رئيس التحرير
عصام كامل

تفكيك النظام الديكتاتوري

18 حجم الخط

في الوقت الذي يُعلَن فيه عن هزيمة نظام ديكتاتوري ما.. وفق انتخابات حرة ألقت بالديكتاتور في سلة مهملات التاريخ، يصبح القائد المنتصر أمام لحظة تاريخية فاصلة، يدور فيها الصراع حول تساؤل غاية في الخطورة: هل يستخدم قوته التي وصلت به إلى هزيمة الديكتاتورية لبناء مؤسسات ديمقراطية تتجاوزه هو شخصيا أم يحولها إلى سلطة شخصية جديدة تخدم أهدافه؟


وقائع تاريخية كثيرة انتصر فيها القائد القوي وفق ثورة شعبية أو انتخابات جاءت به أو انقلاب، وظل التحدي قائما، هل يلجأ البطل المنتصر إلى بناء نظام لبلاده قد يتجاوزه يوما ما وفق أبجديات الأدوات الديمقراطية التي تعطى السلطة لمن ينجح في تقديم برنامجه، أم يسعى إلى إنتاج نظام أكثر ديكتاتورية.


تلك القضية محل رقابة وملاحظة وتدقيق الآن من الاتحاد الأوربي، الذي لم يخف هواجسه مما يجري على أرض المجر.

 

بعد سقوط حكومة فيكتور أوربان تولى حزب تيشا بقيادة بيتر ماجيار زمام القيادة، وأعلن البدء في تفكيك النظام الديكتاتوري الذي ابتناه أوربان، وحكم به البلاد من 2010 وحتى أبريل الماضي.


الدلائل الأولية مختلطة وشائكة ومثيرة للغموض، ففي الوقت الذي أعلن فيه ماجيار نيته إصلاح الإعلام أحد أدوات أوربان في السيطرة، وانضمام بلاده إلى المدعي العام الأوروبي، للتحقيق في سوء استخدام أموال الاتحاد، باعتبارها واحدة من قضايا الفساد التي يجب عدم إغفالها لا يزال المراقبون يخشون من إعادة إنتاج نظام ديكتاتوري بوجه آخر، يمضي في نفس الطريق.


ويعزي البعض غموض الموقف إلى أن تفكيك ستة عشر عاما من الاستبداد مسألة ليست سهلة، والمضي في طريق التفكيك يعني سنوات أخرى من العمل الجاد، وصولا إلى طريق ديمقراطي، خصوصا وأن الساسة في أوربا أيقنوا أن الانتخابات وحدها لا تصنع نظاما ديمقراطيا، بدليل أن أوربان حكم بما يمكن أن نسميه ديكتاتورية الصندوق.


الفارق كبير بين الاستعادة والاستبدال، كثير من التجارب سقطت فيها أنظمة وفق تحركات جماهيرية كبيرة، أو وفق فوز انتخابي ساحق، ثم تبدلت الأحوال لاستخدام هذا الانتصار الساحق في إنتاج نظام ديكتاتوري يتحكم في مفاصل الدولة، ويصنع نموذجا يعد تفكيكه مسألة أصعب من بنائه، والسؤال: ماهي أدوات النظام الديكتاتوري في السيطرة؟

 

بدايات أوربان خلق مؤسسات غير مستقلة مثل المحكمة الدستورية، وكيان النائب العام والسيطرة الكاملة على الإعلام، سواء الإعلام الرسمي أو الخاص الذي وزعه على رجال أعمال ينتمون للنظام الديكتاتوري.


أيضا يقوم النظام الديكتاتوري على خلق طبقة من رجال أعمال تستفيد بشكل مباشر منه، ويدين بالولاء لها، ويحظى بالحماية والامتيازات، وإسناد الأعمال بالأمر المباشر، كما يقوم النظام الاستبدادي بخلق طبقة من الفساد والفاسدين، طبقة يمكنها أن تقوم بأدوار لا يستطيع النظام القيام بها.


وعند البدء في فتح المجال للتغيير لا يمكن تصور أن كل هذه المؤسسات ستقف لتنتظر زوالها وضياع مكتسباتها، بالطبع ستقاوم إيما مقاومة، وستصنع الكثير من الأزمات، خصوصا وأنها تمددت وأصبحت جزءا من نظام الحياة وأحد أهم أسسه الاقتصادية.


وما بين العمليات الإصلاحية وأدوات مقاومتها، تمر البلاد بأوضاع حساسة، وأزمات خانقة قد تؤدى إلى ما هو أبعد من تحقيق حلم التفكيك، إذ قد تنقلب الجماهير الحالمة بالتغيير باضطرابات صعبة قد تؤدى إلى واد الحلم، وهو ما تسعى إليه دوما الدولة العميقة وأصحاب المصالح الجدد.

المهم أن ما يجري داخل دولة المجر من معارك البدء في تفكيك النظام الديكتاتوري، يؤكد أن فكرة سقوط نظام لا تعني بالضرورة بزوغ شمس الحرية، وأن انتخابات حرة ونزيهة لا يعني أن نظاما ديمقراطيا قد يحل محل النظام الاستبدادي، المسألة أعقد من ذلك، ولا يجب الاستسلام لمظاهر براقة، دون البدء في تفكيك الأدوات والجماعات والمؤسسات التي قد تعود لتنتصر لمصالحها وإعادة إنتاج الاستبداد مرة أخرى.

الجريدة الرسمية