رئيس التحرير
عصام كامل

للطيبات وجوه كثيرة

18 حجم الخط

عندما يثار الحديث عن نظام الطيبات، فإن القضية لا تتعلق في حقيقتها بنظام غذائي بعينه بقدر ما تتعلق بطريقة تفكير أوسع تقوم على تفضيل القناعات الشخصية والأحكام المسبقة على المعرفة العلمية والخبرة الإنسانية المتراكمة، فالمشكلة ليست في الطعام وإنما في العقلية التي تجعل الإنسان يصدق ما يوافق هواه ويرفض ما تثبته الوقائع والأدلة.


وهنا يبرز الفارق بين التعليم والثقافة فالتعليم يمنح الإنسان معرفة أو تخصصًا أما الثقافة الحقيقية فتعني القدرة على إعمال العقل والتعامل مع الأفكار بعين ناقدة والاحتكام إلى الدليل لا إلى الانطباعات والرغبات لذلك ليس غريبًا أن نجد أشخاصًا يحملون أعلى المؤهلات العلمية، ومع ذلك ينساقون وراء أفكار ثبت ضررها أو عدم صحتها؛ لأن التعليم وحده لا يكفي إذا غابت الثقافة بمعناها العميق.


وإذا كان نموذج الطيبات قد ظهر في مجال التغذية والصحة فإن وجوهه الأخرى تبدو أكثر وضوحًا في مجالات عديدة.


ففي السياسة نجد من يتمسكون بأفكار جماعة الإخوان، رغم ما كشفته التجربة العملية من آثار سلبية على الدولة والمجتمع، وهنا يصبح الانتماء الفكري بديلًا عن تقييم النتائج تمامًا كما يرفض البعض الحقائق الطبية، ويتمسكون بما يعتقدون أنه الأصلح لمجرد توافقه مع قناعاتهم.


وفي الاقتصاد، تظهر العقلية ذاتها عند من يرفضون الأدوات الاقتصادية الحديثة أو التجارب الناجحة بحجة أنها لا تتفق مع تصوراتهم المسبقة، دون النظر إلى الأرقام أو النتائج الفعلية. فالحكم هنا لا يستند إلى العلم وإنما إلى الانطباعات والأفكار الموروثة.


وفي التعليم نجد من يرفضون تطوير المناهج أو الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة ويتمسكون بأساليب تجاوزها الزمن ليس لأنها أكثر كفاءة وإنما لأنها المألوفة بالنسبة إليهم وكأن القديم يكتسب قداسة لمجرد أنه قديم.


أما في المجال الفني والثقافي فقد شهدت المنطقة محاولات عديدة للتضييق على الفنون والنظر إليها باعتبارها أمورًا ثانوية أو محرمة، رغم أن التاريخ المصري والعربي يؤكد أن الفن والثقافة كانا دائمًا من أهم أدوات تشكيل الهوية الوطنية وبناء الوعي ومواجهة التطرف، وفي الوقت الذي أدركت فيه الدول المتقدمة قيمة القوة الناعمة انشغل البعض بمحاربة الموسيقى والمسرح والسينما وكأن المجتمعات يمكن أن تنهض بلا إبداع.


وفي المجال الاجتماعي، لا تزال بعض العادات الضارة تجد من يدافع عنها رغم ثبوت آثارها السلبية فقط لأنها موروثة، أو لأنها ترتبط بتفسيرات أو فتاوى معينة فيصبح الموروث أقوى من العقل والعادة أقوى من المصلحة.


بل إن هذه العقلية تمتد إلى التكنولوجيا نفسها حيث يرفض البعض الذكاء الاصطناعي أو التحول الرقمي أو وسائل التعليم الحديثة ليس بعد دراسة أو تقييم وإنما خوفًا من كل جديد كما حدث من قبل مع الطباعة والراديو والتلفزيون التي اعتبرها البعض في زمانها أدوات تهدد المجتمع.


ومن وجوه الطيبات أيضًا انتشار عقلية المؤامرة، حيث يفضل البعض تفسير كل حدث أو ظاهرة على أنه نتيجة مؤامرة كبرى حتى لو وجدت تفسيرات علمية أو سياسية أو اقتصادية أكثر منطقية فبدلًا من البحث عن الأسباب الحقيقية للمشكلات يصبح من الأسهل إلقاء المسؤولية على قوى خفية تتحكم في كل شيء.. 

وقد رأينا ذلك في التعامل مع الأوبئة والأزمات الاقتصادية حيث انتشرت تفسيرات لا تستند إلى دليل بقدر ما تستند إلى الرغبة في إيجاد إجابات سهلة لقضايا معقدة والمفارقة أن أصحاب هذه النظريات غالبًا ما يتمسكون بما يؤكد قناعاتهم المسبقة ويرفضون الوقائع التي تخالفها.


إن المشكلة الحقيقية ليست في نظام غذائي أو فكرة بعينها وإنما في عقلية تتكرر بأشكال مختلفة تعطي الأولوية للهوى على العقل، وللقناعة الشخصية على الدليل وللشعارات على الحقائق، ولهذا فإن الطيبات ليست مجرد وصفة غذائية بل نموذج فكري له وجوه كثيرة، يظهر في الطب والسياسة والاقتصاد والفن والتعليم والمجتمع وغيرهم.


والأمم لا تتقدم بكثرة المتعلمين وحدهم وإنما بانتشار الثقافة التي تجعل الإنسان قادرًا على مراجعة أفكاره والاعتراف بالخطأ والاحتكام إلى العلم والعقل فالحضارة لم يصنعها أولئك الذين اعتقدوا أنهم يملكون الحقيقة المطلقة بل صنعها الذين كانوا مستعدين دائمًا لاختبار أفكارهم أمام الواقع لأن العقل لا يعرف اليقين المطلق وإنما يعرف البحث المستمر عن الحقيقة.


لذا فإننا بحاجة ماسة الى تعزيز الثقافة بصورة أكبر وربما بآليات جديدة خاصة وإنها لا تعد طرفًا بل أصبحت ضرورة وطنية وركيزة أساسية لا غنى عنها لرفع مستوى الوعي المجتمعي وترسيخ الفكر المستنير.

الجريدة الرسمية