رئيس التحرير
عصام كامل

قبل ساعات من ذكرى تأميم قناة السويس، كيف حسب عبد الناصر ثمن المخاطرة وأطاح بـ"الامتياز الأجنبي"؟

جمال عبد الناصر،
جمال عبد الناصر، فيتو
18 حجم الخط

تحل غدًا ذكرى واحدة من أجرأ اللحظات الفاصلة في تاريخ مصر الحديث؛ ففي مثل غدٍ من عام 1956، ومن ميدان المنشية بالإسكندرية، ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطابه التاريخي الحاسم، معلنًا تأميم قناة السويس شركة مساهمة مصرية، والقرار لم يكن مجرد رد فعل غاضب على سحب الولايات المتحدة والبنك الدولي تمويل السد العالي، بل كان لحظة الانعتاق الكبرى من وثيقة الامتياز الأجنبي التي أثقلت كاهل مصر لما يقرب من قرن، ليعيد كتابة خريطة السيادة الوطنية ويمهد لولادة عهد جديد في تاريخ الشرق الأوسط والعالم الثالث.

قصة شق قناة السويس 

وتعود قصة القناة إلى عام 1854 عندما منح الخديوي سعيد المهندس الفرنسي فرديناند دي لسبس امتياز حفر القناة، ليبدأ شقاء العمال المصريين تحت نظام السخرة الذي أودى بحياة العشرات من أبناء البلاد. ورغم أن مصر قدمت الأراضي والأيدي العاملة ومعظم رأس المال، إلا أن القواعد الاستعمارية وسوء الإدارة المالي أديت إلى بيع مصر حصتها من الأسهم لتغطية الديون، لتتحول القناة إلى دولة داخل الدولة، تجني منها الشركة البحرية العالمية الأرباح الهائلة، بينما لا ينال أصحاب الأرض سوى فتات العائدات، تحت حراسة القواعد العسكرية البريطانية في منطقة القناة.

حسب خبراء قرار عبد الناصر بالتأميم لن يكن قفزة في المجهول، بل جرى حسابه وفق معادلة استراتيجية دقيقة ومخاطرة محسوبة؛ حيث أدرك عبد الناصر أن الغرب لن يسمح بتمويل السد العالي لبناء نهضة مصر الصناعية والزراعية، فكان البديل هو استعادة عوائد القناة لتمويل المشروع.

وقدر عبد الناصر ردود الفعل الدولية، متوقعًا المواجهة العسكرية الأنجلو-فرنسية، لكنه اعتمد على تغير موازين القوى العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي، وموقف حركة عدم الانحياز، فضلًا عن ثقته في كفاءة المرشدين المصريين لإدارة الملاحة وإفشال رهان الغرب على عجز مصر عن إدارة الشريان المائي.

وكان الثمن الذي دفعته مصر بسبب هذه المخاطرة باهظًا ومباشرًا؛ إذ تعرضت البلاد للعدوان الثلاثي (البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي) في أكتوبر 1956، وخاض الشعب المصري والمقاومة الشعبية في بورسعيد ومدن القناة ملحمة دفاعية صمودية. وتجلى فشل القوى الأوروبية في هذه المغامرة العسكرية نتيجة صمود جبهة القتال الداخلية، والتنديد الدولي العارم، إلى جانب الرفض الأمريكي الصارم للمغامرة البريطانية الفرنسية خشية تمدد النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، وهو ما أجبر القوات المعتدية على الانسحاب الذليل، وكان الهجوم على مصر رصاصة الرحمة الأخيرة على الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية ونهوا رسميًا عصر الاستعمار القديم.

حصاد تأميم قناة السويس 

حصدت مصر من خلف فكرة التأميم الكثير، إذ تحولت القناة إلى الشريان الأول والدائم الممول للتنمية واقتصاد البلاد عبر العقود. ونجحت الإدارة المصرية في تطوير الملاحة واستيعاب أضخم سفن العالم، وتأمين التمويل الذاتي كاملًا لمشروع السد العالي الذي تحول إلى رمز للكرامة والنهضة الزراعية والكهربائية، ليبقى قرار 26 يوليو 1956 نموذجًا ملهمًا لحركات التحرر الوطني في العالم، ودليلًا على أن إرادة الشعوب قادرة على استرداد حقوقها وسلب هيمنة القوى العظمى.

الجريدة الرسمية