رئيس التحرير
عصام كامل

الجرعة المحرمة! متبقيات المضادات الحيوية تحول اللحوم والدواجن والألبان إلى "سم قاتل".. سرطان وعقم وخلل هرموني وفشل وظائف الكلى والكبد أمراض محتملة

وزير الزراعة
وزير الزراعة
18 حجم الخط

هل يمكن أن تتحول الجرعة التي أنقذت حياة الحيوان إلى خطر يهدد حياة الإنسان؟ وهل يصبح ما نضعه على مائدتنا حاملا لمتَبقيات لا نراها بالعين، لكنها قد تترك آثارا داخل أجسامنا؟ ماذا يحدث عندما تتراكم المضادات الحيوية والمنشطات في اللحوم والدواجن والألبان؟ وهل الخطر مجرد بكتيريا تقاوم العلاج، أم أن الدائرة قد تمتد إلى الكبد والكلى والهرمونات والخصوبة والسلوك، بل وتحمل معها مخاطر السرطان؟

من هذه الأسئلة فتحنا في «فيتو» ملف متبقيات الأدوية في المنتجات الحيوانية، وسألنا عددا من الخبراء والمتخصصين عن الخطر الذي قد ينتقل من الحيوان إلى الإنسان عبر الغذاء. وكانت الإجابات تكشف وجها أكثر خطورة للمشكلة: استخدام عشوائي، وفترات سحب لا يتم الالتزام بها، وبكتيريا تتعلم مقاومة العلاج، ومواد قد تتراكم في أجسامنا دون أن نعرف ما الذي تحمله الوجبة التي أمامنا.

قال الدكتور هاني حسن، أستاذ المناعة وعميد معهد بحوث التناسليات الحيوانية الأسبق بمركز البحوث الزراعية، إن المضادات الحيوية لها أنواع وأشكال متعددة، مشيرا إلى أن مشكلة مقاومتها في الحيوانات قد تنتج عن طبيب بيطري لا يفهم طبيعة الدواء فيعطي جرعة غير منضبطة أو غير صحيحة، أو عن فلاح أو مربي يحاول تقليد الطبيب البيطري ويعطي الحيوان المريض جرعة غير صحيحة.

وأوضح أن المشكلة في الحالتين تتمثل في عدم الاعتماد على التحاليل التي تحدد المضاد الحيوي اللازم، مشددا على أن اختيار المضاد الحيوي يجب أن يتم بناء على تحاليل واختبارات تسمى اختبارات حساسية الميكروب للمضاد الحيوي، وليس بصورة عشوائية.

 

الحركة الدوائية تحدد طريقة استخدام المضاد الحيوي
وأكد حسن ضرورة معرفة الحركة الدوائية للمضاد الحيوي داخل جسم الحيوان، موضحا أن هناك مضادات حيوية تخرج في البول عن طريق الكلى، ولذلك تستخدم بشكل أساسي في حالات التهابات المسالك البولية.

وأضاف أن هناك مضادات حيوية تخرج في اللبن، ولذلك تستخدم في علاج التهابات الضرع، بينما توجد أمراض تحتاج إلى استخدام المضاد الحيوي بطريقة موضعية، وبالتالي لا يصح إعطاؤها عن طريق الحقن للجسم كله، وإنما تستخدم في موضع الإصابة، موضحا أن ذلك ينطبق على التهابات الرحم والتهابات العين، بحيث يكون الهدف العلاجي في نقطة محددة، سواء الجلد أو الرحم أو الضرع أو العين أو الحافر.

