خبر وتحليل
"ذا جارديان" ترصد تداعيات قرار بريطانيا بحظر استيراد السلع من المستوطنات الصهيونية بالضفة، ما القصة؟
على مدى ما يقرب من نصف قرن، دأبت الحكومات البريطانية على إدانة المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، مؤكدة أنها تشكل عقبة أمام السلام وتهدد آفاق حل الدولتين. ومع ذلك، لم تقدم أي حكومة قط على إجبار إسرائيل على وقف توسعها الاستيطاني.
وبحسب جريدة "ذا جارديان" البريطانية، جاء بيان وزير الخارجية البريطاني اليهودي إد ميليباند في مجلس العموم، أمس الثلاثاء، محاولة لتغيير هذا الواقع من خلال خطاب قوي ومفعم بالمشاعر، استعرض خلاله ذكريات طفولته حين كان يقطف البرتقال في "الكيبوتس" الخاص بجدته، واتهم إرهابيين إسرائيليين بممارسة التطهير العرقي في الضفة الغربية، كما أعلن عن سلسلة من الإجراءات الجديدة الرامية إلى معالجة ما وصفه بـ"التناقض المؤلم للغاية" بين الخطاب والواقع.
هل سيحدث ذلك فرقا بالنسبة للفلسطينيين؟
تقول جريدة "ذا جارديان": لقد كان هذا أقوى بيان يصدر عن الحكومة البريطانية بشأن الممارسات الإسرائيلية على الإطلاق. ولكن، هل سيحدث ذلك فرقا بالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون تحت وطأة تهديد دائم بالعنف؟
وتحاول الجريدة الإجابة عن هذا السؤال، مشيرة إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة (بما في ذلك القدس الشرقية) ارتفع من 270 ألفا عام 1993 –أثناء توقيع اتفاقيات أوسلو- إلى نحو 770 ألفا في الوقت الراهن.
وتضيف: على الرغم من أن الاستيطان يصوّر غالبا على أنه مشروع لمتطرفين عنيفين يحظون بدعم وزراء من اليمين المتطرف، إلا أن مساعي الضم الإسرائيلية تحظى بدعم راسخ وممتد عبر مختلف التيارات السياسية. وكما كتبت كبيرة مراسلي الشؤون الدولية ومنسقة الشؤون الخارجية في صحيفتي "ذا جارديان" و"ذي أوبزرفر" البريطانيتين إيما جراهام-هاريسون في يناير 2026، فإن هذه الفكرة "ظلت حاضرة في المخيلة السياسية الإسرائيلية"؛ ورغم إدانة الساسة الإسرائيليين لعنف المستوطنين، فإن ما يقرب من نصف الإسرائيليين يعتقدون أن المستوطنات تعزز أمن إسرائيل.
لماذا يتعمد نتنياهو تقسيم الضفة الغربية؟
وفي شهر أغسطس الماضي، فتحت حكومة بنيامين نتنياهو باب تقديم العطاءات لأعمال البناء في مشروع "إي 1"، وهو مشروع استيطاني ضخم يضم 1200 وحدة سكنية من شأنه أن يشق طريقه عبر قلب الضفة الغربية ليقسمها إلى نصفين، ما يقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين. ومن المقرر إغلاق باب تقديم العطاءات النهائية لهذه العقود قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية الشهر المقبل، وهو توقيت مدروس استراتيجيً؛ إذ يقول الكاتب البريطاني باتريك وينتور: يحاول نتنياهو تحويل مشروع "إي 1" إلى قضية انتخابية.
وسبق أن أدانت بريطانيا هذا المخطط الاستيطاني، فيما أيدت وزيرة الخارجية البريطانية السابقة إيفيت كوبر ونائب رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد لامي فرض عقوبات دولية على مستوطنين أفراد، لكن أيا منهما لم يذهب إلى المدى الذي وصل إليه ميليباند، بحسب "ذا جارديان".
ويقول وينتور: "إنه وزير خارجية أكثر حزما؛ فلا يمكنك الاكتفاء بالتنديد بالأمر ووصفه بأنه عمل شنيع بين الحين والآخر، ثم تتجاهله تماما لمدة شهرين".
