من 2500 جنيه للسرير إلى 12 ألفًا للشقة.. كيف يعيش الطلاب المغتربون أزمة السكن حول جامعة القاهرة؟.. وهذا سر لجوء الشباب إلى العقارات المجاورة للكليات (فيديو وصور)
أصبح السكن أحد أبرز التحديات التي تواجه الطلاب المغتربين الباحثين عن مكان قريب من جامعاتهم، في ظل ارتفاع أسعار الشقق المفروشة، وتحول المناطق المحيطة بالحرم الجامعي إلى سوق نشطة تتنافس فيها العقارات والسماسرة على استقطاب الطلاب.
وفي جولة ميدانية داخل الشوارع والحارات بمنطقة بين القصرين، بالقرب من حرم جامعة القاهرة، رافق مراسل «فيتو» أحد سماسرة الشقق المفروشة، للوقوف على أسعار السكن التي يتحملها الطلاب، والتعرف عن قرب على تفاصيل سوق يبدو فيها التنافس على السرير الواحد لا يقل عن المنافسة على الشقة كاملة.
وخلال الجولة، كشف السمسار عن تفاوت ملحوظ في أسعار الإيجارات، وفقًا لموقع الشقة، ومستوى التشطيب والفرش، وعدد الغرف، ومدى القرب من الجامعة، إلى جانب توافر أجهزة التكييف ومستوى الخدمات داخل العقار.

5 آلاف جنيه شهريًا.. البداية من شقة بفرش متواضع
وأوضح أحمد، أحد سماسرة الشقق المفروشة، أن أسعار بعض الشقق الشعبية، التي تبعد نسبيًا عن الجامعة، تبدأ من نحو 5 آلاف جنيه شهريًا، معتبرًا أن السعر يمثل خيارًا مناسبًا للطلاب مقارنة بمساحة الوحدة وعدد الأسرّة المتاحة.

وتضم إحدى هذه الوحدات غرفتين وثلاثة أسرّة، إلى جانب مطبخ وحمام، بينما يأتي مستوى الأثاث متواضعًا، وقديمًا في بعض الحالات، مع الاعتماد على مراوح الحائط للتهوية.

ومع تحسن مستوى الشقة أو الاقتراب من الجامعة، ترتفع القيمة الإيجارية؛ إذ تبدأ أسعار الشقق ذات المستوى الأفضل من نحو 8 آلاف إلى 9500 جنيه شهريًا، لمساحات متقاربة، فيما يرتفع السعر بصورة أكبر في الوحدات التي تضم غرفًا مكيفة.

12 ألف جنيه للشقة المكيفة.. والسرير بسعر منفصل
أما الطلاب الباحثون عن مستوى أعلى من الراحة، فتبدأ أسعار الشقق التي تضم غرفًا مكيفة من نحو 12 ألف جنيه شهريًا، مع اختلاف القيمة وفقًا لمستوى التشطيب والأثاث وموقع العقار.

وأشار السمسار إلى أن هذه الأسعار، من وجهة نظره، تظل تنافسية مقارنة ببعض العروض الأخرى في المنطقة، موضحًا أن إيجار بعض الغرف المتواضعة لدى سماسرة آخرين قد يصل إلى 4 آلاف جنيه شهريًا.
لكن اللافت في سوق السكن الطلابي أن الطالب ليس مضطرًا بالضرورة إلى استئجار الشقة كاملة؛ إذ يلجأ بعض السماسرة إلى تقسيم الوحدات بين مجموعة من الطلاب، بحيث يحصل كل طالب على سرير ومساحة داخل الغرفة.

