لحن سيد درويش يعيد أزمة الحفاظ على التراث إلى الواجهة.. أشرف عبد الرحمن: سرقة علنية وتشويه لحن محفور في الوجدان.. وصبري: العديد من ألحان فنان الشعب أعيد تداولها وهذه الوثيقة تكشف التأثير
أثارت الفنانة أصالة نصري موجة واسعة من الجدل عقب عودتها إلى سوريا بعد غياب دام أكثر من 15 عاما، وذلك خلال إحيائها حفلا غنائيا بالعاصمة دمشق قدمت فيه إحدى أغنيات ألبومها الجديد "على أرض الحبيب"، حيث وصفت أصالة الأغنية بأنها من التراث السوري، وتحديدا الفلكلور الخاص بمدينة اللاذقية، ليتفاجئ الجمهور بمجرد الاستماع إليها، حيث تبين وجود تشابه كبير مع الطقطوقة الشهيرة "زوروني كل سنة مرة" للموسيقار المصري الراحل سيد درويش، والتي يعود تاريخ صدورها إلى عام 1917.
وسرعان ما تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والوطن العربي مقطع فيديو للمطربة السورية تؤكد فيه أنها أثناء بحثها في الفلكلور القديم لمدينة اللاذقية وجدت أغنية بها "من روح سيد درويش"، معربة عن مفاجأتها بما يمتلكه التراث السوري من غنى وعظمة، وشهدت الأوساط الفنية والجماهيرية حالة من الغضب العارم، حيث انتقد عدد كبير من الجمهور والموسيقيين تقديم الأغنية دون نسب اللحن لصاحبه الأصلي سيد درويش، إضافة إلى محاولة إلحاق هذا اللحن الراسخ في الوجدان العربي والمصري بالتراث السوري.
وردا على هذه الأزمة، أصدرت جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصريين بيانا رسميا تدين فيه الواقعة، مشيرة إلى أن إعلان أصالة ينطوي على مسؤولية مهنية تتطلب تحري الدقة والإثبات قبل إطلاق مثل هذه التصريحات، خاصة مع وجود روايات متعارضة حول نسبة اللحن، واستندت الجمعية إلى قراءة موسيقية متخصصة أكدت أن الأمر يتجاوز التشابه العابر إلى تطابق البنية اللحنية الأساسية والمسار النغمي والتفعيلات الإيقاعية والإطار المقامي مع لحن سيد درويش.
واختتمت الجمعية بيانها بالتأكيد على أن الدفاع عن سيد درويش هو دفاع أصيل عن الفن المصري وحفظ ذاكرته التاريخية وفقا للوثائق، مطالبة من يملك تسجيلا موثقا للحن يعود لما قبل عام 1917 بتقديمه لحسم أصل النغم ومصدره.


وللوقوف على الأبعاد الموسيقية والفنية للتشابه الكبير بين أغنية الفنانة أصالة النصري الجديدة ولحن أغنية "زوروني كل سنة مرة" الخالد للموسيقار المصري الراحل سيد درويش، تواصلت "فيتو" مع عدد من النقاد والمختصين.
أشرف عبد الرحمن: ما حدث سرقة علنية وتشويه لحن محفور في الوجدان منذ 100 عام
وأكد الدكتور أشرف عبد الرحمن، رئيس قسم النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، أن اللحن المقدم هو ذاته لحن سيد درويش بعينه، مشددا على أن الواقعة تتجاوز فكرة التأثر أو مجرد الاقتباس بـ"روح سيد درويش"، بل تعد - بحسب وصفه - سرقة علنية وغير قانونية، فضلا عن كونها مرفوضة من الناحية الفنية، وأوضح أن الاقتباس المسموح به علميا لا يتجاوز أربع مازورات موسيقية، في حين تم نقل الأغنية بالكامل، مشيرا إلى أنه كان يجب تدوين اسم سيد درويش على تتر الأغنية باعتباره صاحب اللحن وإدراجه بصيغة أوركسترالية أو بتوزيع جديد.
