رئيس التحرير
عصام كامل

رفعت فياض يكتب: بين حق رئيس الجامعة وحرمة المال العام.. من يحسم جدل المكافآت وتوحيد المعاملة المالية لرؤساء الجامعات.. قراءة قانونية ومحاسبية في أزمة تحتاج إلى قاعدة واحدة

رفعت فياض
رفعت فياض
18 حجم الخط

أثار المقال السابق الذي نشرته تحت عنوان «بالمستندات، أزمة توحيد صرف المكافآت بين رؤساء الجامعات»، والذي تحاورت فيه مع واحد من أفضل خبراء المحاسبة والمراجعة في مصر ورئيس جامعة بني سويف السابق، تساؤلات الكثيرين مرة أخرى عن القضية التي تستحق أن نتوقف أمامها كثيرًا، مع أنها لا تخص رئيس جامعة بعينه، ولا لأنها تتعلق ببضعة آلاف أو ملايين من الجنيهات تصرف هنا أو تمنع هناك سنويًا، ولكن لأنها تكشف مشكلة أعمق في الإدارة الجامعية المصرية، وهي:

ـ من الذي يحدد على وجه الدقة المعاملة المالية لرئيس الجامعة؟ وما هي حدود الجمع بين مستحقاته بوصفه رئيسًا للجامعة وبين بعض المستحقات المرتبطة بأصله كأستاذ جامعي؟ وهل يجوز حصوله على مكافآت من صناديق الخدمات التعليمية أو موارد الطلاب الوافدين؟ ثم ماذا نفعل عندما تبدو قرارات المجلس الأعلى للجامعات ووزارة المالية والفتاوى القانونية وكأنها تسير في اتجاهات مختلفة؟

وكنت قد عرضت القضية بالفعل، وبصورة تتجاوز شخص رئيس جامعة المنصورة، الذي كان مثالًا فقط وكحالة تعبر عن واقع هذه القضية لأنها تخص كل رؤساء الجامعات المصرية، وأشرت فيها إلى وجود تفاوت في المعاملة المالية بين رؤساء الجامعات، وإلى قرار للمجلس الأعلى للجامعات في 8 يونيو 2013 الذي اعتبر تعيين رئيس الجامعة ونائبه تعيينًا جديدًا لأغراض معينة في حساب العلاوات، وفي المقابل عرضت في المقال السابق أيضًا موقف الإدارة المركزية للتشريع المالي بوزارة المالية التي اعترضت من جانبها على بعض أوجه الصرف، ثم عرضت رد رئيس جامعة المنصورة واستناده إلى قرارات وفتاوى وضوابط أخرى.

ليس دليلًا نهائيًا

لذا قررت أن أكمل الحوار مع د. أمين لطفي، أستاذ المحاسبة والمراجعة الأشهر ورئيس جامعة بني سويف السابق، لنوضح الصورة أكثر وأكثر، ونطرح الحلول في هذه القضية لننهي أسباب الجدل في هذه القضية، ونطرح الحلول لتوحيد القواعد المالية بين كل رؤساء الجامعات، وأن يأخذ كل ذي حق حقه دون أن نشوه صورته أو أن نعطي انطباعًا لدى البعض أن ما يقومون بصرفه من مكافآت قد يكون مخالفًا للقانون.

لذلك أكد لي د. أمين لطفي أن القضية تحتاج إلى رأي هادئ يبتعد عن مسارين، كلاهما خطأ، كما يقول:

ـ الأول: أن نعتبر مجرد اعتراض وزارة المالية دليلًا نهائيًا على وقوع مخالفة من رئيس الجامعة.

ـ والثاني: أن نعتبر وجود قرار سابق للمجلس الأعلى للجامعات أو موافقة مالية سابقة دليلًا نهائيًا على مشروعية كل ما تم صرفه. فالمال العام لا تدار مشروعيته بالافتراض، كما أن سمعة الأشخاص لا يجوز أن تدار بالاشتباه.

