رئيس التحرير
عصام كامل

سر المقبرة المجهولة، كواليس انتقال جثمان حسن نصرالله من المخبأ السري إلى روضة المطار

حسن نصر الله من موقع
حسن نصر الله من موقع استهدافه
18 حجم الخط

في السابع والعشرين من سبتمبر 2024، أُسدل الستار على واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ العربي والإسلامي الحديث؛ حيث أعلنت إسرائيل اغتيال حسن نصر الله، الأمين العام الثالث لحزب الله، في غارة جوية غير مسبوقة استهدفت المقر الرئيسي للقيادة تحت الأرض في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، لتنتهي بذلك مسيرة الوجه الأبرز لما يُعرف بـ "محور المقاومة" على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

لكن السؤال الذي طرحه البعض كثيرا: أين اختفت جثة حسن نصر الله طوال 5 أشهر تحت الأرض، وكيف أُخرجت في سرية تامة من وسط أطنان الركام والقصف دون أن تصل إليها عين إسرائيل، ولماذا أصبحت قصة الدفن المجهول المحاط بالحراسة المشددة واحدة من أعقد العمليات الأمنية في تاريخ المنطقة ؟!

من هو حسن نصر الله؟ 

وُلد حسن نصر الله عام 1960 في حي الكرنتينا الفقير بشرق بيروت، لأب يعمل بائعًا للخضار والفواكه يعود أصله إلى بلدة البازورية في جنوب لبنان. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، عادت عائلته إلى البازورية، وهناك انضم نصر الله في سن مبكرة إلى حركة أمل.

وفي سن السادسة عشرة، انتقل إلى مدينة النجف بالعراق للدراسة الدينية في حوزتها التاريخية، وهناك التقى بـ "عباس الموسوي" الذي أصبح معلمًا وموجهًا له، وترسخت بينهما معالم رؤية دينية وسياسية تتجاوز الحركة التقليدية، حيث تأثر نصر الله بأفكار آية الله روح الله الخميني، والثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979؛ مؤمنًا بأن قيادة الأمة الدينية والسياسية يجب أن تخضع للولي الفقيه، وهو المفهوم الذي جعل من مرشد الثورة الإيرانية مرجعًا أعلى لا يرد له أمر.

تأسيس حزب الله، تحول قواعد اللعبة

في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، انشق نصر الله مع مجموعة من القيادات الشابة، من بينهم عباس الموسوي وحسين الموسوي عن حركة أمل بسبب الخلاف حول آليات مواجهة الاحتلال، وأسسوا النواة الأولى لـ حزب الله بدعم وتسليح مباشرين من الحرس الثوري الإيراني.. تميز الحزب بدمجه الفريد بين العمل العقائدي الديني، والرعاية الاجتماعية الشاملة للبيئة الشيعية، والتنظيم العسكري الصارم.

وعقب اغتيال عباس الموسوي بغارة إسرائيلية عام 1992، انتخب حسن نصر الله أمينًا عامًا، وهو لم يتجاوز الثاني والثلاثين من عمره، لتبدأ مرحلة جديدة كليًا في تاريخ التنظيم.

صانع الردع ومهندس المواجهات مع إسرائيل

استطاع حسن نصر الله تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، حيث قاتل الحزب بقوة وأجبر الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب بدون أي شروط؛ مما منحه شعبية عارمة تجاوزت الحدود الطائفية والجغرافية. 

وخاض نصر الله عدة حروب أخرى ضد إسرائيل، أبرزها حرب تموز 2006؛ فبالرغم من الخسائر المادية الهائلة، إلا أن صمود الحزب لمدة 33 يومًا وقدرته على استهداف العمق الإسرائيلي وثّقا رمزية نصر الله كقائد في الوجدان الشعبي للمنطقة.

وأدار نصر الله المعركة عبر الشاشات ومخادع القيادة، وكانت خطاباته تُدرس في معاهد الاستخبارات الإسرائيلية نظرًا لتأثيرها النفسي المدمر على المجتمع الإسرائيلي.

خارج لعبة القصر، لماذا ابتعد عن رئاسة الدولة؟

لم يسعَ حسن نصر الله طوال مسيرته للترشح لأي منصب تنفيذي في الدولة اللبنانية، وذلك لعدة أسباب؛ إذ تأسس النظام السياسي اللبناني على الميثاق الوطني الموزع للطوائف الرئاسة للمارون، ورئاسة الوزراء للسنة، ورئاسة البرلمان للشيعة، وبناءً عليه لم يكن بمقدوره الترشح للرئاسة أو لرئاسة الوزراء وفق القواعد الدستورية.

وكان نصر الله يرى أيضًا أن موقعه كأمين عام لحزب الله ومرجعية للمقاومة يمنحه نفوذًا وسلطة تتجاوز قيود وأغلال المناصب الحكومية المعرضة للمساءلة، إذ وفرت له قيادة الحزب ممارسة النفوذ والتأثير في القرار الوطني عبر التمثيل البرلماني والوزراء الممثلين للحزب وحق الفيتو.

معركة “الإسناد”، الخطوة الأخيرة قبل الاغتيال

تضخُّم دور حسن نصر الله، ولم يعد يقتصر نشاطه على الشأن اللبناني، بل لعب دور الحاكم الفعلي والمنسق الأعلى لفصائل محور المقاومة، خاصة بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020، وامتد نفوذه إلى سوريا والعراق واليمن وفلسطين.

وفاءً لهذا الدور، خاض نصر الله معركة "جبهة الإسناد" 2023 - 2024 عقب هجمات 7 أكتوبر 2023 التي شنتها حماس على إسرائيل وما تلاها من حرب إبادة شاملة تعرض لها الفلسطينيون؛ حيث أعلن نصر الله فتح جبهة جنوب لبنان لإسناد غزة، مرسخًا قواعد اشتباك جديدة تحولت تدريجيًا إلى حرب استنزاف شاملة، قرر الاحتلال على إثرها اتخاذ قرار التصفية واغتياله في المخبأ السري.

لغز الوديعة ورحلة الجثمان إلى روضة المطار

عقب انتشال جثمان حسن نصر الله من أعماق المجمع المستهدف، فرضت القيادة العسكرية والأمنية للحزب سياجًا من السرية المطلقة؛ فنقل الجثمان تحت حراسة مشددة للغاية إلى موقع آمن ومجهول داخل إحدى المستشفيات، نظرًا للقصف المكثف والترصد الإسرائيلي المستمر لأي تجمعات.

وتجنبًا لاستهداف الجنازة أو موقع الدفن أثناء اشتعال الحرب، أجريت له ترتيبات "الوديعة المؤقتة" بدفنه في مكان سري ومجهول داخل لبنان، لحين وضوح خريطة الصراع .

وبعد أشهر طويلة ظلت فيها المقبرة المجهولة لغزًا يثير فضول أجهزة الاستخبارات، استخرج الجثمان في 23 فبراير 2025 عقب ترتيبات أمنية معقدة، ليشيّع في مراسم حاشدة وشعبية شهدتها مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت، قبل أن ينتقل جثمانه رسميًا وبشكله النهائي ليدفن في روضة أعدت له خصيصًا على طريق مطار بيروت الدولي بالضاحية الجنوبية، لتنتهي بذلك رحلة جثمان نصر الله من ظلمات المخبأ السري إلى مثواه الأخير.

الجريدة الرسمية