رئيس التحرير
عصام كامل

لو كنا في كربلاء؟ لهذه الأسباب يجلد ملايين الشيعة أنفسهم في ذكرى استشهاد الحسين

طقوس حزن الشيعة على
طقوس حزن الشيعة على الإمام الحسين
18 حجم الخط

لو كنا في كربلاء؟ سؤال يطرحه الملايين سنويا، وخاصة في مثل هذا اليوم من عام 680 ميلادية، حيث شهدت صحراء كربلاء واحدة من أكثر اللحظات الحزينة في التاريخ الإسلامي والإنساني، بعد أن قرر الإمام  الحسين بن علي الخروج من مكة إلى الكوفة، وكانت لحظة فارقة أوقفت التاريخ عند خط فاصل، ليس ما قبله كما بعده، فما الذي حدث ؟  

سبط النبوة.. تكوين الحسين الفكري والديني والعسكري

نشأ الحسين بن علي في بيت النبوة، فتتشكلت شخصيته من روافد نادرة جعلت له هيبة دينية ورمزية سياسية، حيث ترعرع على علوم القرآن والتفسير، ورأى والده الإمام على بن أبي طالب يخوض معارك صفين والجمل والدستور، فتشرب رؤية عميقة لمعنى الحق ومقاومة الاستبداد، واكتسب مقامًا روحيًا ساميًا بكونه سيد شباب أهل الجنة.

وعرف الحسين الانضباط العسكري مبكرًا، حيث شارك في معارك والده، واكتسب معرفة دقيقة بطبيعة القبائل والجغرافية السياسية للعراق والشام، بخلاف ذلك كان الحسين يمثل لدى الجميع الامتداد المباشر للنبي محمد، ما جعل كل حركة يقوم بها ذات ثقل شرعي وتاريخي تتجاوز حدود وقائع زمانها.

حركة الحسين بن علي.. البحث عن الإصلاح

ومع تبدل هيكل الحكم ومبايعة القبائل في الشام لـ يزيد بن معاوية بعد وفاة أبيه معاوية بن أبي سفيان الذي استطاع اقتناص الحكم من الإمام علي، رأى حفيد النبي في فرض البيعة بالقوة والوراثة نقضًا لصيغة الحكم الإسلامية القائمة على الشورى، وهنا انطلقت أهداف حركة الحسين من رؤية مبدئية حاسمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحياء السنن، واستعادة البوصلة الأخلاقية والسياسية للأمة. 

الطريق إلى الكوفة.. خيانة الحسين 

أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة لاستطلاع الأمر، فبايعه الآلاف من أهلها، لكن المشهد تغير دراماتيكيًا بمجرد وصول عبيد الله بن زياد واليًا على الكوفة؛ حيث مارس البطش والترهيب واشترى الولاءات وفرق الجموع، لينجح سريعا في قتل رسول الحسين مسلم بن عقيل، ليخرج الحسين من مكة متجهًا للعراق دون أن يعرف بمقتل مبعوثه، حتى حاصرته طليعة الجيش الأموي بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، ثم القوة الضاربة بقيادة عمر بن سعد في كربلاء، وقطعوا عن الحسين وآل بيته ومريديه الذين لم يتجاوزوا عشرات المقاتلين طريق الماء.

وفي صبيحة العاشر من محرم، واجه الحسين وأهله وأصحابه القلائل جيش يتجاوز الآلاف، ومع ذلك خاض المقاتلون معركة نادرة الثبات، فسقط أصحاب الحسين واحدًا تلو الآخر، ثم آل بيته وشبابه، حتى بقي الحسين وحيدا في مواجهة جيش جرار، وانتهت المأساة بمقتله وسحق جسده الشريف وحمل رأسه على أسنة الرماح، واقتياد النساء والأطفال أسرى إلى الكوفة ثم الشام، ليتحول مقتله إلى صدمة زلزلت أركان الدولة الأموية وأطلقت شرارة الثورات المتلاحقة.

دم الحسين.. رؤية المؤرخين واختلاف الروايات 

تباينت القراءات التاريخية والمذهبية لمسار حركة الحسين، وتعددت الزوايا التي نظر بها المؤرخون والمحدثون للمأساة، المصادر الشيعية تنظر إلى الحركة باعتبارها نصًا إلهيًا وواجبًا إماميًا، تضع الحسين في مقام المعصوم الذي يضحي بنفسه وآل بيته لحفظ الدين مع إبراز الجوانب التراجيدية والكونية للفاجعة.

أما المصادر السنية، فترى في حركة الحسين موقفا إنسانيا وسياسيا عظيما لصاحب حق، وصحابي جليل خرج رافضًا للظلم والاستبداد، وتعتبر مقتله مظلمة تاريخية وجريمة شنعاء ارتكبها بنو أمية، وإن كانت بعض القراءات للمؤرخين القدامى مثل ابن خلدون رأت الحركة تقديرًا سياسيًا لم يحالفه التوفيق. 

ما بعد كربلاء.. تأسيس عقيدة الندم عند الشيعة 

أدى استشهاد الحسين في كربلاء إلى إشعال شرارة فجرت وجدان العالم الإسلامي، وصاغت للأبد ملامح الخلاف المذهبي والسياسي بين المسلمين، حيث تسببت الفاجعة في زلزلة أركان الدولة الأموية؛ وأطلقت موجة لا تتوقف من الثورات المسلحة؛ بدءًا من ثورة أهل المدينة في معركة الحرة، مرورًا بحركة التوابين، ووصولًا إلى ثورة المختار الثقفي التي تتبعت قتلة الحسين واقتصت منهم، حيث تحول مقتل الحسين إلى رماد يتأجج تحت عرش الأمويين حتى أسقطه بالكامل على يد العباسيين الذين رفعوا شعار الرضا من آل محمد.

وتأسس أيضا على استشهاد الحسين، الشعور بالذنب في الوجدان الشيعي، بعد أن أرسل موقف أهل الكوفة آلاف الرسائل والعهود للحسين يحثونه على القدوم لنصرته والتبيعة له، لكنهم تحت وطأة الترهيب والترغيب من والي بني أمية، تخلو عنه في اللحظة الحاسمة، بل وانخرط بعضهم في الجيش الذي حاصره وقتله، وهذا التخلي تولدت عنه صدمة ضمير أخلاقية؛ تجسدت فور مقتله، في نشوء حركة التوابين عام 65 هجرية بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، والذين خرجوا بشعار "يا لثارات الحسين" معلنين أن المكفر الوحيد عن ذنب التخلي عن ابن بنت رسول الله، هو الاستشهاد في نفس الميدان.

ومع مرور الزمن، تحولت هذه اللحظة التاريخية من مجرد ندم سياسي لأهل الكوفة إلى عقدة شعور بالعار في الخيال الجمعي الشيعي؛ وفي كل ذكرى عاشوراء أو خروج الحسين تطرح الأسئلة: لو كنا في كربلاء، هل كنا سنخذل الحسين كما فعل الأولون ؟ لتتحولت طقوس البكاء، ولطم الصدور، واستعادة التفاصيل المأساوية، إلى فعل تطهير سنويًا للضمير، والتزام أخلاقي متجدد برفض الظلم والتكفير عن الخذلان الأول.

الجريدة الرسمية