رئيس التحرير
عصام كامل

وهذا سر مقولة "فعلها الصعيدي"

جبل المر الذي تحول إلى "جبل الفاتح".. قصة بطولة اللواء محمد الفاتح في حرب أكتوبر

اللواء محمد الفاتح
اللواء محمد الفاتح كريم
18 حجم الخط

يحكي اللواء محمد الفاتح ، أحد أبطال حرب أكتوبر 1973 ــ رحل عام 2013 ــ قصة جبل في سيناء يحمل اسم «جبل الفاتح» ــ اسم اللواء ــ بعد أن كان قبل نصر أكتوبر يُعرف باسم «جبل المر»، وذلك من خلال حوار مع مجلة «الشباب» عام 1994. 

يقول اللواء محمد الفاتح: كنت خلال حرب 73 قائدًا للواء الثاني مشاة الميكانيكي بالفرقة 19 برتبة عقيد، ومع غروب شمس يوم السادس من أكتوبر، عبرت قوات لوائي القناة للتمركز خلف الفرقة 19 في انتظار الأوامر، حتى صدرت الأوامر من اللواء عبد المنعم واصل بمهمة استيلاء اللواء الثاني على جبل المر.

قلعة قتال حصينة احتلها العدو

وكان جبل المر مصدر الويل والدمار لمدينة السويس التي كانت تحترق يوميًا بنيران الدبابات الإسرائيلية المختبئة خلف جبل المر في أمان، حيث كان من المستحيل الوصول إليه، وعندما بدأت حرب أكتوبر، استخدم العدو جبل المر في السيطرة على الجيش الثالث الميداني، حيث تحول إلى قلعة حصينة للقتال والترفيه في الوقت نفسه.

اللواء الفاتح اثناء العمليات 
اللواء الفاتح أثناء العمليات 

يقول اللواء محمد الفاتح: خرج من الجبل بشراهة في ذلك اليوم سريتا دبابات ــ 28 دبابة ــ وبطارية مدفعية وأخرى للصواريخ، وفصيلة مشاة محملة على مدرعات، والجنود مُعدّ لهم غرف تحت الأرض على بعد ثمانية أمتار، وفوقها طبقات من الصخور لامتصاص ضربات المدفعية والصواريخ، كما يوجد مطبخ كبير لإعداد الطعام، وصالون للحلاقة، وأماكن للترفيه.

التخطيط لمهاجمة جبل المر

ألحّ في تفكير قائد الجيش الثالث فكرة الاستيلاء على جبل المر، واقترح قائد كتيبة الدبابات المقدم سيد سالم مهاجمة الجبل من اتجاهين لوضع إسرائيل بين فكي كماشة. 

وفي يوم 9 أكتوبر، بدأت 22 من الدبابات و200 من المركبات المدرعة تتجه نحو جبل المر، واختفى اللواء بالكامل وراء سحابة من الرمال والغبار، وما هي إلا لحظات حتى انهالت علينا صواريخ «إس إس 11» المعادية، ولولا المعجزة الإلهية لجعلتها تنغرس في الرمال، وعلى بُعد 2 كيلو تقريبًا من جبل المر، وجدت رجالي يتسترون خلف مجموعة من التباب.

اللواء محمد الفاتح 
اللواء محمد الفاتح 

يقول اللواء محمد الفاتح: سألت الجنود: لماذا توقفتم؟ وفجأة رأيت ما هالني؛ دباباتنا ومركباتنا تحولت إلى كتل من النار بسبب ما سقط عليها من قذائف مدفعية وقذائف الطائرات، فصرخت وأنا أهذي: ماذا أفعل؟ يعني اللواء الثاني انتهى؟ 

وأثناء هذه الحالة، اتصل قائد الفرقة 19 يسأل عن الأحوال وعن مطالبنا، فقلت له: اطمئن، وراك رجالة سيحققون النصر بإذن الله. 