 

الجرعة الخاطئة قد تسبب التسمم وصدمة الحساسية
وأشار إلى أن المضاد الحيوي قد لا يعمل في البيئة اللازمة له، موضحا أن هناك مضادات حيوية لا يمكن استخدامها في وجود صديد كثير، لأن الصديد يعيق عمل المضاد الحيوي، وبالتالي لابد من التنظيف أولا.
وأكد أنه إذا لم يعط المربي أو الطبيب البيطري الجرعة المناسبة أو المطلوبة، فإن المضاد الحيوي قد ينتج عنه آثار سمية وأعراض تسمم، مشيرا إلى أن المضاد الحيوي في حد ذاته مادة كيميائية، وبالتالي يمكن أن يحدث تسمم يؤثر بشكل أساسي على وظائف الكلى والكبد.
ولفت إلى أن مجموعات المضادات الحيوية من «الكينولونز» تحتاج إلى احتياطات خاصة، موضحا أن الحيوان الذي يحصل عليها يجب أن يبقى في الظل بعيدا عن الشمس لمنع إصابته بالحساسية.
وشدد على أن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم إجراء الاختبارات اللازمة قبل إعطاء الحيوان المضاد الحيوي، مشيرا إلى أن بعض المضادات الحيوية يمكن أن ينتج عنها رد فعل تحسسي، ومن أشهرها البنسلين، الذي قد يسبب ما يسمى صدمة الحساسية أو الحساسية المفرطة.
وأوضح أن صدمة الحساسية قد تؤدي إلى هبوط حاد في الدورة الدموية للحيوان، وقد تتسبب في نفوقه.

 

الاستخدام المفرط يصنع سلالات مقاومة
وحذر من الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية في الحيوانات دون إجراء الاختبارات اللازمة أو وجود الوعي الكافي، مشيرا إلى أن الإصابة قد تكون فيروسية في الأساس، بينما يتم إعطاء الحيوان مضادا حيويا.
وأوضح أن المضاد الحيوي لا يؤثر على الالتهابات الفيروسية، لكنه قد يؤثر على البكتيريا الثانوية المصاحبة للالتهاب الفيروسي، منوها إلى مع كثرة تعاطي المضادات الحيوية، قد تتأقلم البكتيريا وتتعامل مع المضاد الحيوي وكأنه غير موجود، وبالتالي تتكاثر وتنتج عنها سلالات مقاومة للمضادات الحيوية.
وأشار إلى أن هذا الأمر يظهر بشكل أساسي في مرض «السل»، حيث أصبحت هناك سلالات كثيرة جدا مقاومة للمضادات الحيوية، واصفا ذلك بأنه «مصيبة سودة»، لأنه في هذه الحالة لا تبقى فرصة كافية لشفاء الحيوان أو المريض.

 

الدواجن.. استخدام مفرط ومتَبقيات في الكبد والدهون
وأكد أن الاستخدام العشوائي والمفرط للمضادات الحيوية يظهر بشكل خاص في الدواجن، موضحا أنه عمل في مجال الدواجن لأكثر من 40 عاما، ولم ير مربي دواجن وضع هرمونات للدواجن، لكنه رأى استخدام المضادات الحيوية بإفراط في الدواجن.
وأوضح أن هذه المضادات الحيوية تختزن في الكبد والدهون الموجودة تحت الجلد والدهون الحشوية داخل جسم الدجاجة، مشيرا إلى أن الحيوان المعالج تكون له فترة تسمى فترة الانسحاب الدوائي أو فترة التخلص من متبقيات المضادات الحيوية، موضحا أن هذه الفترة تختلف من مضاد حيوي إلى آخر.
وأكد أنه إذا تم تناول الدجاجة أو الحيوان قبل مرور فترة الانسحاب الدوائي، وهي الفترة اللازمة لتخلص الجسم من المضاد الحيوي أو الدواء، فإن المضاد الحيوي يدخل جسم الإنسان بأقل من الجرعة العلاجية
وأوضح أن البكتيريا في جسم الإنسان قد تتعرض لهذه الكميات من المضادات الحيوية دون أن تتأثر بها بالشكل المطلوب، وهو ما يؤدي إلى ظهور بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، مضيفا أن هذه البكتيريا قد تؤدي إلى الإصابة بالنزلات المعوية أو النزلات الرئوية، وهي حالات تحدث كثيرا لدى الأطفال.
وأشار إلى أن هناك اتجاها حاليا لإنتاج دواجن خالية من المسببات المرضية بغرض التصدير، مؤكدا أن هناك أماكن تقوم بتربية الدواجن وفقا لمعايير تصديرية ولا توجد بها هذه المشكلات.

