شكرًا يا منتخب مصر.. انتصرتم حتى وأنتم تغادرون المونديال
غادر المنتخب المصري مونديال 2026، لكن ملايين المصريين والعرب لم يشعروا أن القصة انتهت عند صافرة النهاية. صحيح أن النتيجة الرسمية تقول إن مصر خرجت من البطولة، لكن الحقيقة الأعمق أن هذا المنتخب حقق انتصارًا من نوع آخر، انتصارًا لا يُقاس بالأهداف والنقاط، بل بما تركه في النفوس من أمل وفخر وإحساس بالقدرة.
لأول مرة منذ سنوات طويلة شعر المصريون أنهم جزء من حلم جماعي كبير. جلس الناس في المقاهي والبيوت والنوادي والشوارع يتابعون الفريق الوطني بقلوب متعلقة وأعين مترقبة. اختفت كثير من الخلافات والانقسامات، وتراجعت الأسئلة الصغيرة أمام سؤال واحد: كيف سيلعب منتخب مصر؟ وكيف سيحقق الإنجاز القادم؟
لقد منحنا هذا المونديال شيئًا افتقدناه طويلًا: الشعور بالوحدة الوطنية. ففي لحظات كثيرة بدا المصريون وكأنهم يستعيدون قدرتهم على الالتفاف حول هدف مشترك. لم يكن أحد يسأل عن الانتماء السياسي أو الفكري أو الاجتماعي لمن يجلس بجواره، بل كان الجميع يرتدون قميصًا واحدًا ويحملون علمًا واحدًا وينتظرون فرحة واحدة.
وأعاد المنتخب كذلك الثقة إلى وجدان المصريين. فسنوات طويلة من الإحباط جعلت كثيرين يعتقدون أن الوصول إلى المراتب الكبرى حلم بعيد المنال. لكن أبناء هذا المنتخب أثبتوا أن المصري قادر على المنافسة عندما تتوافر الإرادة والتخطيط والعمل الجاد. لقد كسروا حاجز الخوف النفسي قبل أن يكسروا دفاعات المنافسين.
ومن أهم ما كشفته البطولة أن العالم ليس بالصورة المثالية التي يتخيلها البعض. فقد تابع الناس الجدل التحكيمي والإعلامي الذي رافق بعض المباريات، وأدركوا أن العدالة ليست دائمًا كاملة، وأن الانحياز قد يظهر بأشكال مختلفة حتى في أكثر المنظومات تقدمًا. وكان هذا درسًا مهمًا في التحرر من الانبهار الأعمى بالآخر، دون أن يمنعنا ذلك من احترام إنجازاته والاستفادة من خبراته.
وفي خضم الحدث الرياضي العالمي، جاء مشهد رفع حسام حسن لعلم فلسطين ليذكر الملايين بقضية حاولت زحمة الأحداث أن تدفعها إلى الخلف. كانت رسالة بسيطة لكنها قوية: أن الرياضة لا تعني التخلي عن القيم، وأن الشهرة والنجاح لا ينبغي أن يُنسيانا معاناة المظلومين. وفي تلك اللحظة شعر كثير من العرب أن المنتخب المصري لا يمثل مصر وحدها، بل يحمل شيئًا من وجدان الأمة كلها.
لقد توحدت الجماهير العربية خلف مصر بصورة لافتة. من الرباط إلى بغداد، ومن الجزائر إلى الخليج، كانت القلوب تدعو للفريق المصري وتتابع مشواره بفخر. وكأن البطولة أعادت التذكير بأن الروابط الثقافية والوجدانية بين الشعوب العربية ما زالت حية رغم كل ما مر بها من تحديات.
وربما كان أعظم ما تعلمناه من هذه التجربة أن المعارك لا تُحسم إلا في لحظتها الأخيرة. فقد أظهرت المباراة أمام الأرجنتين أن الاطمئنان المبكر قد يكون عدو النجاح، وأن الاقتراب من الهدف لا يعني الوصول إليه. وهو درس لا يخص كرة القدم وحدها، بل يخص العمل والعلم والسياسة والحياة كلها.
كما تعلمنا قيمة الثبات الانفعالي. ففي الحياة كما في الملاعب قد نتعرض لقرارات نراها ظالمة أو ظروف نعتقد أنها غير عادلة، لكن الرد الحقيقي لا يكون بالانهيار أو الاستسلام، بل بمزيد من الصمود والعمل والاستمرار.
لذلك نقول للمنتخب المصري: شكرًا. شكرًا لأنكم أعدتم إلينا شيئًا من الثقة، وشيئًا من الفخر، وشيئًا من الإيمان بأن هذا الوطن ما زال قادرًا على الإنجاز. ربما خرجتم من البطولة، لكنكم دخلتم قلوب الناس، وهذا انتصار لا تقدر عليه نتائج المباريات ولا تغيره جداول البطولات.

