إيبولا يخرج عن السيطرة.. أكثر من 4 آلاف إصابة في الكونغو الديمقراطية.. النزاعات المسلحة تعرقل احتواء سلالة "بونديبوجيو".. والصحة العالمية تحذر من كارثة
أعلنت السلطات الصحية في جهورية الكونغو الديمقراطية، اليوم الجمعة، ارتفاع عدد الإصابات المؤكدة بفيروس إيبولا إلى أكثر من 4 آلاف حالة، وذلك للمرة الأولى منذ بدء تفشي الوباء في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من اتساع رقعة الوباء وسط استنزاف حاد لقدرات النظام الصحي على رصد الإصابات وعلاجها، وهو ما أسهم في تأخر اكتشاف التفشي الحالي.
وفي تقرير سابق، حذر موقع "نيتشر أفريقا" من أن النزاعات الداخلية والإقليمية المسلحة تشكل أحد أبرز العوائق أمام وصول فرق الاستجابة إلى المناطق المتضررة، ما يجعل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ولو بصورة مؤقتة، ضرورة ملحة لتمكين العاملين في القطاع الصحي من الوصول إلى بؤر التفشي واحتواء المرض.
ويأتي ذلك في ظل انتشار سلالة "بونديبوجيو" من فيروس إيبولا، وهي واحدة من السلالات الست المعروفة للفيروس، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى منطقة بونديبوجيو في أوغندا حيث رصدت لأول مرة، وتعرف بارتفاع معدل الوفيات بين المصابين بها، الأمر الذي يزيد من تعقيد جهود الاستجابة الصحية، وتعد إحدى السلالات الأربع الرئيسية المسببة لحمى إيبولا النزفية.
تحذيرات أممية من تفشي وباء إيبولا
وأمس الخميس 6 أغسطس 2026، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يتسارع بوتيرة تفوق قدرات الاستجابة الصحية، في ظل استمرار ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات، واتساع نطاق انتقال العدوى داخل المجتمعات المحلية.
وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، إن انتشار المرض بات يسبق الجهود المبذولة لاحتوائه، مطالبا بتوسيع نطاق التدخلات الصحية وتسريع عمليات اكتشاف الحالات وعزل المصابين وتتبع الأشخاص الذين خالطوهم.

وتواجه فرق الاستجابة صعوبات في الوصول إلى جميع المصابين والمخالطين، خاصة أن نسبة كبيرة من الإصابات الجديدة تكتشف بين أشخاص لم يكونوا مدرجين على قوائم المراقبة الصحية، ما يشير إلى استمرار انتقال الفيروس داخل المجتمعات بعيدًا عن أنظمة الترصد التقليدية.
الحروب عنصر أساسي في تفشي إيبولا
وفي رسالة سابقة، قال جيبريسوس في رسالة وجهها إلى شعب جمهورية الكونغو الديمقراطية: "يموت أشخاص جراء الإصابة بالإيبولا بينما كان يمكن تجنب وفاتهم؛ فالأطفال مرضى والأسر تعاني. ولا توجد قضية أو نزاع أو مظلمة تبرر الحكم على الأبرياء بالموت بسبب مرض يمكن الوقاية منه. إن وقف إطلاق النار، ولو كان مؤقتا، من شأنه أن ينقذ الأرواح".
تتفق تصريحات المدير العام لمنظمة الصحة العالمية مع دراسات تشير إلى إن الأمراض المعدية الفتاكة -إذا تركت دون علاج أو احتواء- يمكن أن تدمر الاقتصادات والمجتمعات؛ غير أنه يمكن كبح جماحها إذا تضافرت جهود الباحثين والممارسين الصحيين وصناع السياسات وتحركوا بسرعة. وهي حقيقة لا ينبغي للقادة الأفارقة والعالميين أن يغفلوها، وفق "نيتشر أفريقا".
التحركات السكانية الواسعة
يتركز الجزء الأكبر من الإصابات في مقاطعة إيتوري شرقي الكونغو الديمقراطية، وهي منطقة تعاني منذ سنوات من النزاعات المسلحة والنزوح وضعف البنية التحتية والخدمات الصحية.
وتؤدي التحركات السكانية الواسعة، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، ونقص المرافق الطبية ومعدات الوقاية، إلى إبطاء عمليات الفحص والعزل وتتبع المخالطين. كما تأثرت الاستجابة بإضرابات نفذها عاملون في القطاع الصحي احتجاجًا على تأخر صرف الرواتب والمستحقات، ما تسبب في ضغوط إضافية على مراكز العلاج.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن احتواء التفشي يتطلب حماية العاملين الصحيين، وضمان انتظام أجورهم، وتحسين ثقة السكان المحليين في فرق الاستجابة، إلى جانب إشراك القيادات المجتمعية في حملات التوعية والإبلاغ المبكر عن الحالات المشتبه بها.