«النيتروفوران» ومتبقيات المضادات الحيوية
وأوضح أن «النيتروفوران» يستخدم كثيرا في علاج الحيوانات والدواجن، وخصوصا التهابات المسالك البولية، محذرا من انتقال متبقياته إلى جسم الإنسان.
وأشار إلى أن بعض هذه المواد قد يولد السرطانات، موضحا أن الاستجابة قد تختلف من شخص إلى آخر، فبعض الأشخاص قد يصابون بالسرطان نتيجة تراكم المضادات الحيوية، بينما لا يصاب آخرون، وهو ما وصفه بأنه رد فعل فردي.
وأكد أن تراكم متبقيات المضادات الحيوية في الجسم يمكن أن يؤدي إلى مشكلات وأضرار أساسية في الكبد والكلى.

 

الألبان.. المتبقيات تهدد الصناعة وصحة المستهلك
وأوضح حسن أن الحيوان قد يصاب بالتهاب الضرع أو الالتهاب التنفسي أو التهاب خراج، ويحصل نتيجة ذلك على مضاد حيوي، يأخذ دورته داخل الجسم ثم ينزل في اللبن.

وأكد أن الطبيب البيطري المعالج يجب أن يكون على دراية بمسار المضاد الحيوي داخل جسم الحيوان، وكذلك فترة الانسحاب الدوائي، مشددا على ضرورة الالتزام بها والتخلص من متبقيات المضادات الحيوية، قائلا إن عدم الالتزام بها «مصيبة قد تدمر صحة المصريين كلها».
وأشار إلى أن وجود المضادات الحيوية في الألبان يؤثر أيضا على صناعة منتجات الألبان، لأن هذه الصناعة تقوم على الخمائر وبعض البكتيريا، حيث تستخدم خمائر وبكتيريا معينة لإنتاج أنواع مختلفة من الجبن أو الزبادي.
وأوضح أن وجود المضاد الحيوي يفشل عملية عمل الخمائر أو البكتيريا، وهو ما يؤدي إلى تلف المنتج النهائي، سواء الزبادي أو الجبن أو مختلف منتجات الألبان.
وأضاف أن شركات الألبان لجأت مؤخرا إلى إجراء اختبارات سريعة في مصر للكشف عن متبقيات المضادات الحيوية، إلا أن الاختبارات المستخدمة محدودة، لأنها تكشف عددا قليلا من المضادات الحيوية، بينما توجد مكتبة كبيرة من المضادات الحيوية.
وأكد أن وصول المضاد الحيوي إلى الجبن أو الزبادي يمكن أن يؤدي أيضا إلى ظهور بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، بالإضافة إلى تأثيره على وظائف الكبد والكلى لدى الإنسان.

 

البروسيلا واللبن غير الآمن
وحذر من استخدام لبن حيوان مصاب بمرض البروسيلا في صناعة الجبن القريش، موضحا أن تناول الإنسان لهذا الجبن يمكن أن ينقل إليه العدوى.
وقال إن البروسيلا من أصعب أنواع الإصابات البكتيرية، وتسبب الحمى المتموجة، مشيرا إلى أنها موجودة بشدة بين رعاة الغنم والماعز.
وأوضح أن الحيوان الذي يثبت إيجابيته في اختبار البروسيلا يتم ذبحه على الفور، مؤكدا أهمية التعامل مع الحيوانات المصابة لمنع انتقال المرض.
وأكد أن لبن شركات الألبان غالبا ما يخضع لأقصى أنواع التعقيم والمعالجة الحرارية التي تقتل أي بكتيريا، ولذلك تكون مدة صلاحيته طويلة نتيجة عدم وجود أي نوع من البكتيريا به.
وأوضح أن اللبن يكون سليما من حيث المضادات الحيوية أيضا، ولا يحتوي على بكتيريا أو مضادات حيوية.