أستاذ أم رئيس؟

قلت للدكتور أمين لطفي: أرجوك أجبني في البداية على سؤال هو الذي تسبب في هذه المشكلة، وهو: «هل يتم معاملة رئيس الجامعة ماليًا كأستاذ أم كرئيس جامعة؟»

أجاب د. لطفي قائلًا: هذا السؤال، على أهميته، صيغ في تقديري بطريقة تؤدي إلى إجابة ناقصة، لأن المادة 25 من قانون تنظيم الجامعات تنص على أن رئيس الجامعة يعين لمدة محددة، وأنه يعتبر خلال مدة تعيينه شاغلًا لوظيفة أستاذ «على سبيل التذكار»، ثم يعود بعد انتهاء رئاسته إلى وظيفة الأستاذ وفقًا للأحكام المنظمة لذلك. وفي الوقت نفسه فإن رئاسة الجامعة ليست مجرد تكليف جانبي للأستاذ، وإنما منصب مستقل يصدر التعيين فيه بقرار جمهوري، وتحمله مسؤوليات واختصاصات مالية وإدارية وعلمية واسعة.

إذن لا أرى صحة القول المطلق إن رئيس الجامعة «لم يعد أستاذًا» تمامًا، ولا القول المقابل إنه «ما زال أستاذًا فقط» من الناحية المالية.

والدليل الأكثر أهمية أن فتاوى مجلس الدولة نفسها لم تتعامل مع الأمر بهذا المنطق الثنائي.

ففي فتوى للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عام 1995، انتهى الرأي إلى أن تعيين الأستاذ رئيسًا للجامعة أو نائبًا للرئيس لا ينفي عنه عضويته لهيئة التدريس، وأجازت له حوافز معينة كانت مقررة لأعضاء هيئة التدريس وفق القرار المنظم لها.

لكن هناك فتوى أخرى أُعلن عنها عام 2022، انتهت الجمعية ذاتها إلى عدم استحقاق رؤساء الجامعات «بدل الجامعة»، لأن هذا البدل مرتبط بوظائف معينة، بينما تقرر لرئيس الجامعة ونائبه بدل تمثيل، وحظرت القواعد الجمع بينهما.

لا يوجد تناقض

• وهل هناك تناقض؟

ـ أجاب د. أمين لطفي: في رأيي: لا.

فالفتوى الأولى لم تقل إن رئيس الجامعة يستحق كل ما يستحقه الأستاذ، والفتوى الثانية لم تقل إنه فقد صفته كعضو هيئة تدريس في كل شيء.

والقاعدة التي أستخلصها من الاثنتين أكثر دقة:

أن رئيس الجامعة له مركز قانوني مركب، ويحدد استحقاق كل عنصر من عناصر دخله وفق الطبيعة القانونية لذلك العنصر والوظيفة أو العمل الذي تقرر مقابله، وليس بمجرد إطلاق وصف «أستاذ» أو «رئيس جامعة» عليه. وهذه في تقديري هي نقطة البداية الصحيحة لحسم القضية كلها.

ليست شيكًا على بياض

• قلت: وهل «التعيين الجديد» لا يعني شيكًا مفتوحًا لكل المكافآت؟

ـ قال د. أيمن لطفي: لقد استند البعض إلى قرار المجلس الأعلى للجامعات الصادر في 8 يونيو 2013، الذي اعتبر تولي رؤساء الجامعات ونوابهم مناصبهم تعيينًا جديدًا عند احتساب بعض العلاوات الخاصة، وهذا القرار مهم، ولا يجوز تجاهله. لكنني لا أرى أنه يمكن توسيع نطاقه تلقائيًا ليقال إن مجرد اعتبار رئاسة الجامعة «تعيينًا جديدًا» يعني إعادة حساب كل حافز وكل بدل وكل مكافأة وكل ميزة على هذا الأساس. فالقرار يجب تطبيقه في النطاق والغرض الذي صدر من أجله ما لم ينص على غير ذلك، كما أن القرار الإداري لا يستطيع أن ينشئ حقًا ماليًا يتعارض مع قانون أعلى منه في المرتبة. والمادة 195 من قانون تنظيم الجامعات أحالت مرتبات رئيس الجامعة ونوابه وأعضاء هيئة التدريس وبدلاتهم إلى الجدول والقواعد المرافقة للقانون.

