رئيس التحرير
عصام كامل

25 ألف مرشد في الثمانينيات.. أين ذهبوا؟

الإرشاد الزراعي يحتضر.. من يجيب على أسئلة الفلاح؟.. الوزارة تكشف مفاجأة صادمة وخطة عاجلة للحل

الفلاح المصري
الفلاح المصري
18 حجم الخط

من يجيب عن أسئلة الفلاح عندما تظهر آفة جديدة في محصوله؟ ومن يحدد له الصنف الأفضل للزراعة؟ ومن يوجهه إلى المساحة المناسبة للمحصول وفقا لاحتياجات السوق حتى لا تتكرر أزمات انهيار الأسعار؟ 

أسئلة تفتح واحدا من أكثر الملفات ارتباطا بحياة المزارعين ومستقبل الزراعة المصرية، وهو ملف الإرشاد الزراعي، في ظل حديث متخصصين ومسؤولين سابقين ومصادر من داخل وزارة الزراعة عن تراجع أعداد المرشدين بسبب توقف التعيينات، وضعف دور الجمعيات الزراعية ومراكز الإرشاد، وما ترتب على ذلك من فجوة بين البحث العلمي والمزارع في القرية.

25 ألف مرشد في الثمانينيات.. أين ذهبوا؟

تكشف تصريحات حصلت عليها «فيتو» عن فارق كبير في أعداد المرشدين الزراعيين بين الماضي والحاضر؛ ففي فترة الثمانينيات كان هناك نحو 25 ألف مرشد يشرفون على نحو 6700 قرية على مستوى الجمهورية.

أما في الوقت الحالي، فتشير مصادر من داخل وزارة الزراعة إلى أن أعداد المرشدين الزراعيين قليلة تكاد تعد على أصابع اليد بينما كان العدد في 2017 أقل من 1000 مرشد غالبيتهم وصل سن المعاش.

وبحسب المصدر، كان هناك خلال عام 2017  نحو 4370 قرية لا يصل إليها دور المرشد الزراعي بصورة فعلية، وهو ما يعكس حجم الفجوة التي تواجه منظومة الإرشاد داخل القرى الزراعية.

متحدث الزراعة يكشف خطة عاجلة لسد عجز المرشدين الزراعيين بالجمعيات

وكشف الدكتور خالد جاد، المتحدث باسم وزارة الزراعة، في تصريحات خاصة لـ “فيتو”، عن خطة الوزارة للتعامل مع أزمة النقص الحاد في أعداد العاملين والمرشدين الزراعيين بالجمعيات الزراعية، مؤكدًا أن وزير الزراعة أعلن اليوم عن إجراءات جديدة لمعالجة الأزمة.

وقال خالد جاد إن وزير الزراعة وعد بالتعاون مع الجمعية التعاونية المشتركة بتوفير فرص عمل جديدة لسد العجز في أعداد الموظفين والعاملين بالجمعيات الزراعية، وذلك من خلال المساهمة في تمويل هذه العمالة من ميزانية الجمعية التعاونية المشتركة، على أن يتم تشغيل العاملين بعقود.

أزمة المرشدين الزراعيين

وأوضح المتحدث باسم وزارة الزراعة أن أزمة نقص المرشدين الزراعيين تفاقمت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، خاصة مع خروج أعداد كبيرة من العاملين إلى سن المعاش.

وأضاف أن الوزارة منذ عام 2022 تعاني من نقص شديد في أعداد المرشدين الزراعيين، نتيجة خروج معظم العاملين الذين تم تعيينهم خلال فترة الثمانينيات إلى المعاش، مشيرًا إلى أن معدلات الخروج للمعاش خلال عامي 2024 و2025 زادت من حدة الأزمة.

وأشار إلى أن أعداد المرشدين الزراعيين أصبحت محدودة للغاية، لدرجة أن العدد المتاح حاليًا يكاد يُعد على أصابع اليد الواحدة في بعض المواقع، وهو ما يمثل تحديًا أمام وصول التوصيات الفنية والإرشادية إلى المزارعين.

البحوث الزراعية تدخل لسد العجز

وأكد خالد جاد أن الوزارة تعمل على تعويض النقص في أعداد المرشدين الزراعيين من خلال الاستعانة بالباحثين في مركز البحوث الزراعية، للاستفادة من خبراتهم العلمية في تقديم الخدمات والتوصيات الإرشادية للمزارعين.

وأوضح أن التعاون مع مركز البحوث الزراعية يستهدف توفير عدد من الباحثين للعمل في مجال الإرشاد الزراعي، بما يساعد على سد جزء من العجز القائم، وضمان استمرار تقديم التوصيات الفنية للمزارعين في مختلف المناطق.