فحص المتبقيات ضرورة للمنتجات المعدة للتصدير
وأكد أنه في حالة تصدير اللحوم أو الدواجن أو المنتجات الحيوانية، لابد من الكشف والفحص عن المتبقيات، مشيرا إلى وجود معمل في مصر لفحص المتبقيات من المبيدات والعناصر الثقيلة، بما يسمح بإصدار شهادة صالحة للتصدير حتى لا يتم رفض المنتج.

«المواد البناءة» والمنشطات في الحيوانات
وانتقل حسن إلى الحديث عن المنشطات أو المواد البناءة، موضحا أن المواد نفسها التي تستخدم في صالات الجيم للأشخاص الراغبين في بناء العضلات تستخدم أيضا في الحيوانات، وتسمى «المواد الستيرويدية»، وتشبه في تأثيرها الأندروجين أو التستوستيرون.
وأوضح أن هذه المواد تعمل على بناء العضلات، وأن استخدامها في المنشطات محرم ومجرم، مشيرا إلى أن المعمل الذي كان يعمل به كان يفحص المنشطات في سباقات الخيول، سواء في مصر أو المنطقة العربية، وكان يتم العثور على مثل هذه المواد مستخدمة.
وأضاف أن إحدى هذه المواد تجعل الخيل يمتلك قدرة عضلية كبيرة، كما تعطي العجول سرعة في النمو، وتستخدم في العجول الذكورية، ولها فترة انسحاب دوائي طويلة.

أزمة عجول أستراليا في 2012
وأشار إلى أن مصر شهدت أزمة بشأن عجول مستوردة من أستراليا عام 2012، وتسببت في مشكلة كبيرة في ذلك الوقت، لافتا إلى أن طبيبا في السويس يدعى «لطفي شاور» كان من اكتشف تلك العجول المهرمنة.

وأوضح أنه عند الفحص تم اكتشاف كبسولة أسفل العجل، وبالفحص تبين أنها زرعت لضخ هرمون من المواد البناءة في الجسم، بما يعطي شكل العضلات ويزيد الوزن.

وأكد أن الأمر تسبب في جدل كبير جدا، وتم العثور على مادة «البولدينون»، موضحا أنها مصرح باستخدامها في مصر في العجول الذكور بغرض التسمين، مع مراعاة فترة الانسحاب الدوائي.

وأضاف أن عجول التسمين تأتي حاليا إلى مصر من البرازيل والأورجواي، ولا تستخدم فيها المواد البناءة أو المنشطات، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن دواء «البولدينون» بدأ استخدامه في مصر، وهو مصرح به رغم كونه من المنشطات والمواد البناءة للحيوانات، لافتًا إلى أن استخدامه ليس واسعًا بسبب ارتفاع سعره.

المواد البناءة.. خطر تراكمي على الخصوبة والهرمونات
واستشهد حسن بأزمة لاعبي منتخب تونس وتورطهم في تحليل المنشطات خلال كأس العالم 2026، باعتبارها مثالا على خطورة انتقال هذه المواد من الغذاء إلى الإنسان.
وأوضح أن اللاعبين تناولوا لحوما بها مادة «الكلينبورتيرول» خلال فترة الانسحاب الدوائي، فانتقلت المادة مع اللحوم إلى أجسامهم، وأصبح الأمر وكأنهم تناولوا العقار نفسه، وهو ما ظهر في تحليل المنشطات.
وأضاف أن وجود المادة في التحليل يطرح تساؤلا حول ما إذا كان مستواها علاجيا ويستخدم كمكمل غذائي، أم أن وجودها جاء بمستوى بسيط نتيجة تلوث غذائي.
وأوضح أن المستوى البسيط كان ناتجا عن تلوث غذائي إثر تناول اللاعبين لحوما محلية ملوثة خلال فترة إقامتهم في المكسيك، التي تستخدم تلك المادة هناك بشكل غير قانوني في تسمين المواشي.
وأكد أن المواد البناءة تستخدم في التسمين، كما تستخدم لدى لاعبي كمال الأجسام، محذرا من أنها تعد من أخطر ما يهدد جسم الإنسان، وقد تسبب السرطان، بالإضافة إلى خلل هرموني قد يقضي على صحة الذكور ويؤدي إلى العقم.
وأشار إلى أن الخطورة تكمن أيضا في الأثر التراكمي، موضحا أن الإنسان قد يحصل على جرعة قليلة من الطعام أو اللبن اليوم، ثم يحصل على جرعة أخرى في اليوم التالي.

