رئيس التحرير
عصام كامل

80 دقيقة في "فينيسيا" أشعلت إسرائيل.. "NAZA" يجسد جرائم الاحتلال.. وهذه قصة تعرض مخرجي الفيلم للتهديدات ووصفهم بـ"الخونة"

صناع فيلم نازا
صناع فيلم نازا
18 حجم الخط

25 دقيقة من التصفيق الحار عقب العرض العالمي الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي لم تكن كافية للاحتفاء بـ الفيلم الوثائقي «نازا» (NAZA)، الذي أثار جدلًا واسعًا منذ ظهوره الأول، قبل أن تقرر إدارة المهرجان إدراجه في المسابقة الرسمية خلال اللحظات الأخيرة، وسط أجواء سياسية مشحونة.

ولم يتوقف الأمر عند المشاركة في المنافسة، إذ حصد الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الـ83 من المهرجان، ليطرح سؤالًا لافتًا: لماذا تحول «نازا» إلى واحد من أكثر أفلام فينيسيا 2026 إثارة للجدل؟

«نازا».. فيلم إسرائيلي يفتح ملف غزة

المفارقة الأبرز في «نازا» أن الفيلم من صناعة إسرائيلية، إذ تولى يوفال أبراهام وراشيل زور إخراجه، فيما جاء إنتاجه وتمويله من مصادر يهودية، لكنه في المقابل يقدم تحقيقًا يوثق جانبًا من الانتهاكات والجرائم الإنسانية المرتبطة بالحرب على قطاع غزة.

وعلى مدار 80 دقيقة، يستند الفيلم إلى تحقيق استمر نحو ثلاث سنوات، ويعتمد بصورة أساسية على شهادات أشخاص عملوا داخل المؤسستين العسكرية والاستخباراتية في إسرائيل، لتقديم رواية من الداخل حول آليات اتخاذ القرار واستهداف الفلسطينيين في قطاع غزة.

لماذا «نازا»؟

شارك في الفيلم 24 عسكريًا ومسؤولًا استخباراتيًا إسرائيليًا، تحدثوا عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة في تحديد أهداف القصف، ومن بينها نظام يُشار إليه باسم «Lavender»، وفقًا للشهادات التي يقدمها الفيلم.

وظهر المشاركون كمصادر مجهلة الهوية، بينما جرى تصوير المقابلات ليلًا فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب، في معالجة بصرية تعكس حساسية الشهادات التي يقدمونها وخطورة المعلومات التي يكشفون عنها.

حتى اسم الفيلم يحمل دلالة استخباراتية؛ إذ يشير «NAZA»، بحسب صناع العمل، إلى مصطلح يستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين الذين تتوقع المنظومة الاستخباراتية مقتلهم خلال غارة جوية واحدة.

الفيلم لا يقدم الجرائم باعتبارها أخطاء فردية

من أبرز النقاط التي منحَت «نازا» ثقله الوثائقي والسياسي، شهادات المصادر الإسرائيلية التي تكشف، وفق ما يقدمه الفيلم، عن مدى اتساع دائرة الخسائر البشرية التي يمكن قبولها عند استهداف شخص واحد.

وفي إحدى الشهادات، يتحدث أحد المشاركين عن حالة وصلت فيها الموافقة إلى قتل مئات المدنيين مقابل استهداف شخص واحد من حركة حماس، وهي شهادة تمنح الفيلم واحدة من أكثر لحظاته صدمة وإثارة للجدل.

ولا يقدم المخرجان ما يحدث باعتباره مجرد أخطاء فردية ارتكبها بعض الجنود أو المسؤولين، وإنما يحاولان رسم صورة لمنظومة متكاملة وآلية عمل متسلسلة، يتوزع فيها اتخاذ القرار بين جهات متعددة، بما يفصل كل طرف تدريجيًا عن النتيجة النهائية للضربة.

تل أبيب في مواجهة غزة

فنيًا وبصريًا، اعتمد المخرجان على مفارقة لافتة في بناء الفيلم؛ إذ جرى تصوير معظم المقابلات في تل أبيب ليلًا، وسط أجواء هادئة وحياة تبدو طبيعية، بالتوازي مع مشاهد الحرب والقصف والدمار في قطاع غزة.

هذا التناقض البصري بين مدن تعيش تفاصيل الحياة اليومية وأخرى تواجه القصف المستمر، يتحول داخل الفيلم إلى أداة سردية تكشف الفارق بين من يعيش الحرب ومن يراقبها من بعيد، وتضع المشاهد أمام صورتين متجاورتين للحياة والموت.

وبذلك لا يعتمد «نازا» على الشهادات وحدها، وإنما يوظف المكان والإضاءة والصورة في بناء مفارقة مستمرة بين هدوء الحياة في إسرائيل وما يقدمه الفيلم من مشاهد للدمار في غزة.

«نازا».. جائزة واشتباك سياسي

بعد فوز «نازا» بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا 2026، تصاعد الجدل السياسي حول الفيلم.

ورفض جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفق ما أورده صناع العمل، الاتهامات الواردة فيه، مؤكدًا أن قرارات اختيار وتنفيذ الضربات الجوية يتخذها أفراد بشريون، وليس الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة.

ولم تتوقف تداعيات الفيلم عند حدود النقد العسكري، إذ تصاعدت الأزمة سياسيًا مع دعوة وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار إلى سحب الجنسية من مخرجي الفيلم باعتبارهم يهود خونة.

وهكذا تجاوز «نازا» حدود العمل الوثائقي التقليدي، ليتحول إلى مادة سياسية وفنية شديدة الحساسية، خصوصًا أنه يقدم شهادات من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها حول آليات الحرب واستهداف الأهداف في غزة، وهو ما جعله أحد أكثر أفلام مهرجان فينيسيا 2026 إثارة للنقاش والجدل.

الجريدة الرسمية