غزة تحت مقصلة الانتخابات الإسرائيلية.. نتنياهو وآيزنكوت يتسابقان لرفض الدولة الفلسطينية ويعرقلان المرحلة الثانية من خطة ترامب.. ومرونة المقاومة تصطدم بأزمة إنسانية متفاقمة
مع استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وبدء العد التنازلي للانتخابات الإسرائيلية المقرر إجرؤاها في 27 أكتوبر القادم، يواجه مسار الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق تعثرا واضحا، وتتزايد المؤشرات التي تربط هذا الجمود بالحسابات الضيقة للقيادة السياسية، وسط تحذيرات فلسطينية متواصلة من تحويل القطاع إلى ورقة مساومة انتخابية.
وفي ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل، يشير تقرير نشره "المركز الفلسطيني للإعلام" إلى أن الانتقال إلى المرحلة الثانية في خطة السلام التي يرعاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بات مرهونا بالانتخابات الإسرائيلية، وأن التحركات الدبلوماسية الأمريكية الأخيرة، ممثلة بزيارة المبعوث الأمريكي جاريد كوشنير ولقائه بالأطراف المعنية، لم تسفر عن اختراق جوهري، مرجعة ذلك إلى امتناع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، عن الوفاء بالالتزامات المطلوبة لمواصلة المسار التفاوضي.
رفض إقامة دولة الفلسطينية
في غضون ذلك، انعكست السخونة الانتخابية على تصريحات قادة الأحزاب؛ إذ أكد نتنياهو في بيان أنه "ما دام في منصبه لن تقام دولة فلسطينية تسيطر عليها إيران، لا في غزة ولا في الضفة الغربية"، بحسب تقرير نشرته جريدة "معاريف" الإسرائيلية.

ولم تكن هذه المرة الأولى التى يعلن فيها نتنياهو رفضه إقامة دولة فلسطينية، حيث أكد ذلك فى وقت سابق عندما رفض خطة مؤلفة من 15 بندا طرحها مجلس السلام الذي شكله ترامب بشأن السلام فى غزة.
وفي السياق ذاته، تبنى رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق والرئيس الحالي لحزب "يشار" جادي آيزنكوت مواقف مشابهة بشأن عدم إقامة دولة فلسطينية في أي حكومة مقبلة.
وشدد آيزنكوت على أن الحكومة التي يسعى لتشكيلها لن تشهد ولادة أي كيان سياسي فلسطيني، مما يظهر تقاطعا في المواقف الجوهرية مع نتنياهو رغم الخصومة السياسية.
وتأتي هذه التصريحات المتشددة من الجانبين ردا على مواقف أعلنها منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، الذي أعيد انتخابه مؤخرا؛ حيث أكد عباس أن الدولة الفلسطينية هي حقيقة قائمة ومعترف بها من قبل أغلبية دول العالم، مشددا على ضرورة انتزاع اعتراف رسمي بها من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
مرونة لافتة من فصائل المقاومة الفلسطينية
وفي المقابل، تؤكد الفصائل اففسطينية أنها أبدت مرونة واستعدادا تاما للتعامل الإيجابي مع خارطة الطريق المطروحة، والتي تشمل معالجة ملف السلاح وإرساء آليات الإدارة المستقبلية للقطاع.

وشددت الأطراف الفلسطينية على أنها قدمت خطوات ملموسة في ملفات بالغة الحساسية، في حين تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي خروقاتها، مما يضع الوسطاء أمام مأزق حقيقي في إتمام الترتيبات المتفق عليها مسبقا، بحسب "المركز الفلسطيني للإعلام".
انعكاسات إنسانية ومستقبل غامض
ويحذر المراقبون من أن استمرار تعطل الانتقال للمرحلة الثانية ينعكس سلبا على مسار الاستقرار، وجهود إعادة الإعمار، في وقت يواصل فيه سكان قطاع غزة دفع الفاتورة باهظة الثمن نتيجة هذا التأخير المستمر؛ حيث ارتكب الاحتلال الإسرائيلي 4379 خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار منذ بدء سريانه في 10 أكتوبر 2025، أسفرت عن استشهاد 1286 فلسطينيًا وإصابة 4257 آخرين، فيما اعتقلت قوات الاحتلال 180 فلسطينيا خلال فترة الاتفاق، وفق تقرير أصدره المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة.
وعلى صعيد المساعدات الإنسانية، كشف التقرير أن 66 ألف و607 شاحنة مساعدات دخلت إلى قطاع غزة منذ بدء الاتفاق من اصل 189 ألف شاحنة كان يفترض دخولها بنسبة 32.2% فقط، ما يعكس استمرار القيود المفروضة على تدفق الاحتياجات الإنسانية إلى سكان القطاع.

وشدد التقرير على ضرورة تدخل الوسطاء والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار بإلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ جميع بنود الاتفاق ووقف خروقاته المستمرة، بما يشمل وقف الاستهدافات الإسرائيلية وتمكين دخول المساعدات الإنسانية وضمان حركة السفر عبر معبر رفح.
لماذا لا تصمد اتفاقات السلام في غزة؟
يرى مسؤول أبحاث وبيانات في برنامج أبحاث السلام والنزاعات التابع لجامعة إدنبرة في اسكتلندا آدم فاركوهار أن تعثر اتفاقات وقف إطلاق النار وخطط السلام المتعاقبة في غزة يرتبط أيضًا بغياب آلية واضحة وملزمة تضمن مراقبة تنفيذ الاتفاقات، وتحديد المسؤول عن الخروقات، والفصل في النزاعات التي تنشأ بين الأطراف.
ويشير فاركوهار في مقال نشره بعنوان "لماذا لا تصمد اتفاقات السلام في غزة؟" في منصة "ذا كونفرسيشن" إلى أن التوصل إلى اتفاق مستدام في غزة يتطلب وجود جهة تحكيم تحظى بقبول الأطراف قبل بدء التنفيذ، وآلية واضحة للتعامل مع الخروقات، إلى جانب دور فاعل للدول الإقليمية الضامنة وترتيبات سياسية تمنح الفلسطينيين دورًا حقيقيًا في إدارة مستقبل القطاع.
ويشدد الكاتب على أن عدم معالجة هذه القضايا، سيجعل اتفاقيات التهدئة تدور في فلك لا ينتهي، باعبارها "مجرد اتفاقات مؤقتة، ثم خلاف حول التنفيذ، يليه انهيار للهدنة وعودة إلى دائرة الصراع".
وفي المحصلة، يبقى المشهد الفلسطيني مفتوحا على عدة سيناريوهات محكومة بمحددات أساسية تشمل سقف الضغط الخارجي، ومدى قدرة الوسطاء على إلزام الاحتلال بتعهداته، ومآلات التوازنات السياسية الداخلية؛ فيما يواصل الفلسطينيون في غزة والضفة دفع فاتورة التشدد السياسي سواء بقي نتنياهو في السلطة أو رحل.