وضرب مثالا بشخص يشتري 10 كيلو جرامات من اللحوم ويضعها في الثلاجة، وإذا كانت تحتوي على هرمون من المواد البناءة أو المنشطات وبدأ في تناولها، أو كان يشتري من جزء معين يستخدم تلك المواد في العلف الخاص به، فإن هذه المتبقيات يمكن أن تنتقل إليه.
وأكد أن ذلك قد يهدد الخصوبة بشدة ويسبب العقم، ويؤثر على الذكورة والسلوك، وقد يؤدي إلى درجة من العصبية أو التأثير على الاتزان العصبي.
وشدد على أن جسم الإنسان يعمل وفقا لنظام هرموني دقيق جدا، قائلا إن هناك هرمونا يعطي الإنسان شعور السعادة، وهرمونا يعطيه شعور الشبع، وغير ذلك من الوظائف الهرمونية.

استخدام المضادات الحيوية البشرية في علاج أمراض الحيوانات 
قال الدكتور فوزي محمد أحمد أبو دنيا، المدير الأسبق لمعهد بحوث الإنتاج الحيواني، إن مقاومة المضادات الحيوية في الحيوانات تحدث نتيجة تفاعل الميكروبات وتطور جيناتها، موضحًا أن خطورة هذه المقاومة تظهر عند تناول الإنسان ألبان أو لحوم الحيوانات التي تحمل ميكروبات مقاومة للمضادات الحيوية، مشيرًا إلى أن المشكلة تظهر بصورة أكبر عندما يصاب الإنسان بمرض ويتناول مضادًا حيويًا، فلا يكون له أي تأثير على الميكروبات التي انتقلت إليه.
وأكد أن هذا هو مصدر الخوف الرئيسي من الاستخدام غير المنضبط للمضادات الحيوية، لما قد يترتب عليه من ظهور ميكروبات لا تستجيب للعلاجات المعتادة

استخدام المضادات البشرية في علاج الحيوانات
وأشار أبو دنيا إلى أن من الأمور الخطيرة استخدام عدد من الأطباء البيطريين للمضادات الحيوية المخصصة للبشر في علاج الحيوانات.
وأوضح أن الاستخدام المفرط والعشوائي لهذه المضادات في الحيوانات قد يؤدي إلى ظهور مقاومة ضدها، وهو ما يمثل خطورة كبيرة عندما يحتاج الإنسان إلى استخدامها في العلاج، إذ قد تواجه الميكروبات هذه الأدوية بمقاومة تجعلها أقل أو غير فعالة.

«حروب خفية لهدم اقتصاديات الدول».. الجارحي يحذر من مخاطر المضادات الحيوية والألبان مجهولة المصدر
قال الدكتور محمد مصطفى محمد الجارحي، نائب وزير الزراعة الأسبق للشئون البيطرية والثروة الحيوانية، ومدير معهد بحوث التناسليات الأسبق، إن هناك حروبا خفية تستهدف هدم اقتصاديات الدول، محذرا من خطورة الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية وما قد يترتب عليه من مخاطر صحية على الإنسان.

