رئيس التحرير
عصام كامل

تجارة العلماء، تعدد النيات سر مضاعفة الفضائل والأجور

تعدد النيات
تعدد النيات
18 حجم الخط

تعد النيةَ المعيار الأساسي في قبول الأعمال أو ردها، وأن إخلاص النية وتمحِيصها هو ميزان التفاضلِ بين العاملين، ففي الحديث المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" وهذا يقتضي تفاضلَ الأعمالِ وتباينَ أجورها، بحسب صفاء نية العامل ودرجة إخلاصه بها.

ومع وضوح هذا الأصل، فإنه يغيب عن كثير من الناس، فصاروا يؤدون العبادةَ على صورة العادة، ويعملون الأعمال الصالحة دون استحضار للنيات والمقاصد، فقل نصيبهم من الأجور والثواب، وحرموا أنفسهم بركات وفضائل عظيمة.

ونبه العلماء إلى باب عظيم من أبواب الفضل ومضاعفة الأجور، وهو تعدد النيات في العمل الواحد، حتى سموه: تجارة العلماء؛ لأن العالم هو الذي يحسن استحضار المقاصد، ويجمع في العمل الواحد نيات كثيرة، فيتضاعف أَجره، ويعظم ثوابه، وتزداد الفضائل التي يحصلها من غير ما زيادةٍ في العمل..

 النية لغة واصطلاحا

النية في اللغة: هي القصد والعزم تقول: نويت الأمر أي: قصدته وعزمت عليه 

واصطلاحًا: قصد القلبِ وعزمه لعمل شيء من الأعمال تقربا إلى الله تعالى.


حكم النية ومحلها

النية واجبة في جميع العبادات، وهي شرط لصحتها وتمييزها..

ومحل النية: القلب فقط، أما التلفظ بالنية واعتماد صيغ معينة فهو من البدع التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكرام.

الحكمة من اشتراطها

الحكمة الأساسية من النية هي تمييز المقصود بالعمل، وتأكيد الإخلاص لله تعالى، فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، في الحديث القدسي الصحيح، يقول الله تعالى: "أنا أغنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشرَك فيه مَعي غيري تَرَكتُه وشِركَه"، وفي الحديث الحسن، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ لا يقبَلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالصًا وابتُغِيَ بِهِ وجْهُهُ"..

كما أن النيةَ هي التي تميز العادات عن العبادات، والمباحات عن القربات: فالأكل لمجرد سد الجوع أو للتلذذ به عادةٌ مباحة.. أمّا الأكلُ بنية التقوّي على طاعة الله فهو قربةٌ وعبادة. 

وكذلك فالنيةُ هي التي تميزُ بين مراتب العبادةِ ودرجاتها: فتفرّقُ بين الفريضة والنافلة، وبين القضاء والنذر، وبين الواجب والمستحب..

آية قرآنية عن النية الحسنة
 الاعمال بالنيات 


أهمية النية وفضلها

أعمالُ القلوب أهمُّ من أعمالِ الجوارح، لأنّ أعمالَ القلوبِ أصلٌ، وأعمالَ الجوارحِ تبعٌ.. والنيةُ أو الإخلاصُ هي أهمُّ وآكدُ وأعظمُ أعمالِ القلوب.. لدخولها في جميعِ الطاعات والعباداتِ، ولما يترتب عليها من القبول والرد..

وهي روح العملِ وميزانُ قبولهِ عند الله، في الحديث الحسن، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ»..

 

وهكذا فالنيةُ إذا صلُحت صلُحَ العمل وقُبِلَ بإذن الله.. وإن فسدت فسد العمل ورد.. ولذا فهي تحتاجُ إلى تعاهدٍ مُستمرٍ، وإلى إصلاحٍ مُتجدد.. ومن هنا نفهم سِرًّا عجيبًا من أسرار التوفيق: فقد يقفُ رجلانِ في الصف نفسه، يصليان الصلاةَ نفسها، يركعان ويسجدان معًا.. إلا أن ما بينهما كما بين السماء والأرض.. ولذا كان خوفُ السلفِ من فساد النيات، أعظمَ من خوفهم من التقصير في الأعمال.. لأنهم علموا أنَّ العمل إذا فسدت نيته، حبِط كلُّه وإن كثر..

 

الفرق بين الأجور والفضائل

ذكرنا أنه مع كل عبادةٍ وإن صغرت، هناك نياتٌ متعددةٌ كثيرة، يمكنُ للمسلم أن يستحضرها فيجني بذلك أجورًا كبيرة، وفضائلَ كثيرة..

والفرقُ بين الفضائل والأجور، أن الأجورَ هي ما يترتب على أداء العمل من كسب للحسنات، وتكفير للسيئات، وأما الفضائلَ فهي ما يترتب على أداء العمل من جوائز وكرامات خلافا لذلك، كمحبة الله ومعيته، والفوز برضاه ورحمته، وحصول البركة والرفعة وتنزل الملائكة، ونحو ذلك من الفضائل والكرامات.

 

تعدد النيات تجارة رابحة 

 

تعدد النياتِ فقه عظيم، وباب خير كبير، والأدلة على مشروعية تعدد النيات كثيرة، منها ما جاء في صحيح البخاري، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفَقَ المُسلِمُ نَفَقةً على أهلِه وهو يَحتَسِبُها، كانَت له صَدَقةً».. وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازلَ الشهداء وإن مات على فراشه".. وفي حديث صحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه".. وفي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم "الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقهُ اللهُ مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصِلُ فيه رحمه، ويعمل لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٌ رزقه الله عِلمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادِقُ النية، يقول لو أنّ لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء".. الحديث.. وغيرها كثير.

 

الجريدة الرسمية