«أغلب العالم لن يدخل النار»، هكذا نسف الحبيب على الجفري عقيدة التكفير والفرقة الناجية
خرج الداعية الحبيب علي الجفري قبل ساعات مؤكدا أن أغلب الـ 6.5 مليار إنسان غير المسلم على الأرض لن يدخلوا النار، والتصريح الذي أحدث تفاعلات كبيرة على مواقع التواصل، ليس مجرد لفتة صوفية في فقه الرحمة الإلهية، بل يعد ضربة في العصب الفكري لتنظيمات الإسلام السياسي، إذ ألغى القاعدة التي قامت عليها أدبيات التكفير وحاكمية الجماعة، والتي استمدت بقاءها لعقود من تقسيم المجتمعات بين «المؤمنين المخلصين» و«الكفار الهالكين».
تأميم الرحمة، وهم الفرقة الناجية عند الإسلاميين
يضرب رأي «الجفري» مفهوم الفرقة الناجية الذي تستخدمه التيارات الدينية لشرعنة وجودها في مقتل، فالمنهج الحركي للإخوان وأغلب تيارات الإسلام السياسي لاسيما السلفية الجهادية لم يقم على تقديم الدين كرسالة هداية واستيعاب، بل كأداة حصر وإقصاء، تتغذى على تضييق الرحمة الإلهية لإقناع قواعدها بأن الانتساب للتنظيم هو طوق النجاة الوحيد في الدنيا والآخرة.
ولم تكن رؤية الجفري نشازًا في التراث الإسلامي، بل جاءت امتدادًا لأطروحات أهم أئمة الإسلام عبر التاريخ؛ إذ قرر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه «فيصل التفرقة» أن أكثر نصارى عصره ورومهم ستشملهم الرحمة الإلهية، كما ذهب الإمام ابن تيمية وشيخه ابن القيم في مناقشات معروفة إلى القول بفناء النار واستيعاب الرحمة للخلق، غير أن أدبيات الإسلام السياسي تعمدت طمس هذه الرؤى لحساب خطاب حركي يكفر المخالف، وتدشين «استعلاء إيماني» يبرر وصاية الجماعة على المجتمع والشارع.
المظلومية وصناعة الخصوم، أدوات بقاء الإسلاميين على قيد الحياة
القراءة المعمقة في أفكار التنظيمات الحركية تكشف أن تأميم الجنة وتكفير الآخر ليس خطأً فقهيًا عابرًا، بل هو ضرورة تنظيمية؛ إذ لا يستطيع التنظيم الحفاظ على تماسك قواعده وتغذية مشاعر المظلومية والاستعلاء إلا بوجود عدو كافر يتربص به.
ويوضح خبراء أن التيارات الدينية تستخدم هذا المبرر للجهاد ضد المجتمعات، باعتبارها وصية على الخلاص الأبدي، ولايمكن اعتبارها مجرد كيان سياسي يخضع للتقييم والمحاسبة مثل كل التيارات المدنية، وبالتالي تضييق الرحمة الألهية لم يكن حرصًا على عقيدة الدين، بل حيلة سياسية لحراسة الأسوار التنظيمية، حتى لا يُجرد الإسلام السياسي من أقوى أسلحته للتعبئة والحشد.
وتثبت هذه السجالات الفكرية أن المعركة مع حركات الإسلام السياسي ليست أمنية أو سياسية فحسب، بل هي بالأساس معركة تفكيك الأفكار التي بنيت عليها أدبيات الحاكمية والتكفير، إذ يرى خبراء أن إبراز سعة الرحمة الإلهية وقراءات الأئمة الكبار يضع الجماعات الإقصائية في مواجهة مباشرة مع صحيح التراث الإسلامي، ويسقط ادعاءهم احتكار الحقيقة، ليؤكد أن أزمة هذه الكيانات لم تكن يومًا مع الآخر المخالف فقط، بل مع المفهوم الأوسع للإنسانية والعدالة الإلهية.
