رئيس التحرير
عصام كامل

المرأة المصرية في نصر أكتوبر.. بطولات على جبهة أخرى

18 حجم الخط

حين دوت المدافع على جبهة القتال في السادس من أكتوبر 1973، كانت مصر كلها في حالة استنفار. وعلى امتداد الوطن، كانت هناك جبهة أخرى لا تقل أهمية؛ جبهة البيت والعمل والمستشفى والمجتمع، حيث وقفت المرأة المصرية تؤدي دورها في صمت، وتتحمل مسؤولياتها، وتساند أبناء الوطن في واحدة من أكثر اللحظات حسمًا في تاريخ مصر الحديث.


لم يكن نصر أكتوبر إنجازًا عسكريًا منفصلًا عن المجتمع، بل كان ثمرة حالة واسعة من التماسك الوطني وتكامل الأدوار. فالجندي الذي عبر قناة السويس وخاض المعركة كان وراءه مجتمع كامل يسانده، وكانت المرأة جزءًا أساسيًا من هذا المجتمع؛ أمًّا وزوجةً وطبيبةً وممرضةً وعاملةً ومتطوعةً، تؤدي واجبها في الموقع الذي وجدت نفسها فيه.
وهذا التكاتف ينسجم مع قيمة أصيلة دعانا إليها الإسلام، يقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].


ففي البيوت، كانت الأم المصرية تواجه اختبارًا إنسانيًا بالغ الصعوبة. ابنها في الجبهة، وأخبار المعركة تصل تباعًا، والقلق حاضر، لكنها كانت مطالبة بأن تمنح أسرتها القوة بدلًا من أن تستسلم للخوف. وكذلك فعلت الزوجات اللاتي تحملن مسؤوليات الأسرة في غياب الأزواج، وواصلن إدارة شؤون الحياة اليومية في ظروف استثنائية.


كان ذلك الدعم المعنوي جزءًا من صمود المجتمع. فالوطنية لا تظهر فقط في لحظة المواجهة، وإنما تظهر أيضًا في القدرة على التحمل، وفي تحويل الخوف إلى ثبات، والقلق إلى مسؤولية، والانتظار إلى دعم وأمل. وهنا تتجلى قيمة الصبر التي أكدها القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].


وقد كان الصبر في تلك المرحلة ليس مجرد انتظار، بل قدرة على الاستمرار وتحمل المسؤولية ومساندة من كانوا في قلب المعركة. وفي المستشفيات، كانت صورة أخرى من صور العطاء تتشكل. فقد شاركت الطبيبات والممرضات والعاملات في مجال الرعاية الصحية في استقبال الجراحى والمصابين وتقديم الرعاية اللازمة لهم، في وقت كانت فيه الحاجة إلى كل يد قادرة على العمل والعطاء.


وهذا الدور الإنساني يتفق مع ما دعا إليه النبي ﷺ من مساعدة الآخرين، فقد قال : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» رواه الإمام مسلم. فخدمة الجريح، ورعاية المصاب، ومساندة المريض، لم تكن مجرد مهام وظيفية، وإنما كانت في تلك الظروف صورة من صور الرحمة والتكافل والمسؤولية الإنسانية.


أما في ميادين العمل والإنتاج، فقد واصلت المرأة أداء مسؤولياتها، وأسهمت في استمرار عجلة الحياة والإنتاج في وقت كان فيه عدد كبير من الرجال يؤدون واجبهم العسكري. وهنا برزت قيمة العمل باعتباره صورة أخرى من صور خدمة الوطن؛ فاستمرار المصانع والمؤسسات والمرافق في أداء وظائفها كان جزءًا من قدرة المجتمع على الصمود.


وقد دعا الإسلام إلى إتقان العمل والإحسان فيه، فقال النبي ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» رواه الإمام مسلم، فكل عمل نافع يؤديه الإنسان بإخلاص وإتقان يمكن أن يتحول إلى مساهمة حقيقية في خدمة المجتمع.
وامتد الدور إلى مجالات التكافل والعمل التطوعي، حيث شاركت النساء في مساندة الأسر ومساعدة المحتاجين ودعم الجهود المجتمعية المرتبطة بظروف الحرب.


وكانت هذه الممارسات تعكس روح التكافل التي دعا إليها الإسلام، فالرسول ﷺ يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه الإمام مسلم.
وفي ظل الحرب، ظهر هذا المعنى في صورة مجتمع يحاول أن يساند أفراده بعضهم بعضًا، وأن يخفف عن الأسر أعباء المرحلة، وأن يحافظ على تماسكه في مواجهة الظروف الصعبة.


ومن هذه الزاوية، يمكن فهم دور المرأة المصرية في حرب أكتوبر المجيدة بصورة أوسع. فلم تكن البطولة مرتبطة بمكان واحد أو بمهمة واحدة؛ فهناك بطولة الجندي في ساحة القتال، وبطولة الطبيب والممرض في المستشفى، وبطولة العامل في موقع الإنتاج، وبطولة الأم التي حافظت على تماسك أسرتها، وبطولة كل إنسان أدى واجبه في اللحظة التي احتاج فيها الوطن إلى جهده.


وقد لخّص القرآن الكريم قيمة البذل والتضحية في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: 20].
 

لقد كشفت حرب أكتوبر المجيدة عن معدن المجتمع المصري كله، وأظهرت المرأة، كما أظهر الرجال، أن خدمة الوطن لها صور متعددة، وأن الصمود لا يُقاس فقط بما يحدث على خطوط المواجهة، بل أيضًا بما يحدث خلفها من عمل وتكافل وتحمل للمسؤولية.


وبعد أكثر من نصف قرن، يبقى نصر أكتوبر حاضرًا في الذاكرة المصرية بوصفه لحظة اجتمعت فيها الإرادة العسكرية والشعبية. وبينما تحفظ كتب التاريخ أسماء القادة والمعارك والعمليات العسكرية، فإن خلف هذه الصفحات قصصًا يومية لنساء مصريات أدين أدوارهن في صمت، وتحملن مسؤولياتهن دون انتظار للضوء أو الشهرة.


وهنا تكمن قيمة هذا الدور: فإن كثيرًا من صور البطولة لا تصنعها الأضواء، وإنما يصنعها الواجب. فالمرأة المصرية في أكتوبر لم تكن مجرد متلقية لأحداث التاريخ، بل كانت جزءًا من المجتمع الذي تحمل أعباء الحرب، وأسهمت بما استطاعت في الحفاظ على تماسكه ودعم قدرته على الصمود.


خاتمة:
كان السادس من أكتوبر يومًا انتصرت فيه إرادة وطن، لكن وراء هذا الانتصار مجتمعًا كاملًا حمل أعباء المرحلة. وكانت المرأة المصرية إحدى ركائز هذا المجتمع؛ صبرت، وعملت، وأسندت، وواصلت الحياة في وقت كانت فيه مصر تخوض معركتها الكبرى.

وقد جسدت في ذلك معاني التعاون والصبر والإحسان والتكافل التي دعا إليها الإسلام، فكانت مساهمتها في تلك المرحلة جزءًا من صورة وطنية أكبر، عنوانها التكاتف وتحمل المسؤولية. ومن هنا، فإن الحديث عن نصر أكتوبر لا يكتمل إلا باستحضار المرأة المصرية؛ تلك التي وقفت على جبهة لا تحمل فيها سلاحًا، لكنها حملت مسؤولية وطن، وأثبتت أن للبطولة وجوهًا كثيرة، وأن أعظم الانتصارات تبدأ من أدوار لا يسلط عليها الضوء.

الجريدة الرسمية