وأضاف رئيس قسم النقد الموسيقي أن ما حدث يعد تشويها وتعديا صريحا على التراث المصري، وليس مجرد الاستيلاء عليه، حيث إن لحن الأغنية محفور في وجدان الملايين بالوطن العربي منذ أكثر من 100 عام، ولا يجوز اجتزاء هذا اللحن الخالد وتركيب كلمات جديدة عليه، لافتا إلى أن كلمات الأغنية الأصلية أصبحت أيقونة ارتبطت باللحن، وكل من يستمع للعمل الجديد سينصرف ذهنه مباشرة إلى أغنية “زوروني كل سنة مرة”.
وشدد عبد الرحمن على ضرورة التحرك الفوري لكافة الجهات المسؤولة وعلى رأسها نقابة المهن الموسيقية باعتبارها الجهة المنوط بها حماية التراث والفهم الموسيقي، للتدخل والعمل على إيقاف هذه الأغنية ووقف ما وصفه بالمهزلة الفنية، واستشهد بتجربة جارة القمر الفنانة فيروز عندما أعادت تقديم الأغنية نفسها، حيث غنتها بكلماتها الأصلية ونسبت ألحانها بوضوح لسيد درويش إحياء للتراث وتكريما لصاحبه، مؤكدا أن التغيير الذي أحدثته أصالة بالكلمات والنسبة يشوه هذا العمل التاريخي الذي تجاوز القرن من الزمن.

مصطفى حمدي: خطورة الواقعة تكمن في الاتهام الضمني لرمز الموسيقى المصرية بالسرقة
من جانبه، أكد الناقد الموسيقي مصطفى حمدي أن أغنية الفنانة أصالة مستوحاة بوضوح من لحن أغنية "زوروني كل سنة مرة"، مشيرا إلى أن السياق النغمي والبناء الموسيقي للعمل الجديد يطابق اللحن الأصلي بشكل كامل.
وأشار حمدي إلى أن المشكلة الأعمق والأشد خطورة في الأزمة لا تتوقف عند حدود أخذ اللحن، بل تكمن في نسبه إلى التراث السوري، وهو ما لا وجود له تاريخيا أو سماعيا، مشددا على أن تصريحات أصالة ينطوي عليها اتهام ضمني خطير ينال من الموسيقار سيد درويش وكأنه هو من اقتبس من التراث السوري، مطالبا من يدعي ذلك بتقديم الوثائق والأدلة التي تثبت وجود هذا التراث قبل عام 1917، وأكد أن الأزمة تجاوزت الحقوق الفنية لتصل إلى سلب اللحن من أصحابه وإعادة نسبة الأغنية الأصلية وملهمها لغير أهلها.
وطالب الناقد الموسيقي بتحرك إعلامي وقانوني واسع للحفاظ على حقوق الملكية الفكرية لحماية تراث سيد درويش من التنسيب الخاطئ، متسائلا عن دور وزارة الثقافة المصرية بجميع هيئاتها ولجانها والتضخم الوظيفي بها في حماية هذا الموروث، وأشار إلى أن دور الوزارة لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم احتفاليات وبرامج تلفزيونية في ذكرى سيد درويش، بل يمتد إلى التحرك الفعلي لحماية هذا التراث العريق.
وأكد مصطفى حمدي حديثه بالإشارة إلى أن مصر تمتلك أكثر من 30 لونا غنائيا تراثيا يمتد من مطروح وسيناء إلى الصعيد وحلايب وشلاتين، دون وجود تحرك جاد لتسجيلها في منظمة "اليونسكو" باعتبارها تراثا إنسانيا عالميا، ودعا وزارة الثقافة إلى التخلي عن السلبية وآليات العمل التقليدية، والبدء فورا في حصر هذا التراث وتوثيقه وحمايته بوسائل وآليات عمل جادة.