وهنا يظهر المبدأ الذي ينبغي أن يحكم المعاملة المالية:

حيث لا يكفي أن نسأل: هل التعيين جديد؟ بل يجب أن نسأل: ما هو سند كل مبلغ؟ ولماذا استُحق؟ وبأي صفة؟ ومن أي مصدر تم تمويله؟ وهل يوجد حظر على الجمع بينه وبين استحقاق آخر؟

وهذا التحول من «توصيف الشخص» إلى «تحليل عنصر الدخل» كفيل بحل جانب كبير من الخلاف.

مكافآت الوافدين

وهنا انتقلت مع د. أمين لطفي إلى القضية الثانية والأكثر حساسية، وسألته عن المكافآت التي يقوم رؤساء الجامعات بالصرف منها من الموارد المرتبطة بالطلاب الوافدين.

ـ قال د. لطفي: إن المادة 267 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات تجعل من بين موارد صندوق الخدمات التعليمية رسوم القيد والمصروفات الدراسية للطلاب الوافدين. كما تقضي المادة 268 بتخصيص حصيلة كل رسم للخدمة المؤدى عنها، وإظهار ما تم تحصيله وصرفه ضمن النظام المالي المقرر. ومن هنا أرى أن السؤال الصحيح ليس: «هل يجوز صرف مكافأة لرئيس الجامعة من أموال الوافدين؟» وإنما يجب تفكيكه إلى عدة أسئلة متتابعة:

ـ هل أدى رئيس الجامعة عملًا إضافيًا ومحددًا يمكن فصله موضوعيًا عن واجباته الأصلية كرئيس للجامعة؟

ـ وهل هناك نص قانوني أو لائحي صريح يسمح بالمكافأة؟

ـ وهل مصدر التمويل مخصص قانونًا لهذا النوع من الخدمة؟

ـ وهل شارك المستفيد في اتخاذ قرار تحديد مكافأته أو اعتمادها؟

ـ وهل المكافأة مقابل أداء حقيقي أم مجرد صفة وظيفية؟

ـ وهل يحصل عليها جميع من يؤدون العمل وفق معايير موحدة؟

ـ وهل روعيت القيود المتعلقة بالحد الأقصى للدخل؟

ـ وهل خضع الصرف لرقابة مستقلة سابقة ولاحقة؟

إذا كانت الإجابات جميعها سليمة، يصبح موقف الصرف أقوى.

أما إذا كانت المكافأة تمنح لمجرد أنه الشخص رئيس للجامعة، في حين أن إدارة ومتابعة النشاط تدخل أصلًا ضمن واجبات الرئاسة، فإن الموقف يصبح مختلفًا تمامًا.

نعم، لا يجوز.. ولكن

وهنا لا ينبغي إغفال فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عام 2017 بشأن رئيس جامعة طنطا، فقد انتهت إلى عدم جواز الجمع بين منصب رئيس الجامعة ورئاسة مجالس إدارات بعض الوحدات أو المراكز ذات الطابع الخاص، ومن ثم عدم استحقاق المكافآت المترتبة على رئاسة تلك المجالس. وكان أحد مرتكزات الرأي أن رئيس الجامعة يمارس أصلًا وظيفة إشرافية ورقابية على هذه الوحدات، فلا يستقيم أن يشارك في إدارتها ثم يعود لمراقبة قراراتها.

وأرى أن هذه الفتوى تتجاوز كثيرًا مسألة المكافأة لأنها تؤسس لمبدأ حوكمة يجب أن يسود الجامعة، وهو أن من يملك سلطة الرقابة أو الاعتماد النهائي لا ينبغي أن تكون له مصلحة مالية شخصية في القرار الذي يراقبه أو يعتمده، إلا إذا أجاز القانون ذلك صراحة ووضع آلية مستقلة لمنع تعارض المصالح. وتلك قاعدة لا ينبغي أن نعتبرها انتقاصًا من رئيس الجامعة؛ بل هي حماية له قبل أن تكون حماية للمال العام، فالقيادي الذي يحدد لنفسه مكافأة، أو يشارك في تحديدها، أو يعتمد قرار جهة يدفع له منها مقابل مالي، يجد نفسه – ولو كان شديد النزاهة – داخل دائرة تعارض مصالح كان يمكن للنظام نفسه أن يجنبها له.

