كان تغييرًا في تجربة التسوق نفسها.

كان المتجر جزءًا من ظاهرة «المتاجر الكبرى» التي انتقلت من أوروبا إلى مدن الشرق الأوسط، وأصبح فرع القاهرة واحدًا من المتاجر الكبرى التابعة لشبكة Orosdi-Back التي انتشرت في مدن عدة.

لكن الاسم الذي سيعيش في ذاكرة المصريين لم يكن Orosdi-Back. كان «عمر أفندي».

متجر لا يبيع سلعة واحدة، بل أسلوب حياة

مع مرور الوقت، أصبح الاسم مرتبطًا بوسط القاهرة وبصورة المتجر الذي يمكن أن يجد فيه الزبون احتياجات مختلفة في مكان واحد.

مبنى شارع عبد العزيز، الذي ارتبط بتاريخ المتجر، شُيد في بدايات القرن العشرين، وصممه المعماري الفرنسي راؤول براندون.

كما ارتبط المبنى بعلامات بصرية جعلته جزءًا من المشهد نفسه، حتى أصبح اسم «عمر أفندي» حاضرًا في ذاكرة المكان قبل أن يكون مجرد اسم تجاري.

هنا تبدأ أهمية الحكاية بالنسبة للقاهرة.

فالمتجر لم يكن منفصلًا عن المدينة؛ كان يتغير معها، ويبيع لها، ويعيد في الوقت نفسه تشكيل الطريقة التي ترى بها السلع والملابس والواجهات والإعلانات.

الاسم تغيّر، والدولة دخلت الحكاية

في عشرينيات القرن العشرين تقريبًا، ارتبط اسم «عمر أفندي» بالمتجر الذي كان يحمل اسم Orosdi-Back، ثم استمر الاسم الجديد في مصر.

وتختلف بعض الروايات المنشورة في تفاصيل انتقال الملكية ومن أين جاء اسم «عمر أفندي»، لذلك تحتاج هذه النقطة تحديدًا إلى الرجوع إلى الوثائق الأصلية قبل حسمها في النسخة النهائية.

المؤكد أن المتجر استمر لعقود كواحد من أبرز الأسماء التجارية في مصر، إلى أن جاءت لحظة مختلفة تمامًا: التأميم عام 1957.

وبموجب قرار جمهوري عام 1967، أصبح «عمر أفندي» شركة مساهمة مصرية.

من هنا لم تعد قصة المتجر قصة تجارة خاصة فقط.. أصبح عمر أفندي جزءًا من قطاع التجارة المملوك للدولة، ومع الوقت اتسعت شبكة فروعه.

لكن الدولة التي حافظت على الاسم لم تستطع أن تمنع تغير السوق.

متى بدأ المتجر يفقد زبائنه؟

هذه هي النقطة التي يجب ألا نمر عليها باعتبارها مجرد «زمن جميل انتهى».

لأن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحب عمر أفندي؟

السؤال هو: متى توقف عن أن يكون ضروريًا؟

ماذا حدث للزبون الذي كان يجد احتياجاته في متجر متعدد الأقسام؟!

ماذا حدث للمنتجات التي كان يشتريها؟!

وماذا حدث عندما ظهرت المتاجر المتخصصة، ثم المراكز التجارية الكبرى، ثم العلامات التجارية العالمية، ثم تغيرت طريقة الإعلان والشراء نفسها؟

يجب أن تروي الشهادة هنا ما لا تستطيع الوثيقة وحدها أن ترويه: كيف كان الزبون يدخل، ماذا كان يبحث عنه، أي الأقسام كانت مزدحمة، ومتى بدأ الفراغ يظهر.

2006، نقطة الانقلاب

ثم جاءت واحدة من أكثر مراحل عمر أفندي إثارة للجدل.

في 2006، بيعت 90% من أسهم الشركة إلى شركة «أنوال المتحدة للتجارة» السعودية.

لكن الصفقة لم تنتهِ عند انتقال الملكية.

