رئيس التحرير
عصام كامل

خبير اقتصادي: زيارة الرئيس الصيني لمصر فرصة للانتقال من التجارة المتبادلة إلى الإنتاج المشترك

الدكتور عبد المنعم
الدكتور عبد المنعم السيد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصاد
18 حجم الخط

أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في توقيت استثنائي، وتتجاوز في أهميتها الأبعاد السياسية والدبلوماسية التقليدية، لتكتسب أبعادًا اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية أكثر عمقًا وتأثيرًا.

وأوضح لـ"فيتو" أن العالم يشهد حاليًا إعادة تشكيل واسعة لخريطة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، في ظل تصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب القيود والضغوط المتزايدة على الاستثمارات والمنتجات الصينية في الأسواق الغربية.

وأضاف أن الصين تبحث في المقابل عن أسواق جديدة ومراكز صناعية واستثمارية تتيح لها مواصلة توسعها الاقتصادي والوصول إلى مناطق وأسواق جديدة، بينما تسعى مصر إلى جذب شراكات قادرة على دعم الصناعة وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا وتوفير العملة الأجنبية، وهو ما يمنح الزيارة المرتقبة أهمية اقتصادية كبيرة.

العلاقات المصرية الصينية.. قاعدة اقتصادية قابلة للتوسع

وأشار عبد المنعم السيد إلى أن العلاقات المصرية الصينية ليست وليدة المرحلة الراهنة، إذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، قبل أن تتطور العلاقات على مدار العقود الماضية بصورة متسارعة، وصولًا إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2016.

وأكد أن الأهم في المرحلة الحالية هو امتلاك هذه العلاقات قاعدة اقتصادية حقيقية يمكن البناء عليها، موضحًا أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقابل نحو 17.37 مليار دولار خلال عام 2024، بمعدل نمو يقارب 19.6%. 

وقال إن هذه الأرقام تعكس المكانة المتزايدة للصين داخل الاقتصاد المصري، مشددًا على أن الوقت حان للانتقال بالعلاقات بين البلدين من مجرد علاقة تجارية إلى شراكة صناعية، ومن تنفيذ المشروعات إلى توطين التكنولوجيا، ومن استيراد المنتجات إلى إنتاجها وتصديرها. 

«الإنتاج مع الصين» بدلًا من «التجارة مع الصين» 

وشدد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية على ضرورة أن تقوم المرحلة المقبلة على الانتقال من مفهوم «التجارة مع الصين» إلى مفهوم «الإنتاج مع الصين».

وأوضح أن مصر لا تحتاج فقط إلى زيادة حجم رؤوس الأموال الوافدة، وإنما تحتاج بصورة أكبر إلى استثمارات منتجة تؤدي إلى إنشاء مصانع جديدة، وتوفير فرص عمل، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وخفض فاتورة الواردات.

ولفت إلى أن الصين تعد من أكثر الشركاء قدرة على تقديم هذا النموذج في المرحلة الراهنة، في ظل امتلاكها فوائض رأسمالية وصناعية ضخمة تبحث عن فرص جديدة خارج حدودها، فضلًا عن الضغوط المتزايدة التي تواجهها شركاتها في بعض الأسواق الأمريكية والأوروبية، وهو ما يدفعها إلى البحث عن وجهات استثمارية بديلة ومراكز إنتاج جديدة.

مصر منصة صناعية ولوجستية للشركات الصينية

وأشار إلى أن مصر تمتلك مجموعة من المزايا التي تجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات الصينية، في مقدمتها السوق المحلية التي يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، وقناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات التجارية العالمية، إلى جانب البنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية والاقتصادية، فضلًا عن شبكة الاتفاقيات التجارية التي تتيح النفاذ إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.

وأكد أن مصر يجب ألا تقدم نفسها للصين باعتبارها مجرد سوق كبيرة للمنتجات الصينية، وإنما باعتبارها منصة صناعية ولوجستية تستطيع الشركات الصينية من خلالها الوصول إلى مئات الملايين من المستهلكين في أفريقيا والعالم العربي، فضلًا عن الأسواق الأوروبية.

