رئيس التحرير
عصام كامل

من مدرسة الإسكندرية إلى أكاديمية مارمرقس، الكليات الإكليريكية مصنع تخريج كهنة الأرثوذكسية

الكنيسة الأرثوذكسية
الكنيسة الأرثوذكسية
18 حجم الخط

منذ القرون الأولى للمسيحية، ارتبط اسم الكنيسة القبطية بالتعليم والبحث والدراسة اللاهوتية، وكانت مدرسة الإسكندرية واحدة من أبرز مراكز الفكر المسيحي في العالم القديم، قبل أن تتطور منظومة التعليم الكنسي عبر القرون، وتصل في العصر الحديث إلى شبكة واسعة من الكليات والمعاهد داخل مصر وخارجها.

التوسع اللاهوتي

وتقف الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس في قلب هذه المسيرة، فبعد محاولات مبكرة لإنشاء مدرسة إكليريكية في القرن التاسع عشر، أعيد تأسيسها عام 1893 في عهد البابا كيرلس الخامس، لتصبح لاحقا الكلية الأم للتعليم الإكليريكي الحديث في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

ولم يبق التعليم اللاهوتي محصورا في القاهرة، إذ توسعت الكنيسة في إنشاء الفروع بالمحافظات، فظهرت الكلية الإكليريكية بالإسكندرية عام 1972، ثم فروع ومؤسسات في طنطا والمنوفية وشبرا الخيمة ودمنهور وبورسعيد والمحلة الكبرى، إلى جانب مؤسسات في الصعيد، من بينها المنيا والبلينا والأقصر، فضلا عن الكلية اللاهوتية بالدير المحرق.

ومع انتشار الكنيسة القبطية في الخارج، انتقلت منظومة التعليم اللاهوتي إلى المهجر أيضا، فظهرت مؤسسات في الولايات المتحدة وأستراليا وإنجلترا وألمانيا، لتخدم الأجيال الجديدة من أبناء الكنيسة خارج مصر، وتمنح التعليم الكنسي بعدا دوليا، لكن القصة لم تعد اليوم مجرد توسع في عدد المؤسسات.

ففي السنوات الأخيرة بدأ التركيز الكنسي ينتقل إلى مرحلة أكثر تنظيما، عنوانها «جودة التعليم»، وفي أغسطس 2025 تحدث البابا تواضروس الثاني عن تطوير التعليم الكنسي، مؤكدا أهمية الارتقاء بالمناهج والبحث العلمي وأعضاء هيئة التدريس، ووضع إطار أكثر تنظيما للكليات والمعاهد اللاهوتية.

وفي نوفمبر من العام نفسه افتتح البابا تواضروس الثاني أكاديمية مارمرقس القبطية بمركز لوجوس في دير الأنبا بيشوي، لتكون مظلة تجمع المؤسسات التعليمية الكنسية وتدعم تطوير الدراسات اللاهوتية والبحث العلمي.

وعقد البابا تواضروس الثاني في ديسمبر 2025 لقاءات مع ممثلي عدد من الكليات والمعاهد، بينها الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس والإسكندرية وكلية بولس الرسول اللاهوتية بطنطا والكلية اللاهوتية بالدير المحرق ومعهد الدراسات القبطية، وتركزت المناقشات على تطوير العملية التعليمية ورفع معايير الجودة الأكاديمية.

وتكشف هذه التحركات عن مرحلة جديدة في تاريخ التعليم الكنسي القبطي، فالمعركة لم تعد في إنشاء كلية هنا أو معهد هناك، وإنما في بناء منظومة متكاملة تستطيع الحفاظ على التراث القبطي، وفي الوقت نفسه التعامل مع متطلبات البحث العلمي والتكنولوجيا والرقمنة.

وتعد الكلية الإكليريكية أحد أهم المسارات التي تعتمد عليها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في إعداد وتكوين الكهنة، فهي لا تقتصر على الدراسة الأكاديمية، وإنما تجمع بين التعليم اللاهوتي والتكوين الروحي والكنسي. 

ويدرس الطالب خلالها الكتاب المقدس والعقيدة والتاريخ والليتورجيا واللغة القبطية وغيرها من العلوم الكنسية، إلى جانب الحياة الروحية والخدمة. 

وبعد إتمام دراسته واستيفاء الشروط الكنسية، يمكن أن يكون من بين المرشحين للخدمة الكهنوتية، تمهيدا لرسامته كاهنا بحسب احتياج الكنيسة وقرار الأسقف المختص. وبذلك تمثل الكلية الإكليريكية مرحلة أساسية في إعداد أجيال جديدة قادرة على حمل مسؤولية التعليم والرعاية والخدمة داخل الكنيسة.

من مدرسة الإسكندرية القديمة، إلى إكليريكية الأنبا رويس، وصولا إلى أكاديمية مارمرقس، تبدو رحلة التعليم الكنسي في النهاية رحلة انتقال من حفظ التراث إلى صناعة المعرفة، ومن مؤسسات متفرقة إلى منظومة تسعى الكنيسة إلى توحيد معاييرها وتطوير أدواتها.

الجريدة الرسمية