لكن لا يجوز أيضًا اعتبار فتوى قسمي الفتوى والتشريع الصادرة عام 2017 حظرًا عامًا لكل مكافأة، لأن فتوى 2017 تناولت صورًا معينة من الجمع بين الرئاسة الجامعية ورئاسة مجالس إدارات وحدات يكون رئيس الجامعة في الوقت نفسه صاحب اختصاص رقابي عليها، ومن الخطأ أن نحولها تلقائيًا إلى قاعدة تقول إن رئيس الجامعة لا يجوز له مطلقًا الحصول على أية مكافأة مقابل عمل إضافي مشروع. كما أن فتوى 1995 – على الجانب الآخر – لا يجوز استخدامها للقول إن رئيس الجامعة يستحق جميع الحوافز التي يحصل عليها عضو هيئة التدريس، والفتوى الصادرة في 2022 بشأن عدم استحقاق بدل الجامعة تؤكد بنفسها أن الاستحقاق يتوقف على طبيعة البدل والوظيفة التي قرر لها، لا على إطلاق صفة واحدة على الشخص.

إذن نحن أمام قاعدة قانونية أكثر ذكاءً من «المنع أو الإباحة»: كل مبلغ له سبب قانوني مستقل، وكل استحقاق يجب اختباره على حدة. وهذا هو الرأي الذي أراه الأقرب إلى العدالة والقانون معًا.

حقيقة موافقة المالية

• سألت د. لطفي: وهل موافقة وزارة المالية السابقة تجعل الصرف مشروعًا إلى الأبد؟

ـ أجاب د. أمين لطفي قائلًا: لقد أثار رئيس جامعة المنصورة نقطة تستحق الاحترام والمناقشة، وهي: كيف تعترض وزارة المالية على صرف سبق أن مرت إجراءاته من خلال منظومتها وممثليها؟ كما أشار إلى تطبيق القواعد لسنوات وإلى مراجعة الجهاز المركزي للمحاسبات وإلى وجود ضوابط معتمدة قبل توليه المنصب. وهذه حجة قوية من زاوية حسن النية والاستقرار الإداري وتحديد المسؤولية، لكنها في تقديري ليست كافية وحدها للفصل في المشروعية الموضوعية.

فمرور صرف مالي سابق دون اعتراض لا يحول الخطأ – إن ثبت وجوده – إلى حق دائم. والرقابة السابقة أو اللاحقة لا تصنع بذاتها سندًا قانونيًا غير موجود. كما أن استمرار ممارسة مالية لعشر سنوات لا يجعلها صحيحة إذا تبين تعارضها مع نص أعلى.

ولكن العكس صحيح أيضًا. إذا كانت الجامعة طبقت قرارًا وزاريًا معلنًا، وأقره مجلسها، ومر على ممثلي وزارة المالية، وخضع للرقابة سنوات، فلا يجوز عند ظهور تفسير قانوني جديد أن نتعامل تلقائيًا مع المسؤول الذي طبق المنظومة القائمة وكأنه تعمد الحصول على مال بلا سند.

وهناك فرق كبير بين: عدم مشروعية الصرف، والخطأ الإداري في تفسير النص، والمسؤولية المالية عن الرد، والمسؤولية التأديبية، وشبهة الاستيلاء أو الفساد. والخلط بين هذه المستويات ظلم للأشخاص وإفساد لمنطق الرقابة.