المضادات الحيوية.. خطر على صحة الإنسان
وأكد الجارحي خطورة استخدام المضادات الحيوية بشكل عشوائي، موضحا أنه في حال انتقال متبقيات المضادات الحيوية من الحيوان إلى جسم الإنسان عن طريق اللحوم أو الدواجن أو الألبان، فإنها تشكل خطرا جسيما على صحة الإنسان.
وأوضح أن فترة الأمان أو التخلص من متبقيات المضادات الحيوية داخل الحيوانات من المفترض أن تتراوح بين 5 أيام وأسبوعين، مشيرا إلى أن الطب البيطري يقوم بجهود رقابية مكثفة حيال هذا الأمر نظرا لخطورته البالغة.

وأشار إلى أن تعميم إعطاء الدواجن والأسماك المضادات الحيوية للمساهمة في زيادة أوزانها وتسريع عملية التسمين وزيادة الوزن أمر يصعب تنفيذه، من وجهة نظره، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية والمضادات الحيوية.

«اللبن المؤنبب».. الرقابة تبدأ من خزانات التجميع
وفيما يتعلق بما وصفه بـ«الأنببة» أو «اللبن المؤنبب»، قال الجارحي إن 80% من شركات ومصانع الألبان كانت تعمل على تجميع الألبان من المزارع والفلاحين في تنكات.
وأضاف أنه عندما كان مديرا لمعهد بحوث التناسليات، كانت الشركات ترسل للمعهد عينة من كل تانك أو خزان، موضحا أن كل تانك يمثل على سبيل المثال نحو 20 بقرة.
وأكد أنه في حال كانت عينة واحدة من التانك إيجابية، كان يتم إعدام اللبن بالكامل، مشددا على أن العاملين في هذا المجال كانوا أكثر حرصا على أن يكون اللبن سليما وخاليا من الأمراض أو متبقيات المضادات الحيوية.

70 إلى 80% من إنتاج اللبن تحت الرقابة
وأكد الجارحي أن ما يتراوح بين 70 و80% من إنتاج اللبن في مصر، والذي تصنع منه مختلف منتجات الألبان والألبان المبسترة، يكون تحت إشراف وعيون الاتحاد العام لمنتجي الألبان.
وأوضح أنه يتم إجراء فحص دوري للأبقار واللبن الموجود في التانكات، مشيرا إلى أن هناك أمراضا يمكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان، لكن الخطر يرتبط بالمنتجات القادمة من مصادر غير موثوقة.

اللبن الأخطر.. مصانع «بير السلم» والبيع المباشر
وأشار إلى أن اللبن الأخطر هو المعبأ والمجمع في مصانع «بير السلم» أو الذي يتم الحصول عليه من الأهالي، محذرا من التعامل مع المصادر غير الموثوقة.
ولفت إلى أن هذه المصادر تشمل الرجل الذي يبيع اللبن في الشارع، أو من يتبعون عادات تناول اللبن مباشرة من الحيوان، سواء الجاموس أو الأبقار أو الماعز أو الجمال، مؤكدا أن ذلك قد ينقل أمراضا كثيرة جدا إلى الإنسان.

«البروسيلا».. مرض قد ينتقل من الحيوان إلى الإنسان
وأوضح أن من أهم الأمراض التي يمكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان مرض الإجهاض المعدي «البروسيلا»، مشيرا إلى أنه في حال انتقال المرض إلى الإنسان فإنه يعرضه للإصابة بحمى فايفر والالتهابات.
وأكد أن علاج هذا المرض صعب جدا وتكلفته مرتفعة، وبالتالي يصبح الإنسان المصاب عرضة للموت المحقق بسبب هذه العدوى.
وأضاف أن الميكروب العنقودي الذهبي والسالمونيلا من الأمراض التي يمكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان عن طريق اللحوم أو الألبان.

شراء اللبن المبستر أو غليه
وشدد الجارحي على ضرورة شراء اللبن المبستر، أو غليه قبل تناوله، كما دعا إلى تعلم طريقة البسترة المنزلية، حتى لا تنتقل الأمراض إلى الإنسان.

