رئيس التحرير
عصام كامل

أشرف سيد يكتب: بيان الحكومة عن أراضي كورنيش النيل يفتح باب التساؤلات حول طرة البلد.. ماذا وراء أعمال الحصر؟ والأهالي لن تقبل بأي التفاف على حقوقنا أو «الضحك على الدقون»

أشرف سيد
أشرف سيد
18 حجم الخط

فتح البيان الذي نشره المركز الإعلامي لمجلس الوزراء بشأن حقيقة ما تردد عن طرح أراض ومواقع مطلة على كورنيش النيل للبيع باب التساؤلات حول أعمال الحصر الجارية في طرة البلد، خاصة أن البيان الرسمي أوضح أن ما يتم في عدد من المواقع لا يمثل طرحا للبيع، وإنما يأتي في إطار حصر الأراضي والمباني غير المستغلة أو غير المستغلة بالشكل الأمثل، ودراسة أفضل سبل الاستفادة منها وتعظيم قيمتها، تمهيدا لتحديد الاستخدامات والمشروعات المناسبة لكل موقع وفقًا لطبيعته وموقفه القانوني والفني.

والأهمية هنا أن البيان الحكومي لا يثبت بأي حال من الأحوال أن أعمال الحصر في طرة البلد مرتبطة بهذا الملف، كما أنه لا يثبت وجود قرار بإزالة منازل الأهالي أو طرح أراضي المنطقة للاستثمار، ولذلك يجب التعامل مع الأمر بدقة شديدة، وعدم تحويل التساؤلات التي يطرحها المواطنون إلى حقائق قبل صدور توضيح رسمي.

لكن في الوقت نفسه فإن ما ورد في البيان يجعل من حق أهالي طرة أن يطلبوا إجابة واضحة حول طبيعة الحصر الذي يجري داخل منطقتهم، خصوصا أن طرة البلد تقع على واجهة النيل، وتحظى بموقع مهم، بينما لا يزال المواطنون يجهلون الهدف النهائي من الإجراءات التي تتم أمام منازلهم.

وأوضح المركز الإعلامي لمجلس الوزراء وفقا لما نقله عن صندوق التنمية الحضرية أن أعمال الحصر والدراسة تشمل الأراضي والمباني غير المستغلة أو غير المستغلة بالشكل الأمثل وأنه يتم استكمال الحصر والتقييم والدراسة لكل موقع على حدة، مع دراسة المنطقة المحيطة والاستخدامات القائمة والمقترحة وتحديد الاستخدام الأمثل لكل أصل بما يضمن تحقيق أفضل استفادة ممكنة وتعظيم العائد الاقتصادي منه لصالح جهات الولاية المالكة.

كما أشار البيان إلى تشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية وعضوية ممثلين عن الجهات المعنية لدراسة ومراجعة الطلبات المقدمة من المستثمرين الراغبين في الاستثمار في الأراضي والمواقع التي تم حصرها ووضع المعايير والضوابط الفنية والمالية والقانونية المنظمة لدراسة ومفاضلة العروض الاستثمارية بما يحقق أفضل استغلال لأصول الدولة وتعظيم العائد الاقتصادي منها مع التأكيد على أن ملكية هذه الأراضي تتبع جهات الدولة المختلفة.

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين ثلاث مراحل مختلفة..الحصر، ثم الدراسة والتقييم ثم تحديد الاستخدام أو المشروع المناسب وهي مراحل لا تعني بذاتها أن كل موقع تم حصره سيباع أو سيخصص لمستثمر كما لا تعني أن وجود لجان حصر داخل منطقة مأهولة بالسكان يعني تلقائيا صدور قرار بإزالة منازلها

ولذلك فإن الحديث عن بيع أرض طرة لمستثمر أو حسم إزالة الأهالي يظل مجرد ادعاء ما لم تؤكده وثيقة أو قرار رسمي صادر من الجهة صاحبة الاختصاص.

لكن في المقابل فإن غياب المعلومات الرسمية التفصيلية عن طرة البلد يترك مساحة واسعة أمام الشائعات والتفسيرات خاصة مع استمرار أعمال الحصر وعدم وجود مسؤول واضح من المحافظة يشرح للأهالي بصورة مباشرة سبب الحصر وحدوده والهدف منه وما إذا كان مرتبطا بأي مشروع تطويري في المنطقة.