لا للتشهير.. ولا للتحصين

وأكمل د. أمين لطفي حديثه معي قائلًا: إن الحرص على المال العام لا يعني التشهير.. واحترام رئيس الجامعة لا يعني تحصينه من المراجعة. وهذه ربما أهم رسالة أخلاقية في القضية، فمن حق وزارة المالية الاعتراض. ومن حق ممثلها في الجامعة الامتناع عن إجازة صرف يراه مخالفًا للقانون. ومن حق الجهاز المركزي للمحاسبات إثبات ملاحظاته. ومن حق الجامعة ومستشارها القانوني ورئيسها الدفاع عن تفسيرهم. ومن حق الصحافة أيضًا نشر المستندات ذات الصلة بالشأن العام. لكن لا يملك أي طرف، قبل الحسم القانوني، تحويل الخلاف في تفسير قاعدة مالية إلى إدانة أخلاقية لشخص.

وفي المقابل، فإن المكانة الأكاديمية أو منصب رئيس الجامعة لا يجوز أن يكونا سببًا لتحصين أية عملية مالية من الفحص. فحرمة المال العام وحرمة السمعة الشخصية قيمتان يجب حمايتهما معًا. والدولة المؤسسية هي التي تستطيع أن تراجع جنيهًا واحدًا دون تشهير، وأن تحمي سمعة مسؤول دون تعطيل الرقابة عليه.

ولماذا حدث الاختلاف؟

• قلت للدكتور أمين لطفي متسائلًا: ولماذا تم الاختلاف مع فكرة «توحيد الصرف» إذا كانت تعني مجرد المساواة في المبالغ؟ ألا يجب أن نحسم هذا الخلاف وأن يتم توحيد المعاملة المالية لرؤساء الجامعات؟

ـ أجاب د. لطفي: نعم، أتفق مع جوهر المطالبة بذلك، لكن مع تحفظ مهم، لأن توحيد المعاملة لا يعني بالضرورة توحيد المبلغ. فالعدالة ليست أن يحصل كل رئيس جامعة على المكافآت نفسها لمجرد أنه رئيس جامعة، وإذا كانت هناك أعمال إضافية حقيقية – تدريس، إشراف أكاديمي

لا للمنع المطلق.. ولا للإباحة المطلقة

وهنا سألت خبير المحاسبة والمراجعة الأشهر في مصر د. أمين لطفي، رئيس جامعة بني سويف السابق:

وما هو الرأي الأعدل الذي تراه من وجهة نظرك؟

ـ قال: بعد قراءة الحجج المختلفة، فإن موقفي يتلخص في قاعدة واحدة:

لا أؤيد المنع المطلق لمكافآت رئيس الجامعة، كما لا أؤيد الإباحة المطلقة لها.

فرئيس الجامعة ليس موظفًا إداريًا منزوع الصفة الأكاديمية تمامًا، وليس أستاذًا عاديًا يمكن أن تتراكم فوق راتبه جميع المزايا المقررة للأستاذ مع جميع المزايا المقررة للرئيس. لذا يجب أن يكون له حزمة تعويضات واضحة للمنصب الرئاسي تعكس ضخامة مسؤوليته. أما أي مقابل إضافي فيجب ألا يصرف إلا إذا قام على أربعة أركان:

سند قانوني صريح، وعمل إضافي حقيقي، ومصدر تمويل مشروع، واعتماد مستقل خالٍ من تعارض المصالح.

وأضيف إليها شرطًا خامسًا لا يقل أهمية: وهو «الإفصاح»، وليس المقصود نشر التفاصيل الشخصية لكل مسؤول في الصحف، وإنما وجود سجل مالي مؤسسي تستطيع الجهات الرقابية أن ترى من خلاله كامل التعويضات والمكافآت ومصادرها وأسبابها، دون أن يظل جزء من الدخل في الموازنة وجزء آخر في صندوق وثالث في وحدة خاصة ورابع في برنامج وافدين وخامس في مجلس إدارة.

ويضيف د. أمين لطفي: إن القضية ليست جامعة المنصورة.. وإنما نظام يحتاج إلى إصلاح.

