رقمنة مدينة الصحابة.. «البهنسا» تستعيد مكانتها بعد قرون من الغياب.. رؤية جديدة لإحياء "البقيع الثاني" وتحويله لمشروع حضاري وسياحي عالمي (صور)
في قلب صعيد مصر، وعلى الضفاف الغربية لبحر يوسف، ترقد مدينة لا تشبه غيرها من المدن المصرية، مدينة تجمع في ذاكرتها طبقات متراكمة من التاريخ، وتحمل بين جنباتها آثار حضارات متعاقبة، وتختزن في وجدان المصريين مكانة دينية وروحية استثنائية، إنها مدينة "البهنسا"، أو كما عرفها المصريون عبر قرون طويلة "بقيع مصر"، المدينة التي تحولت مع مرور الزمن إلى شاهد حي على تاريخ مصر القديم والوسيط والإسلامي، وإلى واحدة من أكثر البقاع المصرية ثراءً من الناحية الحضارية والروحية.

ولسنوات طويلة، ظلت البهنسا حاضرة بقوة في كتب التاريخ والسير، وغائبة في الوقت نفسه عن خطط التطوير الكبرى، رغم ما تمتلكه من مقومات تؤهلها لتكون واحدة من أهم المقاصد الدينية والثقافية في العالم الإسلامي، لكن المشهد بدأ يتغير خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد الاهتمام الرسمي بإحياء المناطق التراثية والدينية، وصولًا إلى الزيارة الأخيرة التي أجراها الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، إلى المنطقة، والتي حملت معها إعلانًا غير مباشر عن بداية مرحلة جديدة في تاريخ "بقيع مصر" خاصة وأن الزيارة لم تكن مجرد جولة تفقدية، بقدر ما مثلت تدشينًا لرؤية جديدة تستهدف إعادة اكتشاف البهنسا، وإحياء مكانتها التاريخية والدينية، وتحويلها إلى مشروع حضاري متكامل، يعيد تقديم واحدة من أهم المدن المصرية للعالم، بعد عقود طويلة من التهميش والإهمال.

اهتمام رئاسي ومشروع حضاري متكامل
تؤكد المؤشرات الرسمية أن مشروع تطوير البهنسا لا يُنظر إليه باعتباره مشروعًا محليًا محدودًا، بل باعتباره جزءًا من رؤية أوسع تتبناها الدولة المصرية لإحياء التراث الحضاري والديني، على غرار ما شهدته القاهرة التاريخية، ومشروع إحياء مسار العائلة المقدسة، وتطوير محيط أضرحة آل البيت.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف، أن منطقة البهنسا مع مشروع القاهرة التاريخية يحظيان باهتمام مباشر من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيرًا إلى أن الدولة عازمة على تنفيذ مشروع متكامل لتطوير المنطقة بما يحافظ على طابعها الإسلامي والأثري ويبرز قيمتها الحضارية سواء في عهدها الفرعوني أو المسيحي أو الإسلامي، مستشهدًا بما تحقق في مشروعات تطوير القاهرة التاريخية، ومحيط مسجد السلطان حسن، والإمام الشافعي، وغيرها من المواقع التراثية.

وأضاف رسلان لـ “فيتو” أن الوزارة تعمل وفق رؤية متكاملة لإحياء المكانة العلمية والثقافية للبهنسا، بالتنسيق مع مختلف أجهزة الدولة، بما يسهم في تحويلها إلى مقصد عالمي للسياحة الدينية والثقافية يستقبل الزائرين من مختلف دول العالم، مشيرًا إلي أن هناك مشروع لتجميع كل ما كُتب عن البهنسا في الكتب والمراجع والرسائل العلمية، تمهيدًا لإصدار موسوعة تاريخية وثقافية موثقة توثق تاريخ المدينة وتراثها الإسلامي، إلى جانب إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق ذكي يقدمان خريطة تفاعلية وإحداثيات دقيقة للمقامات والمعالم الأثرية، بما يسهل على الزائرين التعرف على المواقع التاريخية ويعزز تجربة الزيارة.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف أن مدينة البهنسا تمتلك مقومات أثرية وسياحية ودينية استثنائية تؤهلها لتصبح إحدى أهم وجهات السياحة الدينية والثقافية في مصر، لما تضمه من عدد كبير من الأضرحة والمزارات الإسلامية ذات القيمة التاريخية، إلى جانب ما تزخر به من آثار تعكس تعاقب الحضارات المختلفة على أرضها، لافتا إلى أن اللجنة المشتركة التي زارت المنطقة انتهت إلى عدة توصيات لتطوير المنطقة منها.