ويزداد الأمر أهمية في ضوء ما يراه الأهالي على الأرض من دخول لجان إلى عدد من العقارات وتسجيل البيانات وفحص الوحدات والمباني وهو ما دفعهم إلى طرح أسئلة عديدة حول طبيعة هذه الإجراءات ومصير العقارات التي يتم حصرها

ويظل السؤال الرئيسي الذي ينتظر إجابة محافظة القاهرة.. هل الحصر الجاري في طرة البلد حصر للسكان والعقارات بهدف دراسة أوضاعهم فقط، أم أنه جزء من دراسة عمرانية أوسع للمنطقة أم أنه مرتبط بمخطط لتطوير واجهة النيل؟

فإذا كانت هناك خطة تطوير للمنطقة فما نطاقها وهل تقع منازل المواطنين داخل هذا النطاق أم خارجه وما المعايير التي يتم على أساسها إدراج عقار أو استبعاده وهل هناك تصور للحفاظ على السكان داخل المنطقة مع تطويرها، أم أن الإزالة والإخلاء مطروحان أصلا؟

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية مع ما سبق أن أُثير رسميا وإعلاميا بشأن حصر أراضي ومبانى على كورنيش النيل ودراسة فرص استغلالها اقتصاديا واستثماريا وهو ما يجعل الأهالي أكثر حاجة إلى معرفة موقع طرة تحديدا من أي مخطط شامل أو دراسة منفصلة دون أن يعني ذلك أن هناك ارتباطًا مؤكدا بين هذه الملفات.

ومن حق الدولة بطبيعة الحال أن تحصر أصولها وأن تدرس أفضل طرق استغلالها وأن تعمل على تعظيم العائد الاقتصادي منها وفق القانون كما أن تطوير الواجهات النيلية والاستفادة من المواقع ذات القيمة الاقتصادية أمر لا يرفضه المواطنون في الأصل.

لكن القضية بالنسبة لأهالي طرة تختلف عندما يتعلق الأمر بمنازل قائمة منذ سنوات طويلة وأسر تعيش في المنطقة وتعتبرها موطنها ومستقبل أبنائها.

ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون.. هل الدولة تريد الاستثمار أم لا وإنما كيف يمكن تحقيق التطوير والاستثمار مع الحفاظ على حقوق المواطنين.

وهل يمكن أن يتم تطوير المنطقة مع بقاء الأهالي فيها أو من خلال حلول عمرانية تسمح بإعادة تنظيم المكان دون اقتلاع الأسر من جذورها إذا كان ذلك ممكنا من الناحية الفنية والقانونية؟

وتبرز في هذا السياق ضرورة التعامل مع العقارات المختلفة وفق موقف كل عقار على حدة خاصة أن المنطقة تضم مباني قديمة وأخرى حديثة فضلًا عن نحو 22 عمارة تقريبا وفق ما يذكره الأهالي بعضها يصل إلى ارتفاعات كبيرة ويضم مئات الوحدات.

ومن ثم فإن أي تقييم جاد للمنطقة يجب أن يراعي الموقف القانوني والفني لكل عقار وألا يتم التعامل مع الجميع باعتبارهم حالة واحدة لأن العدالة تقتضي أن يكون لكل عقار ملفه ومستنداته ووضعه القانوني.

كما أن أعمال الحصر نفسها تحتاج إلى قدر أكبر من الشفافية ليس فقط لإزالة مخاوف الأهالي وإنما أيضا لمنع انتشار الشائعات التي أصبحت تتردد في المنطقة ومنها أن الأرض بيعت لمستثمر أو أن المحافظة تستهدف تهجير المواطنين لتحقيق مكاسب مالية أو أن الأهالي سيتم منحهم تعويضات لا تتناسب مع حقوقهم.

وهذه روايات لا يجوز التعامل معها كحقائق من دون مستندات لكن استمرارها في ظل غياب المعلومات الرسمية يجعل مسؤولية المحافظة في الرد والتوضيح أكبر.

ومن هنا فإن المطلوب ليس أكثر من معلومة رسمية واضحة من محافظة القاهرة تحدد طبيعة أعمال الحصر في طرة البلد والجهة التي كلفت بها والغرض منها وما إذا كانت مرتبطة بأي خطة لتطوير كورنيش النيل أو استغلال الأراضي والمباني في المنطقة مع إعلان حدود أي مشروع أو دراسة إن كانت موجودة وبيان موقف منازل المواطنين منها.

كما أن من حق الأهالي أن يعرفوا ما إذا كانت هناك طلبات استثمارية تخص المنطقة من أي جهة وما إذا كانت هناك خرائط أو دراسات عمرانية تم إعدادها بشأنها مع التأكيد على أن السؤال عن وجود طلبات أو دراسات لا يعني اتهام أي مستثمر أو جهة بمخالفة القانون وإنما هو حق أصيل للمواطن في معرفة ما يتعلق بمكان إقامته.