إيهاب صبري: العديد من ألحان فنان الشعب أعيد تداولها وترديدها في بلدان عربية عدة.. وهذه الوثيقة تؤكد تأثير سيد درويش
وقدم الدكتور إيهاب صبري، أستاذ النقد الموسيقي بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، تحليلا وثائقيا وتاريخيا يوضح جذور الأزمة ومسار انتقال أغاني الموسيقار الراحل سيد درويش خارج القطر المصري، وأوضح أن العديد من ألحان فنان الشعب أعيد تداولها وترديدها في بلدان عربية عدة بعد أن استمع إليها مطربون زاروا مصر ورجعوا بها إلى بلادهم، مع إدخال تعديلات على كلماتها مع الاحتفاظ باللحن الأصلي، مشيرا إلى وثيقة تاريخية هامة وردت في كتاب "من أجل أبي سيد درويش" للكاتب حسن درويش، ينقل فيها عن الباحث عبد الرحمن جبقجي في كتابه "الفلكلور العربي والقدود الحلبية" أنه وثق الأغاني المصرية والعراقية التي انتقلت إلى سوريا واستوطنت فيها حتى أصبحت تغنى في الأفراح والسهرات بعد اكتسابها ما يشبه "حق الجنسية" والمواطنة الفنية بين أبناء الوطن العربي الواحد.
وأشار إيهاب صبرى إلى مفهوم "القدود الحلبية" باعتبارها أغنيات قديمة يحذف نصها الأصلي ويركب عليها شعر أو زجل جديد يقد بالقياس نفسه والوزن الموسيقي للحن الأصلي، مؤكدا أن ثبات اللحن وقوته يجعله أطول عمر من الكلمات، وهو ما يفسر سماع اللحن ذاته في أقطار عربية مختلفة بكلمات وأساليب أداء متنوعة تناسب مطربي كل بلد، وأضاف أن هذه الألحان اكتسبت الطابع الشامي بفعل الانتشار، واستشهد بتسجيلات المطرب الفلسطيني يوسف رضوان في إذاعة بغداد أوائل خماسينات القرن العشرين لأغنيات سيد درويش مثل "يا طير طيري"، و"طلعت يا محلا نورها"، و"زوروني كل سنة مرة"، حيث شاعت هذه الألحان دون إحساس بغربتها، بل وتأثر بها مؤلفون شاميون ونظموا على ألحانها أغنيات بلهجتهم المحلية، كما ظهر صداها أيضًا في محافظات مصر كدمنهور التي كتب فيها الطالب عباس حلمي التميمي زجل على النمط نفسه.
وعلى مستوى التوثيق الصوتي والشهادات التاريخية، كشف أستاذ النقد الموسيقي عن لقاء تلفزيوني مسجل للمطرب حامد مرسي يعد وثيقة معتمدة ورسمية، حيث أقر فيه بأنه التقى بالشيخ سيد درويش عام 1917 واستلم منه لحن أغنية "زوروني كل سنة مرة"، وحفظه من المرة الأولى وسط إعجاب درويش، ليصر حامد مرسي على تقديمها للجمهور في الليلة نفسها التي تلقى فيها اللحن، مما يؤكد أسبقية وأصل هذا الإبداع المصري الخالص وتوثيقه منذ عام 1917.
واختتم الدكتور إيهاب صبري حديثه بالمطالبة بضرورة الالتزام بالأمانة العلمية والفنية، مشددا على أن الأصول والمصادر تقتضي رد الفضل لأهله وتدوين اسم المبدع الأصلي سيد درويش عند إعادة إحياء هذه الألحان أو استخدامها، مؤكدا أن اللحن ينتمي أصالة للوجدان والتراث الموسيقي المصري، وأن انتقاله وتداوله في بلدان الشام أو غيرها عبر التاريخ لا يسقط ملكيته الفكرية ولا يجرده من هويته المصرية الأصلية، حتى وإن أعيدد صياغة كلماته أو قدم بتوزيعات جديدة.