وقال إن «المعادلة الأكثر نجاحًا هي أن تصبح مصر مركزًا لإنتاج المنتجات الصينية خارج الصين، وليس مجرد سوق لاستهلاكها».

«تيدا – مصر» نموذج ناجح للتعاون الصناعي

وأوضح عبد المنعم السيد أن التجربة القائمة بالفعل تؤكد تجاوز التعاون المصري الصيني مرحلة التصريحات والاتفاقيات، مشيرًا إلى أن منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا – مصر» داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التعاون.

وأشار إلى أن المنطقة تضم أكثر من 200 شركة باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار، فيما تجاوزت مبيعاتها التراكمية 7.3 مليار دولار، وأسهمت في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة.

وأكد أن هذه التجربة يجب أن تتحول من نموذج ناجح محدود إلى قاعدة يمكن البناء عليها لإنشاء تجمعات صناعية صينية أكبر وأكثر تنوعًا.

البنية التحتية تفتح الباب أمام توطين التكنولوجيا

ولفت إلى أن الشركات الصينية أصبحت لاعبًا مهمًا في تنفيذ عدد كبير من مشروعات البنية التحتية المصرية، بدءًا من منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وعلى رأسها البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 385.8 متر، ويعد أطول مبنى في أفريقيا، مرورًا بمشروعات النقل، ومنها القطار الكهربائي الخفيف «LRT»، وصولًا إلى التعاون في مجالات الفضاء والأقمار الصناعية وتطوير قدرات التجميع والدمج والاختبار.

وأكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تختلف عن المرحلة السابقة، فبعد استفادة مصر من الخبرات الصينية في مجال البنية التحتية، أصبح من الضروري أن يتحول التركيز إلى توطين الصناعة والتكنولوجيا.

السيارات والبطاريات والذكاء الاصطناعي.. قطاعات واعدة

وشدد على أن المباحثات المرتقبة يمكن أن تركز على التوسع في عدد من القطاعات ذات الأولوية، وفي مقدمتها صناعة السيارات، خاصة السيارات الكهربائية، والبطاريات، والإلكترونيات، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة والمتجددة، والصناعات الكيماوية، والمنسوجات والملابس الجاهزة.

وأضاف أن المنافسة المتوقعة بين الشركات الصينية والأمريكية في مشروعات التكنولوجيا المتقدمة، ومنها مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، يمكن أن تمثل فرصة مهمة لمصر.

وأوضح أن المصلحة المصرية لا ينبغي أن تقوم على الانحياز إلى طرف على حساب آخر، وإنما على خلق منافسة حقيقية بين القوى الدولية بما يضمن الحصول على أفضل الشروط الممكنة.

وأكد ضرورة أن تقترن أي حوافز استثمارية واضحة بمؤشرات قابلة للقياس، مثل حجم الاستثمار، وعدد المصانع التي سيتم إنشاؤها، ونسبة المكون المحلي، وحجم العمالة المصرية، ومراكز البحث والتطوير، ونسبة الإنتاج الموجهة للتصدير.

الاستثمار الصيني.. تمويل وتكنولوجيا وسرعة تنفيذ

وأشار مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إلى أن رأس المال الصيني يمتلك في المرحلة الحالية مجموعة من المزايا المهمة بالنسبة للسوق المصرية، من بينها قدرة الشركات الصينية على الجمع بين التمويل والتكنولوجيا وسرعة التنفيذ.

وأضاف أن الصين تمتلك خبرة واسعة في بناء منظومات صناعية متكاملة، وليس مجرد إنشاء مصانع منفصلة، وهو النموذج الذي تحتاج إليه مصر، خاصة في صناعات السيارات والإلكترونيات والبطاريات والطاقة الجديدة.

ولفت إلى أن الصين قد تكون أكثر استعدادًا في بعض القطاعات لإنشاء مراكز إنتاج في الأسواق الناشئة، في وقت تركز فيه شركات أمريكية وأوروبية كثيرة على الأسواق الكبرى أو الأكثر تقدمًا في مجالات التكنولوجيا والبرمجيات والذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن ذلك يمنح مصر فرصة لجذب جزء من الاستثمارات الصينية التي تبحث عن أسواق جديدة، خاصة إذا تم تقديم حوافز مرتبطة بالإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا.

