رئيس التحرير
عصام كامل

الضربات الأمريكية على بوشهر تثير مخاوف بيئية إقليمية.. تحذيرات من بقاء الملوثات عالقة في الغلاف الجوي.. ومخاوف من انتقالها عبر الخليج والبحر الأحمر إلى شمال وشرق أفريقيا

مبنى مفاعل محطة بوشهر
مبنى مفاعل محطة بوشهر للطاقة النووية في جنوب إيران
18 حجم الخط

أعادت الضربات الأمريكية التي استهدفت مدينة بوشهر الإيرانية، التي تضم المحطة النووية الأبرز في البلاد، الجدل حول مخاطر التصعيد العسكري قرب المنشآت الحساسة. وبينما لم يكشف الإعلام عن وجود أضرار مباشرة لحقت بالمحطة، يحذر خبراء من تداعيات بيئية وصحية محتملة في حال تعرض البنية التحتية النووية أو الصناعية في المنطقة لأي أضرار، خاصة مع إمكانية انتقال الملوثات عبر المسارات الجوية والبحرية إلى مناطق بعيدة.

ويأتي ذلك بعدما أعلن محافظ بوشهر محمد مظفري، اليوم الأربعاء، إن ثلاثة مواقع في المدينة تعرضت لهجمات أمريكية، وذلك بعد يوم من استهدافات مماثلة تأتي في ظل تصاعد المواجهات والتوترات بين إيران والولايات المتحدة، بحسب وكالة "إرنا" الرسمية الإيرانية.

 

نفت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية وقوع هجوم على محطة بوشهر، مؤكدة أنها المنشأة آمنة ومستقرة
نفت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية وقوع هجوم على محطة بوشهر، مؤكدة أنها المنشأة آمنة ومستقرة

وتعد مدينة بوشهر الإيرانية قريبة جدا من دول الخليج العربي؛ حيث تقع على الساحل الشرقي للخليج مقابل الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية ودولة الكويت؛ وهي أقرب جغرافيا إلى عواصم عربية مثل الكويت والدوحة مقارنة بالعاصمة الإيرانية طهران والتي تبعد عنها بحوالي 1200 كيلو متر.

محطة بوشهر النووية الخطر الأكبر

تعد محطة بوشهر النووية أول منشأة إيرانية لإنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة النووية، وتقع على ساحل الخليج العربي، حيث تعمل بالتعاون مع روسيا وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويثير أي استهداف محتمل للمحطة مخاوف من وقوع تسرب إشعاعي قد يمتد تأثيره إلى دول الخليج المجاورة، خاصة أن المنشأة تعتمد على منظومات معقدة تشمل أنظمة التبريد وإدارة الوقود والمراقبة المستمرة لضمان سلامة تشغيل المفاعل.

تدريبات إيرانية سابقة للدفاع الاشعاعي في محطة بوشهر النووية
تدريبات إيرانية سابقة للدفاع الاشعاعي في محطة بوشهر النووية

ويرى خبراء أن أي خلل كبير في هذه الأنظمة، أو أي تصعيد عسكري بالقرب من المنشآت النووية، قد يؤدي إلى حوادث يصعب احتواء آثارها، خصوصا في ظل الظروف الجيوسياسية المتوترة التي تشهدها المنطقة، حيث أظهرت صور ملتقطة بالأقمار الصناعية أن إحدى الضربات الأمريكية كانت داخل النطاق المحيط بالقبة الرئيسية للمفاعل الإيراني في بوشهر، وعلى مسافة قصيرة جدا منها تقدر بنحو 65 مترا.

صعوبة احتواء تلوث البيئة البحرية في الخليج

ويحذر الخبراء من أن تعرض محطة بوشهر لأي أضرار قد يؤدي إلى تداعيات بيئية وصحية واسعة، تشمل احتمالات تلوث المياه والهواء والتربة، ما قد يؤثر على المناطق المطلة على الخليج العربي.

وتزداد المخاطر بسبب طبيعة الخليج العربي، باعتباره مسطحا مائيا شبه مغلق وضحلا نسبيا، مع بطء تجدد مياهه عبر مضيق هرمز، الأمر الذي قد يطيل فترة بقاء الملوثات داخل البيئة البحرية في حال وقوع حادث تسريب إشعاع نووي؛ وهو ما قد يجعل أي تلوث بحري أكثر صعوبة في الاحتواء مقارنة بالمناطق المفتوحة.

تحذيرات من انتقال الملوثات إلى مناطق بعيدة

ولا تقتصر المخاوف البيئية على المنشآت النووية، إذ تمتد أيضا إلى احتمال انبعاث ملوثات أخرى نتيجة استهداف البنية التحتية الصناعية والنفطية في المنطقة.

خبيران إيرانيان يعملان في تخصيب اليورانيوم
خبيران إيرانيان يعملان في تخصيب اليورانيوم

وحذر تقرير سابق نشره موقع "نيتشر أفريكا" التابع لمجلة "نيتشر" العلمية من أن الملوثات الناتجة عن النزاعات في منطقة الخليج قد تنتقل عبر المسارات الجوية والبحرية إلى مناطق بعيدة، بما في ذلك النظم البيئية الساحلية والداخلية في شمال وشرق أفريقيا.

وأشار التقرير إلى أن كثافة المنشآت النفطية ومصانع البتروكيماويات ومحطات تحلية المياه في منطقة الخليج تجعل أي أضرار تطال هذه البنية التحتية مصدرا لانبعاث ملوثات قد تتجاوز آثارها حدود المنطقة المتضررة.

الملوثات تنتقل جغرافيا وتبقى عالقة في الغلاف الجوي

وأوضح الباحث في المخاطر البيئية وحوكمة الاستدامة بجامعة "أولابيسي أونابانجو" في نيجيريا، أولوديلي سولاجا، أن الجسيمات الناتجة عن الانفجارات وحرائق النفط يمكن أن تنتقل لمسافات واسعة، مشيرا إلى أن ملوثات مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة قد تبقى عالقة في الغلاف الجوي وتنتشر جغرافيا.

وأكد سولاجا أن البحر الأحمر لا يشكل حاجزا أمام انتقال الملوثات، بل يمثل ممرا بحريا يمكن أن تنتقل عبره التأثيرات البيئية إلى السواحل الأفريقية.

الجسيمات الناتجة عن الانفجارات وحرائق النفط يمكن أن تنتقل لمسافات واسعة
الجسيمات الناتجة عن الانفجارات وحرائق النفط يمكن أن تنتقل لمسافات واسعة

وأضاف أن أي تسربات نفطية أو كيميائية قد تهدد الشعاب المرجانية وتؤثر على جودة المياه الساحلية والثروة السمكية، إضافة إلى احتمالية الإضرار بمنشآت تحلية المياه في المناطق التي تعاني من شح الموارد المائية.

تفاقم المخاطر الصحية

من جهته، حذر ريتشارد ماركانتونيو من كلية "كيو" للشؤون العالمية بجامعة نوتردام الأمريكية من أن تدمير المنشآت النفطية أو المواقع التي تحتوي على مواد خطرة قد يؤدي إلى إطلاق ملوثات ذات تأثيرات صحية خطيرة.

وأوضح أن الانفجارات والحرائق قد تنتج جسيمات دقيقة وأكاسيد نيتروجين وأبخرة سامة، يمكن أن تصل إلى الرئتين ومجرى الدم حتى عند مستويات منخفضة، ما يزيد المخاطر الصحية على السكان في المناطق المتأثرة، بحسب "نيتشر أفريقا".

ويحذر الباحث العلمي في جامعة ريدينج بالمملكة المتحدة أكشاي ديوراس من أن "الملوثات المنبعثة أثناء النزاعات يمكن أن تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، حيث قد تظل عالقة ما لم تتم إزالتها فعليا عبر تدابير المعالجة، مثل الترشيح أو الحرق"، مضيفا أنه "في غياب التدخل، يمكن لهذه الملوثات أن تبقى في النظم البيئية لأجيال متعاقبة".

وتعيد هذه التحذيرات تسليط الضوء على المخاطر البيئية المحتملة لأي تصعيد عسكري قرب المنشآت الحساسة في منطقة الخليج.

  • الفيديو المرفق يوضح آثار دخان ولهب يتصاعد بالقرب من محطة بوشهر النووية الإيرانية جراء ضربة عسكرية أمريكية استهدف المدينة القريبة جدا من دول الخليج العربي؛ حيث تقع على الساحل الشرقي للخليج مقابل الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية ودولة الكويت.
الجريدة الرسمية