متحف رموز الفن المصري.. منصة اجتماعية لا تحتاج إلى إنترنت.. مقتنيات تحكي قصص أصحابها وذكرياتهم من النوتة الموسيقية إلى "قائمة التشغيل"
منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها متحف رموز ورواد الفن المصري، لم أعرف من أين أبدأ. أمامي أسماء ووجوه وحكايات موزعة بين قاعات الموسيقى، والصحافة والإعلان، والمسرح، وفرقة رضا.
كل فاترينة كانت تبدو كأنها تفتح أمامي حكاية جديدة، وكل قطعة داخلها تحمل جزءًا من حياة فنان عاش زمنًا مختلفًا، لكنه ترك وراءه ما يكفي ليبقى حاضرًا حتى اليوم.
وبينما كنت أنتقل من فنان إلى آخر، خطر لي سؤال بسيط: ماذا لو كان هذا المتحف نسخة قديمة من منصات التواصل الاجتماعي؟ ماذا لو كان لكل فنان حساب، ولكل قطعة منشور، ولكل ورقة شخصية نبذة تعريفية، ولكل مقتنى ذكرى؟
الفكرة تبدو غريبة، لكن التجول داخل المتحف يجعلها أقرب إلى الواقع.












في السوشيال ميديا، تبدأ معرفة الشخص من صورة الحساب. وفي المتحف تبدأ الحكاية أيضًا من الصورة، لكن الصورة هنا لا تأتي وحدها، وإنما بجوارها شيء حقيقي من حياة صاحبها.
هناك فستان سميحة أيوب في مسرحية «الفتى مهران»، وروب عمر الحريري، وعباءة جمال إسماعيل، وبدلة رشاد رشدي، وعباءة صلاح جاهين مع الشال، وعمامة مجدي وهبة.









عندما ترى اسم الفنان بجوار ملابسه، يتغير إحساسك بالصورة. لم يعد الفنان مجرد وجه تعرفه من التلفزيون أو السينما، بل أصبح شخصًا له ملابس ومقتنيات وتفاصيل يمكن رؤيتها أمامك.
على الشاشة نرى صورة الفنان، أما هنا فنرى شيئًا كان جزءًا من حياته.
وتأخذ الملابس معنى أكبر عندما تكون مرتبطة بأعمال فنية يعرفها الجمهور. فهناك ملابس للفنان محمد رضا ارتداها في عدد من أعماله، وبدلة المنتصر بالله في مسرحية «شارع محمد علي»، وملابس أمينة رزق في «راسبوتين»، وملابس طلعت زكريا في فيلم «طباخ الرئيس»، وفستان مشيرة إسماعيل في مسرحية «الواد سيد الشغال».
هذه القطع يمكن أن تبدو مثل منشورات مرتبطة بلحظات مهمة في حياة أصحابها، لكن الفرق أنها لا تختفي بعد مرور الوقت، ولا تنتقل إلى أسفل الصفحة.
القطعة نفسها موجودة أمامك، ويمكنك أن تربطها بالصورة أو العمل الذي عرفتها منه.
أما الذكريات، فلها شكل مختلف داخل المتحف.













