رئيس التحرير
عصام كامل

إبراهيم سالم محمدين وأحمد عز..

لماذا نصر على قراءة قصة الدخيلة من منتصفها؟

18 حجم الخط

قد يكون أقسى أنواع الظلم أن يُختزل تاريخ رجل في أكثر سنوات حياته اضطرابًا، وأن تُمحى عقود من البناء لأن الجدل كان أكثر صخبًا من الإنجاز.

متلازمة منتصف القصة

هناك قصص في التاريخ الاقتصادي المصري تحولت مع مرور الوقت إلى روايات مبسطة للغاية، رغم أن حقيقتها أكثر تعقيدًا وثراءً. ومن بين هذه القصص، قصة شركة الإسكندرية الوطنية للحديد والصلب "الدخيلة"، التي أصبحت في الوعي العام مرتبطة بأسماء وصراعات سياسية واقتصادية معينة، بينما تراجع إلى الخلف تاريخ طويل من التأسيس والبناء والعمل المؤسسي.

 

وأنا أكتب هذا المقال، أُدرك أنني لا أكتب من موقع المراقب المحايد تمامًا، فأنا حفيد المهندس إبراهيم سالم محمدين. لكنني أكتب أيضًا من موقع الباحث الذي يزعجه أن تتحول الذاكرة الوطنية إلى أرشيف انتقائي نحفظ منه الفصل الأخير، وننسى المقدمة ولب الرواية.

الذاكرة الانتقائية أخطر من النسيان. النسيان يمحو، أما الانتقائية فتشوّه. وعندما نبدأ قراءة أي قصة من منتصفها، فإننا غالبًا ما نصل إلى حكم غير مكتمل، وربما غير عادل.

من هو إبراهيم سالم محمدين قبل "الدخيلة"؟

قبل أن يرتبط اسمه بملف قضائي أو جدل إعلامي، كان اسم إبراهيم سالم محمدين مرتبطًا بالمصانع وخطوط الإنتاج. أمضى الرجل عقودًا طويلة في قلب الصناعة المصرية، بدءًا من المواقع التنفيذية الأولى وصولًا إلى قيادة مشروعات صناعية استراتيجية. وكان ينتمي إلى جيل آمن بأن التصنيع ليس نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا يرتبط بقدرة الدولة على الإنتاج والاستقلال والتنمية.

 

لم يكن رجل أعمال يبحث عن تعظيم استثماراته الخاصة، بل كان ابن مدرسة الإدارة الصناعية التي نشأت داخل مؤسسات الدولة المصرية. مدرسة اعتبرت أن بناء المصنع لا ينفصل عن بناء الإنسان الذي يديره ويشغله.

ولهذا ارتبط اسمه بتدريب الكوادر الفنية ونقل الخبرات والتوسع في الاعتماد على المهندسين والفنيين المصريين في تشغيل الصناعات المعقدة.

أثر يتجاوز الدخيلة

قد يكون من الظلم اختزال سيرة إبراهيم سالم محمدين في مشروع الدخيلة وحده، لأن أثره امتد إلى ما هو أبعد من شركة واحدة.
فالرجل كان جزءًا من جيل ساهم في ترسيخ مفهوم الصناعة الثقيلة كأحد أعمدة التنمية الاقتصادية المصرية. وخلال مسيرته شارك في إدارة وتطوير مؤسسات صناعية كبرى، وأسهم في إعداد كوادر أصبحت لاحقًا جزءًا من القيادات الفنية والإدارية في قطاع الصناعة.

 

إن إرث القيادات الصناعية لا يقاس فقط بعدد المصانع التي أُنشئت أو بحجم الإنتاج الذي تحقق، بل أيضًا بقدرتها على بناء مؤسسات تستمر بعد رحيل أصحابها. ومن هذه الزاوية، فإن الإرث الحقيقي لمحمدين لا يتمثل فقط في منشآت قائمة، بل في خبرة مؤسسية وإنسانية امتدت لأجيال لاحقة.

من أين بدأت قصة الدخيلة حقًا؟

حين تأسست شركة الإسكندرية الوطنية للحديد والصلب "الدخيلة" عام 1982، لم تكن مشروعًا تقليديًا. كانت مشروعًا استراتيجيًا استهدف تقليص الفجوة بين احتياجات السوق المصرية من الحديد والصلب وبين الطاقة الإنتاجية المتاحة محليًا. واعتمد المشروع على شراكة ضمت مؤسسات مصرية وشركاء دوليين وهيئات تمويل وتنمية.

 

وخلال سنوات تشغيله الأولى، أصبح المشروع واحدًا من أكبر مشروعات الصلب في المنطقة، معتمدًا على تكنولوجيا الاختزال المباشر باستخدام الغاز الطبيعي، وهي تقنية كانت تمثل آنذاك أحد أكثر الأساليب تطورًا في صناعة الحديد والصلب.