اللحوم المختومة بختم الحكومة أكثر أمانا
وفيما يتعلق بمتبقيات المضادات الحيوية في اللحوم، أكد الجارحي أن تناولها قد يسبب أضرارا سلبية للإنسان، ولذلك يجب عدم شراء اللحوم من الأشخاص الذين يقفون في الشوارع أو على الطرق الصحراوية ويقومون بذبح الذبيحة أمام المواطنين.

وأوضح أن الأفضل هو شراء اللحوم المختومة بختم الحكومة، لأن الجهات المختصة تأخذ منها عينات من خلال الطب البيطري وهيئة سلامة الغذاء للتأكد من خلوها من مسببات الأمراض ومن متبقيات المضادات الحيوية والسموم الفطرية.

«اشتروا من مصادر موثوقة»
وأكد ضرورة شراء المنتجات الغذائية من مصادر موثوقة، قائلا إنه لا ينبغي شراء الجبن من محل غير موثوق به، كما لا يفضل شراء الجبن القديم أو الجبن القريش المعروض في الشارع.
وأشار إلى أن الأفضل هو الشراء من المنافذ الكبيرة، لأنها تخضع للرقابة، وكذلك محال السوبر ماركت والشركات الكبيرة التي تتعرض لتفتيش دائم ومستمر، ويتم أخذ عينات من منتجاتها للتأكد من سلامتها.

«منتجات بير السلم سم قاتل»
وحذر الجارحي من المحال الصغيرة المجهولة التي لا تخضع للرقابة وتبيع اللحوم أو منتجات الألبان، وكذلك محال «بير السلم»، مؤكدا أن منتجاتها قد تمثل «سما قاتلا» على حد وصفه.
وشدد على ضرورة حذر المواطنين من هذه المنتجات، لأنها قد تنقل إليهم أمراضا خطيرة تهدد صحتهم وقد تودي بحياتهم.

700 مرض تنتقل من الحيوان إلى الإنسان
وأكد الجارحي أن هناك نحو 700 مرض يمكن أن ينتقل من الحيوان إلى الإنسان، مشددا على ضرورة الاهتمام أولا بصحة الحيوان.
وأوضح أن وظيفة الطبيب البيطري في الأساس هي الاهتمام بصحة الإنسان من خلال الحفاظ على صحة الحيوان، مشيرا إلى أن منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأوبئة العالمية أصبحت على اتصال ببعضها البعض، بحيث يكمل كل طرف دور الآخر في التصدي للظواهر الخطيرة.
وأشار إلى أهمية الوعي العالمي والإبلاغ عن أي أمر خطير لمنع انتشاره والتعامل معه في الوقت المناسب.

إنفلونزا الطيور والخنازير.. نموذج للتدخل البيطري
واستشهد الجارحي بما حدث عند اكتشاف انتقال إنفلونزا الطيور، مشيرا إلى أنه عندما تم اكتشاف الأمر، جرى التعامل مع الخنازير باعتبارها أحد مصادر الخطر، وتم وقتها إيقاف تربية الخنازير وذبح كل قطعان الخنازير لمنع وصول المرض إلى الإنسان، وذلك في عام 2006.
وأوضح أن الوضع حاليا يخضع لرقابة شديدة، حيث يتم ذبح الخنازير في مجازر آلية تحت إشراف الطب البيطري.