وأوضح أحمد أن سعر السرير في المنطقة يبدأ من نحو 2500 جنيه شهريًا، مشيرًا إلى أن السمسار يجمع عددًا من الطلاب الباحثين عن سكن، ثم يوزعهم على الشقق وفقًا لعدد الأسرّة المتاحة.
وبذلك تتحول تكلفة الإيجار من قيمة تُدفع مقابل شقة كاملة إلى تكلفة فردية يتحملها كل طالب، وهو نموذج يفتح مساحة أمام السماسرة لتحقيق عائد من إعادة توزيع الوحدات السكنية واستغلال عدد الأسرّة المتاحة بها.
لماذا لا يختار بعض الطلاب المدينة الجامعية؟
ويبقى السؤال الأبرز: إذا كانت المدن الجامعية توفر سكنًا للطلاب بتكلفة أقل بكثير، فلماذا يتجه بعض الطلاب إلى الشقق المفروشة، رغم ارتفاع أسعارها إلى آلاف الجنيهات شهريًا؟
وعندما طرح مراسل «فيتو» السؤال على السمسار، أرجع ذلك، من وجهة نظره، إلى الفارق في مستوى الإقامة والخدمات والمرونة.
وقال إن بعض الطلاب يرون أن مستوى الغرف في المدينة الجامعية لا يقارن بما توفره الشقق الخاصة، مشيرًا إلى أن الطالب قد يحصل في المدينة، بحسب قوله، على سرير مقابل نحو 500 جنيه شهريًا، مع استخدام حمامات مشتركة.
وأضاف أن بعض الطلاب يفضلون السكن الخاص لما يوفره من قدر أكبر من المرونة في نمط الحياة، خصوصًا الطلاب الذين يعملون إلى جانب الدراسة، أو الذين تضطرهم ظروف عملهم إلى العودة إلى السكن في أوقات متأخرة.
بين الدراسة والعمل.. أزمة المواعيد
ولا ترتبط أزمة السكن الطلابي بمستوى الأثاث أو عدد الأسرّة فقط، وإنما تمتد إلى طبيعة حياة الطلاب أنفسهم.
فبعض الطلاب المغتربين يجمعون بين الدراسة والعمل للمساهمة في تحمل نفقات المعيشة، وهو ما يجعل الالتزام بمواعيد دخول وخروج محددة أحد العوامل التي قد تدفعهم، بحسب ما طرحه السمسار خلال الجولة، إلى البحث عن بدائل أكثر مرونة.
وهنا تظهر مفارقة واضحة؛ فالطالب الذي يأتي إلى القاهرة من محافظة أخرى بحثًا عن فرصة تعليمية يجد نفسه أمام خيارات محدودة، بين سكن جامعي منخفض التكلفة لكنه قد لا يلبي جميع احتياجاته من وجهة نظره، وسكن خاص يوفر قدرًا أكبر من الخصوصية والمرونة، لكنه يأتي بتكلفة مالية مرتفعة.
السؤال الأهم.. أين دور المدن الجامعية؟
تكشف جولة «فيتو» عن سؤال يتجاوز مجرد رصد أسعار الشقق المفروشة: لماذا يفضل بعض الطلاب المغتربين السكن الخاص مرتفع التكلفة على السكن الجامعي منخفض القيمة الإيجارية؟
وهل يمكن تطوير المدن الجامعية لتصبح أكثر جذبًا للطلاب، بما يقلل من الفجوة بينها وبين سوق العقارات الخاصة؟
وهل يمكن رفع كفاءة الغرف والأسرّة، وتحسين الخدمات، وتطوير الحمامات والمرافق، إلى جانب وضع آليات أكثر مرونة تراعي ظروف الطلاب الذين يعملون بالتوازي مع دراستهم؟
فإذا كان الطالب يستطيع الحصول على سرير في شقة مفروشة مقابل 2500 جنيه أو أكثر شهريًا، بينما تتاح له إمكانية السكن الجامعي بتكلفة أقل بكثير، فإن الفارق لا يبدو مرتبطًا بالسعر وحده، وإنما بعوامل أخرى تشمل جودة الخدمة والخصوصية والمرونة وموقع السكن.
سوق السكن.. معادلة صعبة أمام الطالب المغترب
يبقى سوق الإيجار بالقرب من الجامعات نموذجًا واضحًا للتحديات التي يواجهها الطالب المغترب، الذي يحاول الموازنة بين إمكانياته المادية واحتياجاته اليومية ومتطلبات الدراسة والعمل.
وفي الوقت الذي يجد فيه السمسار فرصة تجارية في تجميع الطلاب وتقسيم الشقق إلى أسرّة، يظل السؤال مطروحًا أمام الجهات المعنية بالمدن الجامعية: هل يمكن توفير سكن جامعي أكثر جودة ومرونة، بحيث لا يضطر الطالب إلى تحمل آلاف الجنيهات شهريًا بحثًا عن مكان مناسب وقريب من جامعته؟
ولا تضع جولة «فيتو» جميع المدن الجامعية أو السماسرة في إطار واحد، وإنما ترصد نموذجًا من سوق السكن المحيط بالجامعات، وتطرح تساؤلات حول أسباب اتساع الفجوة بين السكن الجامعي وسوق العقارات الخاصة، وما إذا كان تحسين مستوى الخدمات والمرونة داخل المدن الجامعية يمكن أن يسهم في إعادة جذب الطلاب إليها.