ماذا تقول الوثائق الدولية؟

بعيدًا عن السجالات السياسية والخصومات التي جاءت لاحقًا، تبقى الوثائق الدولية المنشورة واحدة من أكثر الوسائل موضوعية لفهم حقيقة وضع شركة الدخيلة في نهاية التسعينيات.

ففي تقرير تقييم مشروع الدخيلة، سجل البنك الدولي أن الشركة حققت أداءً إنتاجيًا ممتازًا رغم التحديات التي واجهتها أسواق حديد التسليح الدولية، كما انتهى التقرير إلى أن نتائج المشروع كانت مرضية وأن استدامته كانت مرجحة. https://documents1.worldbank.org/curated/en/279231468770094755/pdf/multi0page.pdf

 

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها لا تصدر عن إدارة الشركة أو مساهميها أو خصومها، وإنما عن مؤسسة دولية تابعت المشروع منذ مراحل تنفيذه الأولى. https://documents1.worldbank.org/curated/en/279231468770094755/pdf/multi0page.pdf

 

أما الوثيقة الثانية، فجاءت من شركة Kobe Steel اليابانية، إحدى أكبر الشركات العالمية المتخصصة في تكنولوجيا الحديد والصلب. ففي 12 فبراير 1998 أعلنت الشركة حصولها، بالاشتراك مع شركة Tomen Corp على عقد جديد من شركة الدخيلة بقيمة 105 ملايين دولار لإنشاء وحدة اختزال مباشر من طراز  MIDREX  بطاقة إنتاجية تبلغ 800 ألف طن سنويًا من الحديد المختزل المباشر.  (https://www.kobelco.co.jp/p001/pr980212e.htm)

 

والأهم من قيمة العقد نفسه هو ما ورد في البيان عن أداء المصنع. فقد أشارت الشركة اليابانية إلى أن الوحدة الأولى، منذ تشغيلها عام 1986، كانت تحقق مستويات إنتاج مرتفعة، وأن الطلب القوي على الصلب هو الذي دفع الدخيلة إلى إنشاء وحدة ثانية عام 1995 قبل الانتقال إلى تنفيذ الوحدة الثالثة.(https://www.kobelco.co.jp/p001/pr980212e.htm)

 

كما أوضح البيان أن شركة الدخيلة كانت آنذاك مملوكة بنسبة 65% للحكومة المصرية ومؤسساتها، و14% للعاملين المساهمين، و10% لشركات يابانية، و5% لمؤسسة التمويل الدولية IFC التابعة للبنك الدولي، بينما كان المهندس إبراهيم سالم محمدين يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة.(https://www.kobelco.co.jp/p001/pr980212e.htm)

 

لا تعني هذه الوثائق أن الشركة كانت بلا مشاكل أو تحديات، فكل مشروع صناعي كبير يواجه أزمات تمويل وأسواق ودورات اقتصادية مختلفة. لكنها تؤكد حقيقة محددة: أن الدخيلة لم تكن مشروعًا غائبًا عن الرؤية الدولية أو مصنعًا متوقفًا ينتظر من يبعث فيه الحياة، بل شركة كانت محل متابعة من مؤسسات تمويل عالمية وشركاء صناعيين دوليين في وقت كانت تخطط فيه لمراحل توسع جديدة. (https://www.kobelco.co.jp/p001/pr980212e.htm)(https://documents1.worldbank.org/curated/en/279231468770094755/pdf/multi0page.pdf)

 

وإذا كانت شركة الدخيلة تحقق أداءً إنتاجيًا وصفه البنك الدولي بالممتاز، وتجذب شريكًا تكنولوجيًا عالميًا لتوقيع عقد توسعة بقيمة 105 ملايين دولار، وتستعد لمراحل إنتاجية جديدة، فهل يصح اختزال تاريخها كله في الصراعات التي نشأت بعد ذلك بسنوات؟

تحذير لم يُسمع: الصدام الأول

هنا تظهر واحدة من أكثر المحطات أهمية في تاريخ الشركة. فبحسب ما نُشر لاحقًا من شهادات ومقابلات صحفية، فإن المهندس إبراهيم سالم محمدين لم يكن من المؤيدين لمسار دخول مستثمر يمتلك بالفعل مصنعًا لحديد التسليح إلى هيكل ملكية الشركة.

 

وقد نُقل عنه قوله إن هذا المسار قد يؤدي إلى تعزيز الاحتكار في السوق، وإنه لم يكن مرتاحًا للصفقة من الأساس. وبحسب الرواية التي قدمها، فقد تمت مناقشة بدائل تمويل أخرى داخل اللجان المختصة آنذاك، قبل أن يتم الاستقرار على مسار مختلف.