شروط مصرية لتعظيم عائد الاستثمارات

وأكد عبد المنعم السيد أن نجاح الشراكة المصرية الصينية لا يعني فتح السوق المصرية بلا شروط، مشيرًا إلى أن التجارب الاقتصادية العالمية تؤكد أن الاستثمار الأجنبي يحقق أعلى قيمة عندما يرتبط بزيادة القيمة المضافة المحلية.

وشدد على ضرورة أن تتضمن أي اتفاقيات جديدة مع الشركات الصينية برامج واضحة لزيادة نسبة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة المصرية، وتوطين الموردين المحليين، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير.

وقال إن الهدف لا يجب أن يكون دخول الشركات الصينية إلى مصر لبيع منتجاتها فقط، أو حتى لتجميع منتجات مستوردة، وإنما أن تتحول مصر تدريجيًا إلى مركز صناعي حقيقي داخل سلاسل الإنتاج الصينية العالمية.

«بريكس» والحزام والطريق يدعمان فرص التعاون

وأوضح أن انضمام مصر إلى تجمع «بريكس» يفتح آفاقًا جديدة لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين الدول الأعضاء، فضلًا عن إمكانية دراسة زيادة استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات التجارية، بما قد يساهم على المدى الطويل في تخفيف جزء من الضغوط المرتبطة بالطلب على الدولار، وإن كان ذلك يتطلب آليات مالية وتجارية واضحة وقابلة للتنفيذ.

وأشار إلى أن التكامل بين مبادرة «الحزام والطريق» الصينية و«رؤية مصر 2030» يمكن أن يمنح العلاقات بين البلدين بعدًا اقتصاديًا أكثر استدامة، خاصة أن مصر تستهدف التحول إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة، بينما تبحث الصين عن ممرات وأسواق ومراكز إنتاج جديدة.

وأكد أن هذه الأهداف تخلق مساحة واسعة من المصالح المشتركة بين القاهرة وبكين.

3 أهداف يجب أن تحققها زيارة الرئيس الصيني

وشدد عبد المنعم السيد على أن نجاح الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى مصر لا ينبغي أن يقاس بعدد مذكرات التفاهم أو الاتفاقيات التي سيتم توقيعها فقط، وإنما بنوعية المشروعات التي ستخرج بها.

وأوضح أن مصر تحتاج اليوم إلى استثمارات تحقق ثلاثة أهداف في الوقت نفسه: زيادة الإنتاج المحلي، ورفع الصادرات، ونقل التكنولوجيا بصورة حقيقية.

وأضاف أن الفرصة المتاحة أمام القاهرة وبكين تتجاوز مجرد توسيع حجم التجارة، فالصين تحتاج إلى مصر باعتبارها بوابة استراتيجية إلى أفريقيا والشرق الأوسط، بينما تحتاج مصر إلى الصين باعتبارها قوة صناعية وتكنولوجية ومالية عالمية قادرة على دعم عملية التحول الاقتصادي.

واختتم عبد المنعم السيد تصريحاته بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية للزيارة المرتقبة تكمن في قدرتها على نقل العلاقات المصرية الصينية إلى مرحلة جديدة؛ من التبادل التجاري إلى التكامل الصناعي، ومن تنفيذ المشروعات إلى توطين التكنولوجيا، ومن استيراد المنتجات إلى إنتاجها وتصديرها.

وأكد أنه إذا استطاعت مصر إدارة هذه الشراكة وفق رؤية اقتصادية واضحة تحمي مصالحها الوطنية، وتربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير ونقل المعرفة، فإن الصين لن تكون مجرد شريك تجاري كبير، بل يمكن أن تصبح أحد أهم الشركاء في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية جديدة للاقتصاد المصري.

وأوضح أن الفرصة الحقيقية لا تكمن فقط في استثمار الصين داخل مصر، وإنما في أن تصبح مصر جزءًا من السلسلة الصناعية العالمية للصين، مع استخدام هذه الشراكة في الوقت نفسه لبناء القدرات الوطنية المستقلة، وهو ما يمثل جوهر الأهمية الاقتصادية للزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى القاهرة.

الجريدة الرسمية