بعد زيارة الرئيس الصيني إلى مصر.. القطاعات المستهدفة في الاستثمارات الصينية الجديدة.. الذكاء الاصطناعي والطاقة الشمسية "الأبرز"
تفتح زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، التي تأتي بعد نحو عقد من زيارته الأخيرة للقاهرة، فصلًا جديدًا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وسط توجه مصري لتعميق التصنيع المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية، ورغبة صينية في توسيع حضور شركاتها في واحدة من أهم الأسواق ومراكز الإنتاج والتصدير في المنطقة.
مجالات التعاون المرتقبة بين القاهرة وبكين
وتبدو المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مقدمة ساحات التعاون المرتقبة بين القاهرة وبكين، في ظل الموقع الجغرافي الذي تتمتع به مصر، وما توفره المنطقة من إمكانية ربط التصنيع بالأسواق الأفريقية والأوروبية والآسيوية، فضلًا عن قربها من خطوط التجارة العالمية.
الاستثمارات الصينية في مصر
وتشير بيانات رسمية مصرية إلى أن الاستثمارات الصينية في مصر تغطي بالفعل قطاعات متعددة، من الأجهزة المنزلية والسيارات ومكوناتها والإطارات، إلى الطاقة الشمسية والزجاج والصناعات الكيماوية ومواد البناء والمعدات الكهربائية والمنسوجات واللوجستيات والهندسة.
تصنيع السيارات الكهربائية ومكوناتها
يأتي تصنيع السيارات الكهربائية ومكوناتها ضمن أبرز القطاعات التي تستهدف مصر جذب استثمارات صينية جديدة إليها، في إطار سياسة توطين الصناعة وزيادة نسبة المكون المحلي، حيث تمتلك الشركات الصينية خبرات واسعة في السيارات الكهربائية والبطاريات وسلاسل الإمداد المرتبطة بها، وهو ما يجعل مصر سوقًا مرشحة لاستقبال مشروعات تستهدف ليس فقط تلبية الطلب المحلي، وإنما أيضًا التصدير إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية.
وتضع الاستراتيجية المصرية الصينية السيارات الكهربائية ضمن القطاعات ذات الأولوية، إلى جانب بطاريات تخزين الطاقة والصناعات المتقدمة.
الطاقة المتجددة والبطاريات
وبالنسبة للطاقة النظيفة، فهي مرشحة لأن تكون أحد أكبر محاور الاستثمارات الصينية الجديدة، خاصة مع توجه مصر إلى زيادة قدرات الطاقة المتجددة وتوطين الصناعات المرتبطة بها، حيث يبرز في هذا المجال تصنيع الألواح الشمسية ومكوناتها، وتوربينات الرياح، وبطاريات تخزين الكهرباء، إلى جانب الزجاج المستخدم في صناعات الطاقة الجديدة.
وتجسد الاستثمارات الصينية القائمة هذا الاتجاه، إذ تعمل شركة Sungrow الصينية على إنشاء مصنع لإنتاج بطاريات تخزين الطاقة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ضمن توجه مصري لتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، كما تتجه القاهرة وبكين إلى توسيع التعاون في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الطاقة وكفاءة استخدام الكهرباء والهيدروجين الأخضر.
الصناعات الثقيلة والألومنيوم
ومن الملفات التي اكتسبت زخما قبل زيارة الرئيس الصيني، مشروعات الصناعات الثقيلة، حيث ناقشت الحكومة المصرية خلال أغسطس الماضي مع مجموعة صينية متخصصة في الألومنيوم إقامة مجمع صناعي متكامل في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات تصل إلى ملياري دولار، مع توقعات بتوفير أكثر من 3 آلاف فرصة عمل.
ويستهدف المشروع تلبية احتياجات السوق المحلية إلى جانب دعم الصادرات، مع تركيز الحكومة على نقل التكنولوجيا واستخدام مصادر الطاقة النظيفة.
ويمثل هذا النوع من المشروعات تحولا مهما في طبيعة الاستثمارات الصينية؛ إذ لا يقتصر على إنشاء مصنع للسوق المصرية، وإنما يستهدف إقامة قاعدة إنتاج يمكنها النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
الإلكترونيات والاتصالات والذكاء الاصطناعي
قطاع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي مرشح أيضا للحصول على مساحة أكبر في الشراكة المصرية الصينية خلال المرحلة المقبلة، وتشمل مجالات التعاون المحتملة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التكنولوجية والاتصالات والخدمات الرقمية والمدن الذكية، إضافة إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا.
وتشير الرؤية المصرية المعلنة إلى أن الذكاء الاصطناعي والاتصالات والتكنولوجيا تمثل مجالات واعدة لتوسيع التعاون مع الصين، بما يتجاوز النموذج التقليدي للاستثمارات الصناعية.