في مايو 2011، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا ببطلان عقد بيع 90% من أسهم عمر أفندي، وأمرت بإعادة الشركة إلى الدولة. ثم أيدت المحكمة الإدارية العليا الحكم في أغسطس 2013.

الأهمية هنا ليست في أن «الخصخصة حدثت ثم أُلغيت» فقط.

ما الذي حدث بالفعل للشركة خلال هذه السنوات؟

هل كانت المشكلة في الإدارة؟ في نموذج التجارة نفسه؟ في تراكم الديون؟ في طريقة إدارة الأصول؟ أم أن كل هذه العوامل جاءت فوق بعضها حتى أصبح إنقاذ الشركة أصعب من مجرد إعادة فتح الأبواب؟!

ثلاث واجهات، وثلاث صور لعمر أفندي

في العتبة، يبدو المبنى كأنّ! الزمن تركه خلفه.

في الإسكندرية، يمكن مقارنة ما تبقى من حضور الاسم بصورته القديمة، وبالمدينة التي تغيرت حوله.

وفي المهندسين، تظهر صورة أخرى لعمر أفندي داخل منطقة تجارية تشكلت في زمن مختلف وبمنطق مختلف.

ثلاثة أماكن، وثلاثة أزمنة، وسؤال واحد:

ماذا بقي من عمر أفندي عندما تغيرت المدينة من حوله؟

من تغيّر: عمر أفندي أم القاهرة؟

ربما يكون من السهل تحميل شركة واحدة مسؤولية اختفائها من المشهد.

لكن عمر أفندي ليس حالة منفردة.

فشارع عبد العزيز نفسه، على سبيل المثال، تغير نشاطه التجاري عبر العقود؛ من الأثاث إلى الأجهزة الكهربائية ثم إلى تجارة الهواتف ومستلزماتها مع تغير السوق والتكنولوجيا.

وهكذا يصبح عمر أفندي مرآة لشيء أكبر.

اللافتات تغيرت.

المنتجات تغيرت.

طريقة عرض البضائع تغيرت.

الزبون تغير.

حتى فكرة «المتجر» نفسها تغيرت.

كان المتجر الكبير يقول للزبون: تعالَ إليّ، وستجد كل شيء.

أما المدينة الحديثة فتقول له شيئًا مختلفًا: لديك عشرات العلامات، والمراكز التجارية، والمتاجر المتخصصة، والشراء عبر الإنترنت، ويمكنك أن تقارن الأسعار قبل أن تدخل الباب أصلًا.

لم يمت عمر أفندي في يوم واحد.

ربما كان موته سلسلة طويلة من التغييرات، أخذ كل واحد منها جزءًا من دوره: منتجًا، وزبونًا، وفرعًا، وموظفًا، ولافتة، وأخيرًا مكانًا في ذاكرة المدينة.

والعتبة ما زالت هناك

نعود إلى العتبة.

المبنى نفسه لم يتحرك.

المدينة تحركت حوله.

وهنا يصبح السؤال الأول مختلفًا.

لم نعد نسأل فقط: كيف مات عمر أفندي؟

بل: ماذا مات معه؟

طريقة قديمة في التسوق؟ شكل معين من التجارة؟ علاقة مختلفة بين المتجر والشارع؟ أم جزء من القاهرة التي كانت تصنع ذوقها من خلال أماكن بعينها؟

قد لا تكون الإجابة أن عمر أفندي مات تمامًا.

فاسمه ما زال موجودًا، وشركته عادت إلى القطاع العام بعد حكم القضاء، لكن الصورة التي تستحق أن تبقى في النهاية ليست صورة لافتة تحمل الاسم.

إنها صورة المبنى القديم، وسط مدينة لا تزال تعمل.

لأن بعض الأماكن لا تختفي عندما تغلق أبوابها؛ تختفي عندما تتغير المدينة التي كانت تعرف لماذا تذهب إليها.

الجريدة الرسمية