موسوعة علمية وتطبيق ذكي لإحياء الذاكرة التاريخية
ومن أبرز ملامح المشروع الجاري الإعداد له، العمل على جمع وتوثيق كل ما كُتب عن البهنسا في الكتب والمراجع والرسائل الجامعية والدراسات الأثرية، بهدف إصدار موسوعة تاريخية وثقافية شاملة، توثق تاريخ المدينة منذ نشأتها وحتى العصر الحديث، كما تتضمن الخطة إطلاق منصة إلكترونية حديثة، وتطبيق ذكي يقدم خريطة تفاعلية للمقامات والأضرحة والمعالم الأثرية، ويتيح للزائرين والباحثين الوصول إلى معلومات تاريخية دقيقة وموثقة، بما يواكب أحدث النظم العالمية في إدارة المواقع التراثية، وتمثل هذه الخطوة تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع التراث، حيث لم يعد الهدف مجرد الحفاظ على الآثار، وإنما إعادة تقديمها بصورة عصرية تجعلها أكثر قربًا من الأجيال الجديدة، وأكثر قدرة على جذب الزوار والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

تطوير شامل للمزارات والبنية التحتية
وخلال الأيام الماضية زارت لجنة مشتركة بين وزارة الأوقاف ووزارة السياحة ومحافظة المنيا لوضع تصور عن إمكانية خطة التطوير، وانتهت اللجنة المشتركة إلى مجموعة من التوصيات المهمة، التي تمثل حجر الأساس لمشروع تطوير "بقيع مصر"، وتشمل تطوير المنطقة المحيطة بمسجد سيدي علي الجمام، ورفع كفاءة البنية التحتية، وإنشاء ممشى حضاري يربط بين المزارات المختلفة، وتطوير منطقة السبع بنات، وإنشاء مكتبات ومناطق انتظار وخدمات للزائرين، كما تشمل الخطة ترميم عدد من الأضرحة التاريخية، وإنشاء قاعة عرض مرئي تعتمد على التكنولوجيا التفاعلية لسرد تاريخ البهنسا، وتطوير منظومة اللوحات الإرشادية باللغتين العربية والإنجليزية، بالإضافة إلى ترميم مسجد الحسن الصالح بن علي زين العابدين، وإنشاء مصليات وخدمات إضافية للزائرين، حيث يعكس هذا التصور الجديد توجهًا مختلفًا في التعامل مع المناطق التاريخية، يقوم على تحويلها إلى فضاءات حضارية متكاملة، وليس مجرد مواقع أثرية معزولة.

البهنسا.. مدينة ولدت مع الحضارة المصرية
قبل أن تصبح مدينة للشهداء والصالحين، كانت البهنسا واحدة من أهم المدن المصرية القديمة، وتشير الدراسات التاريخية إلى أن المدينة كانت عاصمة للإقليم التاسع عشر من أقاليم مصر العليا، وعرفت في العصر الفرعوني باسم "بر مجد"، وهو اسم ارتبط في المعتقدات المصرية القديمة بفكرة الالتقاء والتجمع المقدس، ولم يكن اختيار الموقع عشوائيًا، إذ كانت البهنسا تمثل نقطة استراتيجية مهمة بين وادي النيل والطرق المؤدية إلى الواحات، ما منحها أهمية سياسية واقتصادية ودينية مبكرة، ولا تزال المنطقة تحتفظ حتى اليوم بآثار ومقابر تعود إلى العصر الفرعوني المتأخر، وخاصة الأسرة السادسة والعشرين، وهو ما يؤكد المكانة الكبيرة التي احتلتها المدينة في الحضارة المصرية القديمة.