هل تسعى الحكومة البريطانية لاستقطاب اليسار؟
يعكس موقف ميليباند حسب الجريدة- رغبة حزب العمال في استعادة الناخبين المحسوبين على اليسار. فقد ركزت التحليلات التي تلت النتائج الكارثية للحزب في الانتخابات المحلية التي جرت في مايو على التهديد الذي يشكله حزب "إصلاح المملكة المتحدة"، إلا أن حزب الخضر كان يشكل تهديدا أكبر للأصوات التي يحصل عليها حزب العمال.
وقد أقر ميليباند أمس بأن "حزب العمال لم يفعل ما يكفي إزاء ما يحدث"، وأعلن عن هذه العقوبات قبيل انتخابات فرعية حاسمة في دائرة "هولبورن وسانت بانكراس"، حيث سينافس زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر، على المقعد الذي كان يشغله سابقا كير ستارمر، وفق "ذا جارديان".
ما الذي تعنيه تصريحات ميليباند؟
مثل خطاب ميليباند تحولا جوهريا -من حيث النبرة والمضمون- دون أن يؤدي ذلك إلى خلاف مع الإسرائيليين الذين تربطهم بالمملكة المتحدة "روابط راسخة لا تتزعزع"، بحسب الجريدة.
وأضافت "ذا جارديان": تصريحات ميليباند تركزت على انتقاد سلوك الحكومة الإسرائيلية واحتلالها غير القانوني لفلسطين وممارسات "المستوطنين الإرهابيين".
وتمثلت الخطوة الأولى التي أعلن عنها في حظر استيراد البضائع القادمة من المستوطنات غير القانونية، وهو إجراء طال انتظاره. وتكمن أهمية هذا القرار -فضلا عن أن هذه المستوطنات تنتهك القانون الدولي- في كونه يمثل خطوة ملموسة، وإن كان من المرجح أن يكون أثره الاقتصادي محدودا؛ إذ يعد اقتصاد المستوطنات صغيرا نسبيا، كما أن منتجاتها مستثناة بالفعل من اتفاقية التجارة الحرة المبرمة عام 1995 بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والتي تقضي بخفض الرسوم الجمركية على الواردات الإسرائيلية إلى أوروبا.
وعلاوة على ذلك، فإن هذا الاقتصاد يستمر في البقاء بفضل الدعم المالي السخي الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية. وفي هذا السياق، دأب المصدرون الإسرائيليون إلى أوروبا على إخفاء منشأ المنتجات المزروعة في المستوطنات، وهي مسألة يمكن معالجتها من خلال "نظام العقوبات الشامل" الذي يعكف ميليباند على إعداده بالتعاون مع وزير الأعمال، وفق "ذا جارديان".
ما هي التداعيات الاقتصادية للقرار؟
وتقول الجريدة البريطانية: عارض وزراء من اليمين المتطرف -مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير- عقوبات ميليباند بشدة (حتى أن بن غفير أصدر بيانًا باللغة الإسبانية يوم الاثنين دعا فيه إلى فرض عقوبات على بريطانيا بسبب "احتلالها" لجزر فوكلاند). ويعود جزء من هذا الموقف إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي يرتبط بأوروبا ارتباطا وثيقا يفوق ارتباطه بالولايات المتحدة، فضلا عن خشية هؤلاء الوزراء من حدوث تأثير "الدومينو"، خاصة وأن المملكة المتحدة عضو دائم في مجلس الأمن.
وتقول جراهام-هاريسون: قد يتمثل أحد أكثر التغييرات جوهرية في تعهد ميليباند باتخاذ إجراءات ضد الشركات والأفراد الذين يمولون المستوطنات غير القانونية أو "يسهلون" إقامتها. وبموجب هذه التغييرات، ستفرض عقوبات على البنوك والشركات الأخرى التي تقدم خدمات للمستوطنات الإسرائيلية. ومن الناحية النظرية، قد يجبر هذا الأمر المؤسسات المالية الرئيسية في إسرائيل على الاختيار بين تمويل المستوطنات أو ممارسة الأعمال التجارية مع المملكة المتحدة.