والأهم أن يتم التواصل مع الأهالي بصورة مباشرة من خلال لقاء رسمي يحضره المسؤولون المختصون لشرح حقيقة ما يجري والرد على الأسئلة لأن وجود المسؤول على الأرض والاستماع إلى المواطنين يمكن أن يغلق الباب أمام عشرات الروايات المتداولة، ويعيد الثقة بين المواطن والجهاز التنفيذي.

وفي النهاية فإن بيان المركز الإعلامي لمجلس الوزراء قدم توضيحا مهما على المستوى العام مفاده أن الحصر لا يعني تلقائيا البيع وأن تقييم الأصول ودراسة أفضل استخداماتها يسبقان تحديد المشروعات المناسبة وأن أي استثمار يخضع لضوابط فنية ومالية وقانونية.

لكن هذا التوضيح العام لا يغني عن إجابة محلية تخص طرة البلد تحديدا لأن السؤال الذي يشغل الأهالي ليس فقط.. ماذا يحدث في أراضي كورنيش النيل وإنما ماذا يحدث في طرة البلد؟

أهالي طرة لا يرفضون التطوير ولا يعترضون على حق الدولة في إدارة أصولها، ولا يريدون خصومة مع أحد، وإنما يريدون أن يعرفوا الحقيقة كاملة وأن يكونوا شركاء في معرفة مستقبل المنطقة التي عاشوا فيها سنوات طويلة.

فإذا كانت طرة خارج أي مخطط تطوير أو استثمار فلتطمئن المحافظة أهلها بذلك بوضوح وإذا كانت هناك دراسة أو خطة فليتم إعلانها وشرحها وإذا كان التطوير ممكنًا مع بقاء السكان، فليكن هذا الخيار حاضرا في الدراسة

فالحصر إجراء والتطوير قرار والاستثمار له قواعده.. وبين هذه المراحل جميعا يقف المواطن منتظرا إجابة واحدة.. ما مصير بيته؟

منازل وملكيات خاصة

فمنازل الأهالي التي يتحدث عنها هذا الملف هي منازل وملكيات خاصة بحسب ما يؤكده أصحابها ومستنداتهم، وليست مجرد مبان مهجورة أو أراضٍ خالية يمكن التعامل معها باعتبارها مساحات غير مستغلة، كما أن الأهالي يطالبون المحافظة بإعلان الموقف القانوني الدقيق للأراضي والعقارات محل الحصر، وهل توجد بينها أملاك دولة أو أراضٍ غير مستغلة أو استخدامات غير قانونية من عدمه.

فالدولة عندما تضع خططا لحصر الأراضي والمباني غير المستغلة أو غير المستغلة بالشكل الأمثل فإن الأصل أن تتم دراسة أفضل سبل الاستفادة منها وتعظيم قيمتها تمهيدا لتحديد الاستخدامات والمشروعات المناسبة لكل موقع وفقًا لطبيعته وموقفه القانوني والفني.

وإذا كانت المنطقة مأهولة ومستقرة ومنازلها مملوكة أو مشغولة من مواطنين فما الهدف المحدد من الحصر وما طبيعة الاستخدام المستقبلي الذي يجري بحثه وهل دخلت المنطقة بالفعل في نطاق مشروع محدد أم أن الأمر لا يزال مجرد دراسة؟

والأسئلة تزداد أهمية لأن طرة البلد تتمتع بموقع استراتيجي مطل على النيل وهو ما يجعل الشفافية أكثر ضرورة وليس أقل فالمواطن من حقه أن يعرف الحقيقة كاملة ومن حق الدولة في الوقت نفسه أن تعلن موقفها القانوني والفني بوضوح.

لا نتهم أحدا ولا نقول إن هناك مستثمرا أو صفقة ولكننا نسأل.. لماذا هذا الحصر وما الذي سيترتب عليه وما خفي عن الأهالي حتى الآن.. إن كان هناك شيء فالأصل أن تكشفه المحافظة بالمعلومة الرسمية لا أن تتركه للتكهنات.

«ضحك على الدقون»

وفي النهاية أهالي طرة البلد ليسوا غافلين عما يدور حولهم بل يتابعون كل خطوة وكل إجراء وينتظرون الحقيقة كاملة بعيدا عن الغموض أو الوعود غير الواضحة.. الناس يقظة ولن تقبل بأي التفاف على حقوقها أو لعب بعقولها أو (ضحك على الدقون) فالمطلوب كلمة واضحة وإجراءات معلنة وحقيقة لا تحتمل التأويل

الجريدة الرسمية