ومع دخول العصر اليوناني، أصبحت المدينة تعرف باسم "أوكسيرنخوس"، وهو الاسم الذي ارتبط بالسمكة المقدسة ذات الفم المدبب، والتي كانت تحظى بمكانة خاصة لدى المصريين القدماء، وخلال القرنين الماضيين، تحولت أوكسيرنخوس إلى واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية في العالم، بعدما عثر علماء الآثار على آلاف البرديات التي كشفت تفاصيل دقيقة عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في مصر القديمة، وقد ساهمت هذه البرديات في إعادة كتابة أجزاء مهمة من تاريخ العالم القديم، وأصبحت مصدرًا رئيسيًا للدراسات التاريخية واللغوية، وما تزال الجامعات العالمية حتى اليوم تخصص برامج بحثية كاملة لدراسة برديات أوكسيرنخوس.

وفي العصر الروماني، شهدت البهنسا مرحلة جديدة من الازدهار، وتحولت إلى واحدة من أكبر المدن المصرية وأكثرها تطورًا، حيث ضمت منشآت عامة ضخمة، ومسارح، وحمامات، ومبانٍ إدارية وتجارية، وتشير الدراسات الأثرية إلى أن المدينة كانت تضم أحد أكبر المسارح الرومانية في مصر، فضلًا عن شبكة واسعة من الطرق والمنشآت العامة، وهو ما يعكس أهميتها الاستراتيجية خلال تلك الفترة، وقد ساهم هذا الازدهار في تحويل البهنسا إلى مركز اقتصادي وثقافي بارز، استمر تأثيره لقرون طويلة.
البهنسا والعائلة المقدسة
ومع انتشار المسيحية في مصر، اكتسبت البهنسا مكانة روحية خاصة، بعدما ارتبطت برحلة العائلة المقدسة إلى مصر، حيث تشير الروايات التاريخية المتوارثة إلى أن السيد المسيح عليه السلام والسيدة مريم العذراء مرا بالمدينة، واستظلا بإحدى الأشجار التي لا تزال موجودة حتى اليوم، وهو ما منح المنطقة مكانة دينية كبيرة لدى المسيحيين، كما تعد البهنسا من أوائل المدن المصرية التي انتشرت فيها المسيحية، وشهدت بناء عدد كبير من الكنائس والأديرة، لتصبح مركزًا دينيًا مهمًا خلال العصر القبطي.
لماذا سميت بـ"بقيع مصر"؟
لكن المكانة الأشهر للبهنسا ارتبطت بالعصر الإسلامي، عندما أصبحت مسرحًا لإحدى أهم معارك الفتح الإسلامي لمصر، فبعد نجاح عمرو بن العاص في فتح الوجه البحري، استأذن الخليفة عمر بن الخطاب في فتح صعيد مصر، فأشار عليه بالبدء بالبهنسا وإهناسيا، نظرًا لما كانتا تتمتعان به من أهمية عسكرية واستراتيجية، وكانت البهنسا آنذاك واحدة من أقوى الحصون الرومانية في مصر، ولذلك شهدت معارك ضارية استمرت لفترة طويلة، وشارك فيها عدد كبير من الصحابة والتابعين، وتشير المصادر التراثية إلى أن نحو عشرة آلاف ممن رأوا النبي صلى الله عليه وسلم حضروا إلى البهنسا، وأن سبعين من المشاركين في غزوة بدر شاركوا في معاركها، فيما دفن على أرضها آلاف الشهداء، وهو ما منحها لقب "بقيع مصر" و"مدينة الشهداء".

وتذكر كتب التاريخ أن عددًا كبيرًا من الصحابة والتابعين استشهدوا خلال معارك فتح البهنسا، ودفنوا في أراضيها، حتى أصبحت واحدة من أكبر التجمعات الجنائزية الإسلامية خارج الجزيرة العربية، ورغم اختلاف المؤرخين حول بعض الأرقام الواردة في المصادر القديمة، فإن المكانة الروحية للبهنسا ظلت راسخة في الوجدان الشعبي المصري عبر مئات السنين، وتحولت المدينة إلى مقصد ديني يقصده الزائرون من مختلف أنحاء الجمهورية، بل ومن بعض الدول العربية والإسلامية.
وتعد قبة البدريين من أهم معالم البهنسا، إذ تضم عددًا من الصحابة الذين شاركوا في غزوة بدر، وتحتوي على شاهد رخامي يحمل أسماء بعض المدفونين بها، وقد تحولت القبة إلى أحد أبرز المزارات الإسلامية في مصر، وظلت على مدار قرون تمثل رمزًا للمدينة ومكانتها الروحية.

مدينة المقامات والأولياء
وتضم البهنسا عشرات المقامات والقباب والأضرحة التاريخية، من أبرزها مسجد ومقام سيدي علي الجمام، وقبة أولاد عقيل، ومقام السيدة رقية، وقبة الأمير زياد، وقبة أبي سمرة، ومقام محمد بن أبي بكر الصديق، ومقام محمد بن عقبة بن عامر الجهني، وقبة أبان بن عثمان، ومقام عبد الله التكروري، كما تحظى قبة السبع بنات بمكانة خاصة لدى الأهالي والزائرين، وترتبط بعدد من الروايات التاريخية والشعبية المتعلقة بأحداث الفتح الإسلامي، وتحولت هذه المقامات، عبر القرون، إلى جزء من الهوية الثقافية والدينية لصعيد مصر، وإلى عنصر أساسي في الذاكرة الشعبية المصرية.
مسجد الحسن الصالح.. جوهرة معمارية نادرة
ومن أبرز الآثار الإسلامية التي تضمها البهنسا، مسجد الحسن الصالح بن علي زين العابدين، الذي يعد أحد أهم النماذج المعمارية الإسلامية في صعيد مصر، وينسب المسجد للحسن بن الصالح بن زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم جميعا، وهو أقدم من الجامع الأزهر الشريف، حيث يرجع تاريخ تأسيسه إلى عام 332 هجرية، أى قبل تأسيس الجامع الأزهر، ويتميز المسجد بتخطيط معماري فريد، ويعد من المساجد النادرة التي تضم قبتين، كما يعكس تطور العمارة الإسلامية عبر العصور المختلفة، ويمثل المسجد اليوم أحد أهم عناصر مشروع التطوير الجاري، نظرًا لقيمته التاريخية والمعمارية الكبيرة.

ويرى عدد من المتخصصين أن البهنسا لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد قرية أو موقع أثري، وإنما باعتبارها متحفًا مفتوحًا للحضارة المصرية، ففي مساحة جغرافية محدودة، تجتمع آثار فرعونية، ويونانية، ورومانية، وقبطية، وإسلامية، بصورة تجعل من المدينة نموذجًا فريدًا لتراكم الحضارات وتعايشها، كما أن ما تم اكتشافه حتى الآن قد لا يمثل سوى جزء محدود من الثروة الأثرية الحقيقية التي تخفيها أرض البهنسا، وهو ما يجعلها واحدة من أهم المناطق الواعدة للبحث الأثري في مصر.
من الإهمال إلى الحلم الكبير
وعلى الرغم من كل هذه القيمة التاريخية والدينية، ظلت البهنسا لعقود طويلة تعاني من الإهمال، ولم تحظ بالمكانة التي تستحقها على خريطة السياحة المصرية، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحركًا متزايدًا لإعادة إحياء المنطقة، سواء من خلال المطالبات البرلمانية، أو الدراسات العلمية، أو الاهتمام الحكومي المتصاعد، وصولًا إلى إعلان الدولة عن رؤية متكاملة لتطوير "بقيع مصر"، واليوم، تبدو الفرصة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لاستعادة البهنسا مكانتها، ليس فقط باعتبارها موقعًا أثريًا أو مزارًا دينيًا، وإنما باعتبارها مشروعًا حضاريًا وثقافيًا وإنسانيًا متكاملًا.
عملية الإحياء التي تشهدها أرض الصحابة والأولياء بمحافظة المنيا سوف تجعل من “البهنسا” مقصدا سياحيا ضمن المقاصد السياحية الدينية التي تحتضنها مصر، وتحتاج نظرة أوسع ورؤية أشمل، لتضم جميع المراقد ذات الصلة؛ بحيب تصبح مصر واحدة من أبرز المقاصد الدينية على مستوى العالم، وما يمكن أن يحقق الأهداف المنشودة من السياحة؛ كونها واحدًا من أهم مصادر الدخل القومي.
نقلا عن العدد الورقي