متبقيات المضادات الحيوية ومقاومة البكتيريا لها.. مخاطر صحية تهدد الإنسان عبر الغذاء
من جانبها قالت الدكتورة  حنان علي فهمي، أستاذ البيوتكنولوجي ووكيل معهد بحوث الصحة الحيوانية السابق، إن متبقيات المضادات الحيوية ومقاومة البكتيريا لها (AMR) تعد من الموضوعات المهمة في مجال سلامة الغذاء والصحة العامة، موضحة أن المقصود بمتبقيات المضادات الحيوية هو ما يتبقى من هذه الأدوية في الأغذية ذات الأصل الحيواني بعد استخدامها كأدوية بيطرية.
وأوضحت أن الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية أو الاستخدام العشوائي وغير الرشيد لها، سواء للوقاية أو كحافز لنمو الحيوانات، دون الالتزام بفترات السحب البيطرية المعتمدة، والتي تعني الفترة اللازمة لخروج الدواء من جسم الحيوان، يعد من أسباب تراكم المتبقيات في المنتجات الحيوانية.

وأضافت أن هذه الضوابط تشرف عليها منظمات دولية مثل دستور الأغذية التابع لمنظمتي الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والصحة العالمية، إلى جانب هيئات محلية مثل هيئات الغذاء والدواء والإدارات البيطرية، وذلك بحسب نوع الدواء وجرعته وطريقة تداوله، وكذلك نوع الحيوان.
وقالت إن الأثر الصحي على الإنسان يظهر عند التعرض المستمر لجرعات ضئيلة من المضادات الحيوية الموجودة في الذبائح أو المنتجات الحيوانية عند تناولها، مشيرة إلى أن ذلك قد يؤدي إلى تحور البكتيريا داخل جسم الإنسان لتصبح بكتيريا فائقة المقاومة.
وأوضحت أن هذه المقاومة قد تجعل العلاجات المعتادة للإنسان غير فعالة عند الإصابة بالعدوى، وهو ما قد يعيدنا إلى عصر ما قبل اكتشاف البنسلين.
كما أشارت إلى أن البكتيريا النافعة الموجودة في أمعاء الإنسان، والمعروفة باسم الميكروبيوم، قد تتأثر نتيجة ذلك، وهو ما قد يؤدي إلى مشكلات هضمية، بالإضافة إلى تأثيرها التراكمي على وظائف الكلى والكبد.

الحيوانات الأليفة قد تنقل البكتيريا المقاومة
ولفتت إلى أن استخدام المضادات الحيوية في الحيوانات الأليفة، كما هو الحال في البشر، قد يساهم في ظهور البكتيريا المقاومة، مضيفة أن هذه البكتيريا المقاومة يمكن أن تنتقل إلى البشر عن طريق الاتصال المباشر بالحيوانات الأليفة واللعب معها، أو من خلال العض والخدش، وهو ما أثبتته الأبحاث العلمية.

شراء اللحوم والأسماك من مصادر موثوقة
وأكدت أن حماية المستهلك تبدأ من شراء اللحوم والأسماك من مصادر موثوقة، سواء من مزارع أو منافذ خاضعة للرقابة البيطرية والفحص الغذائي، موضحة أنه يمكن إزالة الدهون والجلد للوقاية من المتبقيات، حيث تتركز نسبة كبيرة من المتبقيات الذائبة في الدهون داخل الجلد والطبقات الدهنية، خاصة في الدواجن والأسماك.

وأشارت إلى أن هناك دراسات منهجية أجريت على لحوم الدجاج والأبقار أثبتت انتقال البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية إلى الإنسان، باستخدام التكنولوجيا الحيوية والبيانات الوبائية المتزامنة.
منوهة إلى أن الدراسات وجدت أن انتقال البكتيريا المقاومة يكون أقوى في حالات الاتصال المباشر بالحيوانات مقارنة بالمجموعة الضابطة.

«الصحة الواحدة» لمواجهة المخاطر المشتركة
وأكدت أن نهج الصحة الواحدة هو مفهوم متكامل يهدف إلى تحسين صحة الإنسان والحيوان والبيئة معا، ويتطلب تعاون الأطباء والأطباء البيطريين والعاملين في مجال الصحة العامة وخبراء البيئة لمواجهة المخاطر الصحية المشتركة، مشددا على أن صحة الإنسان مرتبطة ارتباطا وثيقا بصحة الحيوانات وسلامة البيئة.

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية