رئيس التحرير
عصام كامل

عسكرة الجامعات الإسرائيلية.. الموساد والشاباك يجندان العملاء داخل قاعات الدراسة.. والمؤسسات الأكاديمية تتحول إلى أذرع للاستخبارات وتبرير جرائم الحرب وملاحقة الطلاب الفلسطينيين

ضباط في جيش الاحتلال
ضباط في جيش الاحتلال داخل إحدى الجامعات
18 حجم الخط

بعد أن أنهت الطالبة هيلا بن ديفيد أداء أغنية "تخيل" للمغني البريطاني جون لينون خلال حفل تخرج طلبة الدكتوراه في جامعة تل أبيب يوم 16 يوليو الماضي، اعتلى المنصة العميد المتقاعد الدكتور داني جولد، رئيس مديرية البحث والتطوير بوزارة الحرب الإسرائيلية، لإلقاء كلمة أمام الخريجين.

وفي محاضرة حملت عنوان "تحويل الرؤية إلى أمن"، استعرض جولد منظومات تسليح إسرائيلية إلى جانب مقاطع مصورة لمنصات إطلاق صواريخ، واعتراضات للدفاع الجوي، وغارات إسرائيلية استهدفت شاحنات في قلب العاصمة الإيرانية طهران.

 كما ظهرت على الشاشة شرائح ترويجية لشركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية الكبرى مثل "إلبيت سيستمز" و"رافائيل"، إلى جانب شركات أصغر مثل "سمارت" و"يونيك إيه 1".

وبحسب تحقيق موسع نشرته  مجلة "972+" الإسرائيلية، ذات التوجهات اليسارية، فقد قاطعت صيحات الاحتجاج وهتافات الاستهجان  كلمة جولد بعد نحو سبع دقائق من بدء العرض، فيما غادر عدد من الخريجين وذويهم القاعة، من بينهم الدكتور جاد كعدان، الذي كان قد حصل للتو على درجة الدكتوراه في الدراسات الثقافية، وكان واحدا من بين 17 طالبا فلسطينيًا نالوا الدكتوراه من الجامعة ذلك العام.

رئيس مديرية الأبحاث والتطوير في وزارة الحرب الإسرائيلية داني جولد يخاطب الطلاب
رئيس مديرية الأبحاث والتطوير في وزارة الحرب الإسرائيلية داني جولد يخاطب الطلاب

وقال كعدان في تصريحات لمجلة "972+": "عندما تستضيف الجامعة جولد، وتجد نفسك فجأة تشاهد مقاطع لإطلاق الصواريخ وصفارات الإنذار وقصف طهران، تدرك أنهم يعاملونك بازدراء ويحاولون إذلالك. إن الاحتفاء بالصناعات العسكرية الإسرائيلية كان صادما بالنسبة لي، خاصة في ظل تصاعد حملات المقاطعة الدولية لإسرائيل".

التباهي بتدمير الصحة النفسية للإيرانيين

وأوضح كعدان أن الاحتجاجات لم تقتصر على الطلبة الفلسطينيين، إذ انضمت شريحة من الحضور إلى الهتافات المنددة بالمحاضرة، بينما رأى أن عرض مشاهد الانفجارات أمام جمهور يضم أشخاصا يعانون من آثار الحرب النفسية كان أمرا غير مناسب، مضيفا: "من اللافت أن تبدأ المراسم بأغنية تتحدث عن عالم بلا حروب، ثم يصعد إلى المنصة ضابط في الجيش الإسرائيلي ليحدثنا عن الحرب.

يعود تاريخ أغنية "تخيل" إلى فترة الحرب الأمريكية على فيتنام، ضمن ألبومه المنفرد الذي يحمل نفس الاسم، وهي تدعو المستمعين إلى تخيل عالم يسوده السلام والوحدة.

عسكرة الجامعات الإسرائيلية 

عقب انتهاء كلمة جولد، أصدر أعضاء في منظمة "أكاديميا من أجل المساواة" رسالة اعتبروا اكدوا فيها أن المشكلة تتجاوز مجرد خطاب غير موفق، معتبرين أن الجامعة تشهد عملية "عسكرة" متزايدة خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، اعترفت إدارة الجامعة لاحقا بأن دعوة جولد كانت "خطأ"، لكنها رفضت الاتهامات المتعلقة بعسكرة المؤسسة، ووصفتها بأنها "افتراءات" تهدف إلى دعم حملات مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، حسب زعمها.

وفي المقابل، تؤكد مجلة "+972" في تحقيقها أن "علاقة جامعة تل أبيب بالمؤسسة الأمنية أصبحت أوثق خلال السنوات الأخيرة، بدءا من الشراكات مع جييش الاحتلال الإسرائيلي، وصولا إلى جهود استقطاب الطلبة للعمل في جهاز الأمن الداخلي "الشاباك".

توظيف المعرفة باللغة العربية لخدمة أجهزة الأمن

تقول المجلة: قبل نحو شهر من الجدل الذي أثارته كلمة جولد، دعا مركز التطوير المهني في الجامعة طلبة قسمي التاريخ الشرق أوسطي والإفريقي، واللغة العربية والدراسات الإسلامية، إلى لقاء مهني مع ممثل عن جهاز "الشاباك". وجاء في رسالة الدعوة أن مسؤولا سابقا رفيع المستوى في الجهاز سيشارك في جلسة مفتوحة حول العمليات السرية وتحديات العمل الاستخباراتي، مع التأكيد على أهمية إتقان اللغة العربية ومعرفة العالمين العربي والإسلامي في العمل الأمني.

جناح لجهاز الاستخبارات الإسرئيلية
جناح لجهاز الاستخبارات الإسرئيلية "الشاباك" في معرض للتوظيف بجامعة تل أبيب عام 2023

وقال طالب الماجستير في الدراسات العربية والإسلامية محمد مصاروة: إن الدعوة تعكس نظرة أمنية لدراسة اللغة العربية، معتبرا أن الرسالة الضمنية هي توظيف المعرفة باللغة والثقافة العربية لخدمة أجهزة الأمن. وأضاف أنه لم يتلق الدعوة بنفسه، كما لم يتلقها أي من الطلبة الفلسطينيين الذين يعرفهم في القسم، ما أثار تساؤلات حول آلية اختيار المدعوين.

تجنيد الطلاب لصالح الموساد والشاباك

وتضيف المجلة: ينفي مسؤولون في القسم الأكاديمي وجود علاقة مباشرة لهم بالمبادرة، مؤكدين أن تنظيم الفعالية كان من اختصاص مركز التطوير المهني في الجامعة، فيما أوضحت الإدارة أن هذه اللقاءات تهدف إلى تعريف الطلبة بفرص العمل في القطاعين العام والخاص، وأنها لا تشكل جزءًا من المناهج الدراسية. ورغم إلغاء اللقاء لاحقا بسبب ضعف الإقبال، فإن عمليات استقطاب الطلبة من قبل "الشاباك" و"الموساد" داخل الجامعات الإسرائيلية ليست جديدة، بل وثقتها تقارير سابقة.

ويرى عدد من الأكاديميين أن العلاقة بين أقسام الدراسات العربية والشرق أوسطية في الجامعات الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية تعود إلى بدايات قيام الكيان الإسرائيلي، ففي ستينيات القرن الماضي، دمجت جامعة تل أبيب "معهد شيلواح"، وهو معهد استخباراتي تابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي، بقسم الدراسات الشرق أوسطية. ويؤكد باحثون أن هذا الارتباط أصبح أكثر وضوحا منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية والحرب الأخيرة على إيران، بعدما كان يدار سابقا بدرجة أكبر من السرية، بحسب مجلة "972+".

بن جوريون يخاطب أعضاء
بن جوريون يخاطب أعضاء "معهد شيلواح" الاستخباراتي قبل تحوله إلى "مركز موشيه ديان" بجامعة تل أبيب

وتقول المجلة: توسعت الروابط المؤسسية بين الجامعة والجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة. فمنذ عام 2023 أطلقت الجامعة برنامج "إيريز"، الذي يتيح لمئات المرشحين للعمل ضباطا في الوحدات القتالية الحصول على درجة البكالوريوس قبل الالتحاق بالتدريب العسكري. وبعد اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، بدأ جنود مسلحون بالزي العسكري يحضرون المحاضرات بشكل منتظم داخل الحرم الجامعي، الأمر الذي أثار مخاوف بعض أعضاء هيئة التدريس، خاصة فيما يتعلق بتأثير ذلك على الطلبة الفلسطينيين.

اختراق استخباراتي إسرائيلي واسع النطاق

وامتدت الشراكة مع المؤسسة الأمنية إلى قطاع التكنولوجيا، من خلال لابرنامج ينفذه جهاز "الشاباك" لدعم الشركات الناشئة، ويوفر تمويلا ومنشآت عمل وفرصا لتطوير تقنيات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطائرات المسيرة والاستطلاع، بهدف تعزيز القدرات الأمنية الإسرائيلية. كما تستعد الجامعة لاستضافة برنامج "هافاتسالوت" المخصص لتأهيل عناصر الاستخبارات العسكرية أثناء دراستهم الجامعية.

ويورد التحقيق الذي نشرته مجلة "972+" حادثة وقعت في مايو 2025، عندما زودت إدارة الجامعة جهاز "الشاباك" بالبيانات الشخصية لطالب فلسطيني اشتبهت في قيامه برش شعارات مناهضة للحرب على غزة على أجنحة مخصصة لـ"الشاباك" وشركة "إلبيت" خلال معرض للتوظيف داخل الحرم الجامعي، في مشهد يعكس تحول الجامعة إلى أداة بيد الأجهزة الاستخباراتية الإسرئيلية بهدف مراقبة الطلاب الفلسطينيين وترهيبهم.

الجريدة الرسمية