ثم وقفت في عربة الجيب، وورائي رئيس عمليات اللواء وجندي اللاسلكي، لأخاطب القوات المتناثرة خلف التباب بأعلى صوتي: «الله أكبر والعزة للإسلام، الله أكبر والعزة لمصر، يا شباب الإسلام يناديكم للجهاد والنصر».

 

كانت الأرض لا تصلح لتقدم العربات، فترجلت على أقدامي أمام الجنود، وعندما شاهدني النقيب سامي محمود من الصواريخ، صاح في الجنود بأعلى صوته: «هيا يا رجال، كلنا فداء لمصر»، ثم تقدم بنفسه معي، وبرفقتنا رئيس العمليات والرائد تمام رئيس الاستطلاع وقائد المدفعية، وحمل سامي على كتفه صاروخين، وتقدمنا ناحية اليسار حيث الكتيبة الباقية التي تهاجم الجبل ولا تستطيع الوصول إلى قمته من شدة نيران العدو.

تحرير جبل المر

ويضيف اللواء محمد الفاتح: لم يتبق من الكتيبة سوى مجموعتين من عشرين فردًا، عدا الجرحى والشهداء، وكانت كل مجموعة تحتمي بصخرة لتتفادي قصف العدو.

وما إن رأوني حتى صاحوا: «الماء، نريد ماء». ومن أين آتي بالماء في تلك الصحراء التي تحولت إلى قطعة من الجحيم؟ وأشاروا إلى صخرة مجاورة، ولكني لم أر شيئًا، فنيران العدو من كل جانب.

حثثتهم على مواصلة التقدم ناحية قمة الجبل التي تبعد 50 مترًا فقط، وإذا بي أجد دبابتين للعدو تنطلقان خلفنا جهة اليمين، فأمرت النقيب سامح بالتعامل معهما بالصواريخ، ولكن كيف والصاروخ يحتاج إلى أن يكون على بُعد 500 متر ليصيب هدفه؟

لكن حدثت المعجزة، وفرت الدبابتان بعيدًا من صوت الصاروخ، وعلى ضوئها فرت 12 دبابة أخرى كانت خلف التباب الأخرى.

معجزة إلهية

فسرت الكتب العسكرية فيما بعد فرار الدبابات الإسرائيلية بأنها اعتقدت أن مجموعتنا محملة بالصواريخ المضادة للدبابات، في حين لم يكن معنا سوى صاروخين، أُطلق أحدهما ولم يُصب الهدف، لكنها كانت معجزة إلهية.

تقدمنا بعدها إلى قمة الجبل واستولينا عليه.

جبل المر بسيناء اثناء الحرب 
جبل المر بسيناء أثناء الحرب 

يتابع اللواء محمد الفاتح: منذ اللحظة الأولى للاستيلاء على الجبل، اخترت البقاء على الحد الأمامي له، رغم ضرورة بقاء اللواء في الخلف لتأمين سلامته، إلا أنني فضّلت الوجود في المقدمة حتى لا يؤثر رجوعي للخلف على معنويات الجنود.

ولم يتمالك اللواء عبد المنعم واصل، قائد الجيش الثالث الميداني، عندما سمع بالمعركة، إلا أن قال: «فعلها الصعيدي»، يقصدني أنا. 

إطلاق اسم الفاتح على جبل المر

يقول اللواء محمد الفاتح: بعد الاستيلاء على جبل المر بأيام قليلة، حضر قائد الفرقة 19، العميد أركان حرب يوسف عفيفي، ولأنه كان قريبًا من الجنود، سألهم: ماذا تريدون؟

فأجابوا في صوت واحد: «إطلاق اسم الفاتح على الجبل».

ومن يومها أُطلق على جبل المر «جبل الفاتح»، وهو جبل ضخم، واجهته حوالي تسعة أمتار وارتفاعه 117 مترًا، ومنذ عام 1974 لم أرَ الجبل ثانية.

الجريدة الرسمية