اللوجستيات والموانئ
لا يمكن فصل الاستثمارات الصينية عن قناة السويس، التي تمنح مصر ميزة تنافسية كمركز للتصنيع والتخزين وإعادة التصدير، حيث تتجه الشراكة إلى تطوير المناطق الصناعية واللوجستية، وخدمات التخزين وإعادة التصدير، والتصنيع بالقرب من الموانئ، بما يسمح للشركات الصينية باستخدام مصر كقاعدة للوصول إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية.
وتضم المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالفعل قطاعات مستهدفة مثل اللوجستيات، وصناعة السيارات، والإطارات، والمنسوجات، والطاقة الشمسية، والبتروكيماويات، ومكونات السيارات الكهربائية.
وتبرز شركة «تيدا مصر» باعتبارها إحدى أهم حلقات الوجود الصناعي الصيني في المنطقة، حيث تشير بيانات حديثة إلى أن الاستثمارات الصينية في المنطقة المرتبطة بها تجاوزت 2.8 مليار دولار.
المنسوجات والملابس الجاهزة
وتظل صناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة من القطاعات المرشحة لجذب المزيد من الشركات الصينية، خصوصًا مع قدرة مصر على توفير العمالة وقربها من الأسواق الأوروبية والأفريقية.
كما أن توسيع التصنيع في هذا القطاع يتيح فرصة لتحويل الاستثمارات الصينية من مجرد مشروعات تستهدف السوق المحلية إلى مشروعات تصديرية تستفيد من الاتفاقيات والمزايا التجارية التي تتمتع بها مصر.
الصناعات الكيماوية والإطارات ومواد البناء
وتشمل خريطة الاستثمارات الصينية القائمة والمرشحة للتوسع كذلك الصناعات الكيماوية والإطارات ومواد البناء والزجاج والمعدات الكهربائية، ومن أبرز المشروعات المعلنة مشروع لإنتاج الإطارات باستثمارات تصل إلى مليار دولار، ومشروع للزجاج المرتبط بصناعات الطاقة الجديدة باستثمارات معلنة تبلغ 300 مليون دولار، ومشروع للكيماويات باستثمارات تصل إلى 500 مليون دولار.
وتكتسب هذه الصناعات أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد المصري لأنها ترتبط بسلاسل إنتاج واسعة، ويمكن أن تساعد في تقليل الاعتماد على الواردات وزيادة القيمة المضافة المحلية.
النقل والسكك الحديدية
يمثل النقل الذكي والسكك الحديدية أحد المجالات الراسخة في التعاون المصري الصيني، مع إمكانية توسعها خلال المرحلة المقبلة، وتشمل مجالات التعاون النقل الكهربائي وشبكات السكك الحديدية وأنظمة النقل الذكية ونقل البضائع، إلى جانب مشروعات مترو الأنفاق والقطارات.
وفي مارس 2026 دخل اتفاق قرض ميسر بقيمة 200 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني حيز التنفيذ لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف، بما يعكس استمرار الحضور الصيني في قطاع النقل المصري.
ماذا تريد مصر من الاستثمارات الصينية؟
بالنسبة للقاهرة، لا تقتصر أهمية الاستثمارات الصينية على تدفقات رأس المال الأجنبي، وإنما تمتد إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات وخلق فرص العمل.
وتستهدف مصر من خلال جذب الشركات الصينية تحويل البلاد إلى قاعدة إنتاج إقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة اتفاقياتها التجارية، إلى جانب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وفي أغسطس 2026، وقعت شركات مصرية 17 عقد تصدير إلى السوق الصينية بقيمة تقارب 168 مليون دولار شملت منتجات زراعية ومنسوجات وجلودًا ومنتجات هندسية، في خطوة تعكس محاولة موازية لزيادة الصادرات المصرية إلى الصين.
كما بدأت مصر الاستفادة من مبادرة صينية تقضي بإعفاء كامل من الرسوم الجمركية على واردات من الدول الأفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، وهو ما قد يوفر فرصة إضافية أمام المنتجات المصرية للنفاذ إلى السوق الصينية.
التصنيع المحلي والتكنولوجيا والتصدير
وتشير خريطة المشروعات والقطاعات المستهدفة إلى أن المرحلة الجديدة من العلاقات المصرية الصينية قد تتجاوز نموذج تنفيذ المشروعات إلى نموذج أكثر تعقيدا يقوم على التصنيع المحلي والتكنولوجيا والتصدير.
ويعني ذلك أن نجاح الشراكة خلال السنوات المقبلة لن يقاس فقط بحجم الأموال الصينية التي تدخل مصر، وإنما بقدرتها على رفع نسبة المكون المحلي، وإدخال صناعات جديدة، ونقل التكنولوجيا، وربط الشركات المصرية بسلاسل الإمداد الصينية والعالمية.
وبالتالي، فإن القطاعات الأكثر جذبا للاستثمارات الصينية الجديدة تبدو متركزة حول السيارات الكهربائية والبطاريات، والطاقة المتجددة، والصناعات الثقيلة، والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، واللوجستيات، والمنسوجات، والكيماويات، والإطارات، والنقل، وهي قطاعات تتقاطع إلى حد كبير مع هدف مصر المعلن للتحول إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصدير.




