رئيس التحرير
عصام كامل

مصر وأفريقيا نحو شراكة استراتيجية لمستقبل مشترك

18 حجم الخط

تُمثّل القارة الأفريقية عمقًا استراتيجيًا وحضاريًا لمصر، كما تمثّل مصر جزءًا أصيلًا من التاريخ والجغرافيا الأفريقية. ومن هنا، فإن العلاقة بين مصر وأشقائها في القارة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد علاقات سياسية أو اقتصادية تحكمها المصالح الآنية، وإنما هي علاقة ممتدة صنعتها الجغرافيا ورسختها روابط التاريخ والثقافة والمصير المشترك. وفي عالم يشهد تحولات سياسية واقتصادية وتكنولوجية سريعة، أصبحت الشراكة مع أفريقيا ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات الحاضر وتطلعات المستقبل.

 

إن القارة الأفريقية بما تمتلكه من موارد طبيعية وبشرية، وما تتميز به من موقع جغرافي وإمكانات اقتصادية وأسواق واسعة، تمثل إحدى أهم مناطق النمو في العالم، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه الإمكانات ترتبط بقدرة الدول الأفريقية على بناء نماذج للتعاون والتكامل تحقق المصالح المشتركة لشعوبها. 

ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل العلاقات المصرية الأفريقية ينبغي أن ينتقل من مفهوم التعاون التقليدي إلى مفهوم الشراكة الاستراتيجية المستدامة، التي تقوم على تبادل المصالح والخبرات وبناء القدرات وتنفيذ مشروعات مشتركة قابلة للاستمرار.

 

وتحتل أفريقيا مكانة أساسية في الأمن القومي المصري بمفهومه الشامل؛ فالأمن المائي والغذائي والاقتصادي والبيئي لم يعد من الممكن التعامل معه داخل الحدود الوطنية للدول بمعزل عن محيطها الإقليمي. ويأتي نهر النيل في مقدمة الروابط التي تؤكد وحدة المصير بين مصر ودول حوض النيل، الأمر الذي يجعل الحوار والتعاون وإدارة الموارد المشتركة وفق مبادئ القانون الدولي والمنفعة المتبادلة من أهم مرتكزات بناء المستقبل. 

كما يرتبط الأمن المصري باستقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل، وبقدرة دول القارة على مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتداعيات المتزايدة للتغيرات المناخية.

 

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن القارة تمتلك فرصًا كبيرة لتعزيز التجارة والاستثمار والتصنيع المشترك. وتمثل منطقة التجارة الحرة الأفريقية فرصة مهمة لتوسيع الأسواق وتعزيز حركة السلع والاستثمارات وتطوير سلاسل القيمة داخل القارة. ويمكن لمصر، بما تمتلكه من قاعدة صناعية وخبرات هندسية وبنية أساسية وموقع جغرافي متميز، أن تسهم بفاعلية في هذا المسار. 

غير أن الشراكة المنشودة يجب ألا تقتصر على زيادة الصادرات والواردات، وإنما ينبغي أن تتجه نحو إقامة مشروعات إنتاجية مشتركة، وتطوير شبكات النقل والربط اللوجستي، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات بما يحقق قيمة مضافة وفرص عمل داخل المجتمعات الأفريقية.

 

ويبقى الاستثمار في الإنسان هو الركيزة الأكثر أهمية لأي شراكة حقيقية ومستدامة. فأفريقيا قارة شابة، وتمثل طاقات شبابها فرصة استثنائية لتحقيق التنمية إذا اقترنت بالتعليم الجيد والتدريب وبناء القدرات وتوفير فرص الابتكار والعمل. وهنا يمكن للجامعات ومراكز البحوث والتدريب المصرية أن تقوم بدور مهم من خلال بناء شبكات تعاون مع المؤسسات الأفريقية، وإطلاق برامج أكاديمية وبحثية مشتركة، وتبادل الطلاب والباحثين وأعضاء هيئة التدريس، وإعداد القيادات الشابة، وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل.

 

وفي الوقت ذاته، أصبحت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي من أهم المجالات التي ينبغي أن تتصدر أجندة التعاون المصري الأفريقي. فمستقبل التنمية سوف يرتبط بصورة متزايدة بقدرة الدول على إنتاج المعرفة وإدارة البيانات وتوظيف التكنولوجيا. 

ومن ثم، يمكن تطوير شراكات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأمن السيبراني ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد، وتوظيف هذه التقنيات في الزراعة وإدارة المياه والصحة والتعليم والتخطيط العمراني ومواجهة الكوارث والتغيرات المناخية. والهدف هنا ليس مجرد نقل التكنولوجيا إلى أفريقيا، وإنما بناء قدرة أفريقية على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وتطوير حلول تتناسب مع احتياجات مجتمعاتها.

 

كما تفرض التغيرات المناخية تحديات متزايدة على القارة، خاصة في مجالات المياه والغذاء والطاقة والتصحر. ولذلك فإن الشراكة المصرية الأفريقية يجب أن تمنح أولوية للاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة والزراعة المستدامة وإدارة الموارد المائية ومواجهة مخاطر المناخ. ويمكن لتبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات مشتركة في هذه المجالات أن يحول التحديات البيئية من مصدر للتهديد إلى فرصة للتعاون والتنمية والابتكار.

 

ولا يمكن بناء مستقبل أفريقي مستدام دون مشاركة حقيقية للمرأة والشباب. فالمرأة الأفريقية شريك أساسي في التنمية وصناعة القرار، كما أن الشباب يمثلون القوة الأكثر قدرة على قيادة التحولات المستقبلية. ومن هنا، ينبغي دعم برامج إعداد القيادات النسائية والشبابية، وتشجيع ريادة الأعمال والابتكار، وتوسيع المشاركة في الحياة العامة، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة للمساهمة في صياغة السياسات والمبادرات التي تحدد مستقبل القارة.

 

وإلى جانب السياسة والاقتصاد، تظل الثقافة والتعليم والدبلوماسية الشعبية جسورًا أساسية لتعميق العلاقات بين مصر وأفريقيا. فالتبادل الثقافي والأكاديمي، وتشجيع الدراسات الأفريقية، والتعاون بين الجامعات، والتعريف بالتراث المشترك، يمكن أن يسهم في بناء الثقة وتعميق الشعور بالانتماء إلى فضاء أفريقي واحد، خاصة لدى الأجيال الجديدة.

 

ومن هنا تكتسب المنتديات الأفريقية أهمية خاصة عندما تتحول من ساحات للحوار إلى منصات لإطلاق مشروعات وشراكات قابلة للتنفيذ. وفى الحقيقة المنتدى الأفريقي بمدينة العلمين  قدم نموذجًا لهذا التوجه، من خلال الجمع بين صناع القرار والأكاديميين والشباب والمرأة ورواد الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني، وطرح مبادرات عملية في مجالات بناء القدرات والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال والتنمية المستدامة.

إن مستقبل العلاقات بين مصر وأفريقيا لن يُبنى على التاريخ وحده، رغم عمقه وأهميته، بل على ما نستطيع أن نبنيه معًا اليوم. فالجغرافيا منحتنا وحدة المصير، والتاريخ منحنا جذورًا مشتركة، ويبقى علينا أن نحول هذه الروابط إلى شراكة حقيقية تقوم على الثقة والمصلحة المتبادلة والاستثمار في الإنسان والمعرفة. فمصر وأفريقيا لا يجمعهما ماضٍ مشترك فحسب، وإنما تجمعهما أيضًا مسؤولية مشتركة في صناعة مستقبل أكثر أمنًا وتنمية وازدهارًا للأجيال القادمة.

الجريدة الرسمية