الجمعيات الزراعية فقدت كوادرها الفنية

ويرى الدكتور شعبان سالم، أستاذ الاقتصاد الزراعي ورئيس قطاع الشؤون الاقتصادية السابق بوزارة الزراعة، أن الجمعيات الزراعية في القرى تعاني نقصًا شديدًا في الكوادر الفنية القادرة على تقديم الخدمة الإرشادية للمزارعين.

وقال سالم إن منظومة الإرشاد الزراعي خلال فترة الثمانينيات كانت أكثر كفاءة، وأسهمت في تحقيق طفرة حقيقية في الإنتاج الزراعي، معتبرًا أن تراجع الكوادر الفنية داخل الجمعيات أضعف قدرتها على التواصل مع الفلاح وتقديم الدعم الفني له.

وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الموظفين، وإنما بطبيعة الكوادر الموجودة وقدرتها على تقديم خدمة إرشادية حقيقية تتناسب مع احتياجات المزارع والتطورات التي يشهدها القطاع الزراعي.

الإرشاد الزراعي.. حلقة مفقودة بين البحث والفلاح

من جانبه، أكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن الإرشاد الزراعي فقد جزءًا كبيرًا من دوره الحقيقي، مشيرًا إلى أن المزارع يحتاج إلى توصيات واضحة ومباشرة بشأن الأصناف ومواعيد الزراعة ومكافحة الآفات وإدارة المساحات.

وضرب نور الدين مثالًا بدودة الحشد التي تمثل أحد التحديات أمام زراعات الذرة، موضحًا أنه لم تصل إلى المزارعين بالشكل الكافي توصيات واضحة بشأن أصناف الذرة الأكثر مقاومة للآفة أو كيفية الحد من انتشارها.

وأكد أن دور الإرشاد الزراعي لا يجب أن يقتصر على مكافحة الآفات والأمراض، وإنما يمتد إلى توجيه المزارعين بشأن المساحات المناسبة للمحاصيل المختلفة، بما يتوافق مع احتياجات السوق ويحافظ في الوقت نفسه على الموارد المائية.

غياب «المايسترو» وراء أزمات أسعار المحاصيل

ويرى نور الدين أن القطاع الزراعي يحتاج إلى جهة تقوم بدور «المايسترو» الذي ينظم حركة الزراعة وفقًا لاحتياجات السوق، حتى لا يؤدي ارتفاع أسعار محصول في موسم إلى اندفاع أعداد كبيرة من المزارعين لزراعته في الموسم التالي، ثم تحدث وفرة تؤدي إلى انهيار الأسعار.

وأوضح أن ما حدث في محصول الفراولة يمثل نموذجًا على هذه المشكلة، بعدما أدى ارتفاع أسعارها وزيادة صادراتها خلال العام الماضي إلى توسع أعداد كبيرة من المزارعين في زراعتها، ووصل الأمر إلى ارتفاع إيجارات الأراضي الزراعية في محافظة البحيرة إلى نحو 50 ألف جنيه للفدان.

وأضاف أن الصورة انعكست خلال الموسم الحالي مع تراجع أسعار الفراولة في الحقل إلى نحو 10 جنيهات، وهو ما تسبب في خسائر ومديونيات كبيرة للمزارعين، بحسب ما ذكره.

البصل والبطاطس.. السيناريو يتكرر

وأشار أستاذ الزراعة والموارد المائية إلى أن السيناريو نفسه تكرر في البصل والبطاطس، حيث دفعت الأسعار المرتفعة في مواسم سابقة المزارعين إلى زيادة المساحات المزروعة.

وأوضح أن عودة الإنتاج الهندي إلى الأسواق، وفقًا لتقديره، ساهمت في زيادة الضغوط على الأسعار، التي تراجعت في بعض الفترات إلى نحو 3 جنيهات للكيلوجرام في أرض المزرعة، ليتحمل المزارع الجزء الأكبر من الخسائر.

وأكد أن وجود منظومة إرشاد فعالة لا يعني فقط تقديم النصيحة الفنية للمزارع، وإنما يجب أن تكون هناك منظومة معلومات متكاملة تساعد على معرفة احتياجات السوق قبل اتخاذ قرار التوسع في زراعة محصول معين.

300 مركز إرشاد كانت عين الوزارة في القرى

ويرى المهندس محمود عطا، رئيس الإدارة المركزية السابق للبساتين والمحاصيل الزراعية بوزارة الزراعة، أن ملف الزراعة في مصر أصبح «خطيرًا جدًا وشائكًا»، مشيرًا إلى أن وزارة الزراعة كانت تمتلك في السابق أدوات قوية لإدارة القطاع ومتابعة الفلاحين، إلا أن فاعلية هذه الأدوات تراجعت تدريجيًا.