 

وبغض النظر عن الموقف من تلك الرواية، فإن أهميتها تكمن في أنها تقدم محمدين بوصفه طرفًا متحفظًا على بعض القرارات، لا مجرد شريك صامت فيها. وفي مارس 2000 اختار مغادرة موقعه التنفيذي، لتنتهي مرحلة كاملة من تاريخ الدخيلة، وتبدأ مرحلة أخرى مختلفة في طبيعتها وهيكلها وأسلوب إدارتها.


التأسيس شيء.. والسيطرة شيء آخر

ربما يكون الخلط بين هاتين النقطتين هو أصل كثير من سوء الفهم الذي أحاط بالدخيلة. فمن غير الدقيق القول إن أحمد عز أنشأ الدخيلة. ومن غير الدقيق أيضًا إنكار أن المرحلة اللاحقة شهدت توسعات ونموًا وتغيرات مؤثرة في هيكل الشركة وموقعها داخل السوق.

 

الحقيقة التاريخية الأقرب للواقع هي أن هناك مرحلتين مختلفتين:

الأولى: مرحلة التأسيس والبناء المؤسسي والتشغيلي.

والثانية: مرحلة التوسع والاستحواذ وإعادة تشكيل سوق الحديد.

وكل محاولة لابتلاع مرحلة داخل الأخرى تُنتج رواية ناقصة.


سنوات الألم

بالنسبة لعائلتي، لا تقف القصة عند حدود الجدل الاقتصادي أو التاريخي. فبعد عام 2011 وجد إبراهيم سالم محمدين نفسه في مواجهة سنوات صعبة من التحقيقات والقضايا والتغطيات الإعلامية المتلاحقة.

ولا أقول ذلك اعتراضًا على مبدأ المساءلة، فالمساءلة حق أصيل لأي مجتمع يحترم القانون. لكن ما ظل يؤلمني شخصيًا أن صورة رجل ارتبط لعقود بالبناء الصناعي أصبحت تُختزل أحيانًا في سنواته الأخيرة فقط، وكأن كل ما سبقها قد اختفى من الذاكرة.

عاش الرجل سنواته الأخيرة تحت ضغط نفسي وقانوني كبير، ثم رحل عام 2018 تاركًا خلفه أسئلة لم تُحسم بعد في الوعي العام، حتى لو انتهت مساراتها القانونية.


أسئلة ما زالت مفتوحة

بعد أكثر من عقدين على تلك الأحداث، ما زالت هناك أسئلة تستحق النقاش:

- لماذا لم تُناقش اعتراضات الإدارة التنفيذية بصورة أوسع في ذلك الوقت؟
- ما الأسباب التي دفعت الدولة إلى تفضيل مسار معين من زيادة رأس المال؟
- هل كانت هناك بدائل تمويل أخرى قابلة للتنفيذ؟
- كيف انتقلت صورة رجل تحفّظ على بعض القرارات إلى أن أصبح في الوعي العام مرتبطًا بها؟

هذه أسئلة لا تقدم أحكامًا مسبقة، لكنها تؤكد أن القصة أكثر تعقيدًا من الرواية المختصرة التي استقرت في أذهان كثيرين.
 

الذاكرة الوطنية ودورها

نحن كمجتمعات نميل أحيانًا إلى تبسيط التاريخ بشكل مفرط. نبحث عن بطل كامل أو مذنب كامل. لكن المؤسسات الكبرى لا يبنيها شخص واحد، كما أن التحولات الاقتصادية الكبرى لا تختزل في اسم منفرد. ولهذا فإن إنصاف إبراهيم سالم محمدين لا يعني اعتباره معصومًا من الخطأ، كما أن نقده لا يبرر محو ما أنجزه.

الإنصاف ببساطة هو أن يُقرأ الرجل في سياقه الكامل، وأن تُراجع تجربته بأكملها، لا أن تُختزل في أكثر فصولها إثارة للجدل.


الخاتمة: لمن نكتب التاريخ؟

لقد رحل إبراهيم سالم محمدين عام 2018، ولم يعد قادرًا على أن يروي روايته أو يدافع عن تاريخه. أما الوثائق فما زالت موجودة، والوقائع ما زالت قابلة للقراءة، والأسئلة ما زالت مطروحة. ولعل الإنصاف الحقيقي لا يكون في أن نتفق جميعًا على تقييم رجل واحد، بل في أن نمنح التاريخ حقه الكامل في أن يُروى كما حدث، لا كما اختصرته العناوين.

فالأمم التي تحترم ذاكرتها لا تبدأ القراءة من قاعة المحكمة، ولا تنتهي عندها. إنها تبدأ من الصفحة الأولى.

الجريدة الرسمية