على مواقع التواصل الاجتماعي قد تظهر صورة قديمة وتخبرك المنصة بأنها من سنوات مضت. أما هنا، فالذكرى لا تأتي في صورة فقط، وإنما تأتي ومعها شيء من زمنها.
ضمن مقتنيات عبد الحليم حافظ توجد فانلة ارتداها في فيلم «معبودة الجماهير»، إلى جانب نظارته الشخصية والبلوڤر الخاص به.
هذه الأشياء تضيف إلى الصورة تفاصيل جديدة. أنت لا ترى عبد الحليم على الشاشة فقط، وإنما ترى أشياء كانت جزءًا من حياته اليومية أو الفنية.
وكأن الذكرى أصبحت شيئًا يمكنك رؤيته أمامك، وليس مجرد صورة تمر على شاشة الهاتف.
وبين مقتنيات عبد الحليم أيضًا جوابات مرسلة إليه.
رسائل مكتوبة على الورق، انتقلت من شخص إلى آخر، ثم وصلت في النهاية إلى المتحف. كانت في وقتها رسائل شخصية، لكنها أصبحت اليوم جزءًا من تاريخ الفنان وأرشيفه.
رسائل خاصة، ولكن بخط اليد.
وفي مقتنيات الفنان سناء شافع، تظهر بطاقة عضوية نادي التوفيقية للتنس إلى جانب عدد من الوثائق والأوراق الشخصية.
قد تبدو البطاقة تفصيلًا بسيطًا، لكنها تكشف جانبًا من حياة الفنان لا يظهر على الشاشة. وهي تشبه إلى حد كبير النبذة التعريفية الموجودة على حسابات مواقع التواصل، لكن الفارق أن هذه النبذة لا يكتبها الشخص عن نفسه، وإنما تكشفها تفاصيل حياته.
حتى العلاقات الشخصية تظهر أحيانًا في صورة وثائق، مثل قسيمة الزواج أو الأوراق التي تحمل توقيعات وتواريخ.
على السوشيال ميديا يمكن تعديل حالة العلاقة بضغطة زر، أما الوثيقة الموجودة في المتحف فلا يمكن تعديلها. تظل كما هي، وتحمل ما كتب عليها، وتصبح مع مرور السنوات جزءًا من سيرة صاحبها.
وفي قاعة الموسيقى، تظهر فكرة أخرى تشبه عالمنا الرقمي.
النوت الموسيقية هي الموسيقى قبل أن تصبح صوتًا. اليوم نضغط على الأغنية فتبدأ فورًا، أما هنا فنقف أمام الورقة التي سبقت الصوت.
إنها أشبه بقائمة تشغيل، لكن من دون زر تشغيل.
ولا تتوقف الحكاية عند الفنان نفسه، فالأعمال الفنية تقوم على تعاون عدد كبير من الأشخاص. العقود والأوراق المرتبطة بالأعمال تكشف أسماء وتوقيعات واتفاقات كانت وراء أعمال شاهدها الجمهور لاحقًا على المسرح أو الشاشة.
اليوم يظهر التعاون على منصات التواصل بضغطة واحدة، أما في المتحف فقد ترك التعاون أثرًا مكتوبًا على الورق.
وفي قاعة فرقة رضا، يتغير الأمر قليلًا، لأننا لا نرى فنانًا واحدًا فقط، وإنما مجموعة كاملة.
ملابس الفرقة ومقتنياتها تحكي عن تجربة جماعية تركت أثرًا مهمًا في تاريخ الفنون الشعبية المصرية.
إذا كانت مواقع التواصل تعرف اليوم المجموعات والمجتمعات، فإن المتحف يحتفظ بالأشياء التي تحكي قصة هذه المجموعة.
وبين كل هذه المقتنيات، هناك أشياء صغيرة ربما لم تكن في وقتها مهمة بما يكفي لتصبح خبرًا أو صورة.
ساعة، مشط شعر، بطاقة، نظارة، وثيقة أو قطعة ملابس.
لكن هذه الأشياء الصغيرة أصبحت مع مرور الوقت جزءًا من الأرشيف. وهي تذكرنا بأن حياة الفنان لا تتكون فقط من الأعمال التي قدمها، وإنما أيضًا من التفاصيل الشخصية التي عاشها.
وهنا يصبح المتحف مختلفًا عن مواقع التواصل.
على الإنترنت، نكتب اسم الفنان في خانة البحث فنصل إلى صوره وحسابه. داخل المتحف قد يحدث العكس.
تبدأ من قطعة، ثم تقرأ اسم صاحبها، وبعدها تبدأ في البحث عنه داخل ذاكرتك.
ترى عمامة فتتذكر شخصية، وترى فستانًا فتتذكر مسرحية، وترى نظارة عبد الحليم فتبحث بعينيك عن صورته بها.
المقتنى هنا هو الذي يقودك إلى الفنان.
والأهم أن المتحف لا يفرض عليك طريقًا محددًا.
لا توجد خوارزمية تقول لك من يجب أن ترى، ولا قائمة تخبرك بمن هو الأكثر شهرة، ولا منشورات تقترح عليك قصة بعينها.
يمكن أن تدخل وأنت تبحث عن عبد الحليم حافظ، ثم تتوقف أمام فنان آخر لم تكن تعرف أنك ستبحث عنه.
وقد تبدأ من قطعة ملابس، ثم تكتشف صاحبها، وبعدها تعرف قصة لم تكن تعرفها من قبل.
أنت الذي تختار.
وربما تختصر الفكرة كلها صورة واحدة: فنان من زمن قديم يظهر داخل الفاترينة، وفي الزجاج ينعكس وجه زائر من زمن الهاتف والشاشة.
صورتان من زمنين مختلفين، جمعهما الزجاج في لحظة واحدة.
الماضي خلف الفاترينة، والحاضر أمامها.
في النهاية، يمكن أن تجد داخل المتحف أشياء تشبه ما نراه يوميًا على مواقع التواصل: صورة، ونبذة، ومنشور، وذكرى، ورسالة، ووثيقة، ومجموعة وأرشيف.
لكن هناك فارقًا أساسيًا.
لا توجد خوارزمية.
ولا يوجد «المقترح لك».
ولا يوجد «الأكثر تداولًا».
ولا يوجد عدد إعجابات يخبرك أي قصة تستحق أن تتوقف عندها.
هناك فقط فاترينة، ومقتنى، واسم، وزائر.
نحن في السوشيال ميديا نبدأ من الصورة ونبحث عن القصة.
أما هنا، فنبدأ من الشيء، ثم نصل إلى الصورة، ومن الصورة إلى الاسم، ومن الاسم إلى الحكاية.
متحف بلا شاشة، وحسابات بلا أصحاب، وذكريات لا تختفي بمجرد التمرير.
فقط فاترينة تقف أمامها قليلًا، وتختار بنفسك الحكاية التي تريد أن تعرفها.