وأوضح عطا أن الوزارة أنشأت خلال تسعينيات القرن الماضي ما يقرب من 300 مركز للإرشاد الزراعي، وكان المركز يخدم نحو 7 قرى على الأقل، ويضم متخصصين في المحاصيل الحقلية والبستانية والإنتاج الحيواني والتنمية الريفية.

وأشار إلى أن هذه المراكز لم تكن مجرد مبانٍ إدارية، وإنما كانت تضم قاعات للاجتماعات والمحاضرات وحقولًا ونماذج إرشادية لتدريب الفلاحين عمليًا.

كيف كانت تعمل مراكز الإرشاد؟

وأضاف أن مراكز الإرشاد الزراعي كانت ترصد المساحات المنزرعة وأنواع المحاصيل والمشكلات التي تواجه المزارعين، وترفع تقارير دورية إلى الوزارة، بما يساعد في تكوين صورة واقعية عن الوضع الزراعي داخل القرى.

وأكد أن منظومة الإرشاد كانت تمثل حلقة الوصل بين مراكز البحوث الزراعية والفلاح، إذ تنتقل التوصيات العلمية من الباحثين إلى المزارعين بصورة عملية، بما يساهم في رفع الإنتاجية وتحسين أساليب الزراعة. 

مراكز الإرشاد الزراعي.. مبانٍ بلا دور؟

وقال عطا إن وضع العديد من مراكز الإرشاد تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أنها فقدت جانبًا من قدرتها على أداء الدور الذي أنشئت من أجله. 

وأوضح أن بعض المراكز تعاني نقصًا في الجهاز الوظيفي، فضلًا عن مشكلات في خدمات الإنترنت والاتصالات، وتهالك بعض الأجهزة السمعية والبصرية، ما أدى ـ بحسب وصفه ـ إلى تحول بعض هذه المراكز إلى مبانٍ لا تؤدي دورها الإرشادي بالشكل المطلوب. 

الفلاح بين نقص الإرشاد وتقلبات السوق

وواصل، لا تتوقف أزمة الإرشاد الزراعي عند غياب النصيحة الفنية فقط، وإنما تمتد إلى قدرة الدولة على توجيه القرار الزراعي نفسه. 

وتابع، فالمزارع يحتاج إلى معرفة الصنف المناسب، واحتياجات المحصول من المياه والأسمدة، ومواعيد الزراعة والحصاد، وطرق التعامل مع الآفات، لكنه يحتاج أيضًا إلى معلومات عن السوق والمساحات المزروعة والطلب المتوقع على المحصول. 

وأكد، في ظل غياب هذه المعلومات أو وصولها بصورة غير كافية، قد يتخذ آلاف المزارعين القرار نفسه في الوقت ذاته، مدفوعين بارتفاع سعر محصول في موسم سابق، وهو ما قد يؤدي لاحقًا إلى زيادة المعروض وانخفاض الأسعار وتحول الأرباح المتوقعة إلى خسائر.

شعبان سالم: الفلاح تم تهميشه

ويذهب الدكتور شعبان سالم إلى أن أزمة الإرشاد تأتي في إطار أوسع يتعلق بوضع الفلاح داخل منظومة الزراعة المصرية، معتبرًا أن القطاع الزراعي لم يشهد، من وجهة نظره، تقدمًا حقيقيًا منذ ثورة 30 يونيو.

وقال إن الفلاح تعرض للتهميش، وإن التركيز على المستثمرين والكيانات الزراعية الكبرى على حساب صغار المزارعين لا يمكن أن يحقق وحده مستهدفات الأمن الغذائي.

وشدد على أن الفلاح يظل العنصر الأساسي في عملية إنتاج الغذاء، وأن أي استراتيجية للأمن الغذائي لا بد أن تضع المزارع في قلب عملية التخطيط وصنع القرار.

السؤال الأصعب.. من يجيب عن أسئلة الفلاح؟

وتابع: أزمة الإرشاد الزراعي في النهاية ليست مجرد أزمة أعداد موظفين، وإنما أزمة منظومة كاملة تبدأ من البحث العلمي وتنتهي عند الحقل.

وأوضح: كل توصية لا تصل إلى المزارع في الوقت المناسب قد تعني محصولًا أقل إنتاجية، وكل آفة لا يحصل الفلاح على طريقة التعامل معها مبكرًا قد تتحول إلى خسائر، وكل توسع عشوائي في زراعة محصول قد ينتهي بأزمة أسعار.

الجريدة الرسمية