تداعيات النزاعات المسلحة والنزوح المستمر
وبحسب تقارير إعلامية، تتركز غالبية الإصابات في مقاطعة إيتوري شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي منطقة تعاني منذ سنوات من تداعيات النزاعات المسلحة والنزوح المستمر، إلى جانب تدهور البنية التحتية وضعف الخدمات الصحية، ما يزيد من صعوبة احتواء تفشي المرض.
وتسهم حركة النزوح الواسعة وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، فضلا عن نقص المرافق الطبية ومعدات الوقاية، في إعاقة عمليات الفحص والعزل وتتبع المخالطين. كما واجهت جهود الاستجابة تحديات إضافية بسبب إضرابات نفذها عاملون في القطاع الصحي احتجاجا على تأخر صرف رواتبهم ومستحقاتهم، الأمر الذي زاد الضغوط على مراكز العلاج.
وتتطلب السيطرة على التفشي تتطلب توفير الحماية للعاملين في القطاع الصحي، وضمان صرف مستحقاتهم بانتظام، وتعزيز ثقة السكان المحليين بفرق الاستجابة، إلى جانب إشراك القيادات المجتمعية في حملات التوعية والإبلاغ المبكر عن الحالات المشتبه بإصابتهان بحسب منظمة الصحة العالمية.
لماذا يثير التفشي الحالي قلق الخبراء؟
ينتقل فيروس إيبولا عبر سوائل الجسم للمصابين، مثل اللعاب والدم والعرق والسوائل الجنسية. ويعد العاملون في القطاع الصحي وأفراد العائلة الذين يعتنون بالمرضى، وكذلك المشاركون في عمليات الدفن، الأكثر عرضة للإصابة.
ويتطلب احتواء التفشي توفير معدات الوقاية الشخصية للعاملين، إلى جانب تتبع المخالطين وعزلهم قبل انتقال العدوى. وقد تم احتواء تفشيات سابقة، ما يعني أن التحدي لا يتعلق بالمعرفة بقدر ما يتعلق بتوفر الموارد والكوادر والبنية اللوجستية، بحسب رئيسة قسم الصحة العامة العالمية في كلية الطب بجامعة إدنبرة البريطانية ديڤي سريدهار.
وتقول سريدهار: هناك عوامل إضافية تزيد من صعوبة الوضع في الكونغو الديمقراطية، إذ يحدث التفشي في منطقة تعدين تشهد صراعات ونشاطا سكانيا مرتفعا، مع ضعف الثقة بين السكان والسلطات أو الوكالات الدولية. وهذا يجعل تنفيذ حملات التطعيم والخدمات الصحية الأساسية أكثر صعوبة في ظل عدم الاستقرار والعنف.

وتضيف: يقع التفشي أيضا في إقليم إيتوري قرب الحدود مع أوغندا، ما يثير مخاوف من انتقال العدوى إلى مدينة كمبالا، وهي مركز حضري إقليمي كبير، ما سيجعل السيطرة على التفشي أكثر تعقيدًا. وقد أغلقت أوغندا بعض المعابر الحدودية، لكن طول الحدود (نحو 950 كيلومترًا) وحركة السكان يجعل منع الانتشار عبر الحدود أمرا صعبا.
انتقال إيبولا من الخفافيش والقردة إلى الإنسان
وتشير دراسة نشرتها مجلة "ذا لانسيت للأمراض المعدية" أواخر يونيو 2026، إلى ان تفشي المرض الذي امتد إلى أوغندا أصبح يشكل خطرا متزايدا، مع احتمالات وصوله إلى جنوب السودان خلال أسابيع.
وبحسب خبراء، ينتقل إيبولا من الخفافيش أو القردة إلى الإنسان، ثم ينتقل بين البشر عبر الملامسة المباشرة للدم أو سوائل الجسم المختلفة، سواء من الأشخاص المصابين أو المتوفين.
ويحذر باحثون من المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا من أنه، في ظل غياب لقاح معتمد لسلالة "بونديبوجيو"، يتعين على الدول المجاورة تعزيز تدابير الصحة العامة بشكل عاجل، بما في ذلك مراقبة الحدود، وتتبع المخالطين، وممارسات الدفن الآمنة.