وإذا انتهينا من هذه الأزمة برد مبلغ أو إجازة مبلغ، نكون قد حللنا الواقعة ولم نحل المشكلة. فبعد أكثر من نصف قرن على صدور قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، وما لحق به من تعديلات وقرارات وزارية وقرارات مجلس أعلى ولوائح وفتاوى ومنشورات مالية، أصبح من الطبيعي أن تظهر مناطق رمادية.

والمطلوب اليوم ليس مزيدًا من المنشورات المتفرقة، بل المطلوب هو إطار وطني موحد للتعويضات المالية للقيادات الجامعية يحدد بصورة قاطعة مكونات دخل رئيس الجامعة ونوابه والعمداء وغيرهم من القيادات، ويميز بين أجر الوظيفة، وبدلات المسؤولية، ومقابل الأعمال الإضافية، ومكافآت الأداء، والحقوق الأكاديمية، مع ربط كل عنصر بسنده ومصدر تمويله وقواعد الإفصاح عنه.

كما يجب أن تفصل قواعد الحوكمة بين من يستفيد من المكافأة ومن يقررها أو يعتمدها، ويجب أن تخضع الجامعات كلها للقاعدة نفسها. فليس مقبولًا أن يكون المبلغ مشروعًا في جامعة وغير مشروع في جامعة أخرى لمجرد اختلاف تفسير المراقب المالي أو المستشار القانوني.

وليس مقبولًا كذلك أن يتحول «ما جرى عليه العمل» إلى مصدر مستقل للمشروعية.

والخلاصة: أننا يجب أن نحاكم النظام قبل الأشخاص، والقضية التي أثارها الكاتب رفعت فياض تستحق الشكر لأنها تجاوزت حدود الواقعة الشخصية إلى سؤال مؤسسي أكبر: لماذا تختلف المعاملة المالية بين رؤساء جامعات يشغلون المراكز القانونية نفسها؟

لكنني أضيف سؤالًا آخر: لماذا ننتظر ظهور أزمة حول اسم رئيس جامعة حتى نكتشف أن قواعدنا نفسها تحتاج إلى تفسير؟

إن الأصل في الإدارة الجيدة ألا نضع المسؤول أمام مجموعة من القرارات المتعارضة ثم نختلف بعد ذلك حول ما إذا كان ما حصل عليه حقًا أم مخالفة. والأصل في حماية المال العام ألا تعتمد على «اجتهاد» جامعة في مواجهة «اجتهاد» وزارة. والأصل في حماية القيادات الجامعية ألا نتركها لسنوات تتقاضى مستحقات تمر عبر مؤسسات الدولة ثم نفاجئها بأن التفسير تغير.

ومن ثم فإن أفضل نتيجة لهذه القضية ليست إدانة طرف وانتصار طرف آخر. الانتصار الحقيقي هو أن تنتهي الأزمة بقاعدة عامة لا باسم شخص.

فإن انتهت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع إلى عدم استحقاق مبلغ، وجب احترام الرأي وتسوية آثاره وفق القانون. وإن انتهت إلى مشروعيته، وجب إنهاء الجدل واحترام الحق. أما للمستقبل، فيجب ألا نكرر القضية نفسها مع رئيس جامعة آخر.

وهنا أضع المعادلة التي أعتقد أنها تحقق التوازن:

أجر عادل للقيادة + مقابل مشروع للعمل الحقيقي + منع الازدواج + منع تعارض المصالح + رقابة مستقلة + إفصاح كامل + قاعدة واحدة لجميع الجامعات.

فلا ينبغي أن يكون هدفنا أن يحصل رئيس الجامعة على أقل مبلغ ممكن، فهذا ليس إصلاحًا.

ولا أن يحصل على كل مبلغ يمكن إيجاد تفسير لصرفه، فهذه ليست حوكمة.

بل أن يحصل على كل ما يستحقه، ولا يحصل على ما لا يستحقه، وأن نستطيع إثبات الأمرين بنفس الدرجة من الوضوح.

تلك في تقديري هي حماية رئيس الجامعة، وحماية الجامعة، وحماية وزارة المالية، وقبل الجميع حماية المال العام وهيبة الدولة وسيادة القانون.

الجريدة الرسمية