خبر وتحليل
هل أخفق ترامب في احتواء إسرائيل؟، التصعيد في لبنان يثير تساؤلات صعبة
تكشف التطورات الأخيرة في جنوب لبنان جملة من الدلالات السياسية التي تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة بين حزب الله وسلطات الاحتلال الإسرائيلي، أهمها وجود فجوة واضحة بين المسارات الدبلوماسية والتحركات الميدانية، إذ إن استمرار الغارات الإسرائيلية والاشتباكات الحدودية بين الطرفين يشير إلى أن تثبيت أي اتفاق سياسي ما زال يواجه تحديات كبيرة على الأرض.
وتتمثل الدلالة الثانية في التشابك المتزايد بين ملفات المنطقة؛ حيث تؤثر التطورات في لبنان بصورة مباشرة في مسارات التفاوض الأمريكية الإيرانية، وهو ما يعكس صعوبة عزل الساحات الإقليمية بعضها عن بعض؛ فيما تشير التطورات أيضا إلى تمسك سلطات الاحتلال الإسرائيلي بفرض معادلات أمنية إسرائيلية في جنوب لبنان، تضمن لها فرض هامش واسع من حرية العدوان العسكري في لبنان، رافضة أي دعوات للتهدئة.
في المقابل، يحاول حزب الله توجيه رسالة بأن أي ترتيبات سياسية أو تفاهمات إقليمية لن تكون على حساب دوره الميداني أو قدرته على الرد، بما يعزز موقعه التفاوضي في أي ترتيبات مستقبلية تخص الجبهة اللبنانية، فضلا عن احتفاظه بحقه التاريخي كفصيل مقاوم، وهو ما أكدته تصريحات أمين عام الحزب نعيم قاسم بأن المقاومة هي جزء من دستور الطائف، وأنها منصوص عليها هناك في الإجراءات التي يجب أن تتخذ بجميع الأشكال لحماية لبنان.
وعلى الرغم من الفترات المتعددة التي التزم فيها حزب الله الصمت على الخروقات الإسرائيلية، إلا أن رد فعله التصعيدي منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران يكشف سعيه إلى إبقاء سلاحه وشرعية وجوده كقوة مقاومة فاعلة، ورفض أي مسارات تفاوضية لا تتوافق مع أجندته أو تجرده من ورقة الضغط الإقليمي، بالإضافة إلى الاستمرار في مشروع المحور الإيراني في المنطقة.
هل فشل ترامب في احتواء نتنياهو؟
ويثير التصعيد العسكري المتواصل في جنوب لبنان تساؤلات متزايدة حول مستقبل التفاهمات الإقليمية التي جرى الإعلان عنها مؤخرا بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تضمنت خفض التوتر ووقف الحرب على مختلف الجبهات.
كما يسلط التصعيد الدموي الإسرائيلي في لبنان الضوء على التحدي الذي يواجهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة توازنات المنطقة، خاصة أنه التصعيد الإسرائيلي يأتي في وقت صرح فيه ترامب بأنه قادر على منع إسرائيل من مهاجمة لبنان، مضيفا: إنهم يكنون لي الاحترام ويفعلون ما أقوله.
وتتناقض تصريحات ترامب مع ما قاله وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير بـ"ضرورة حرق لبنان بالكامل"، وأن "الانتصار في الشرق الأوسط لا يتحقق بالردود المتزنة وضبط النفس، بل بالهجوم الكاسح. بالإبادة. وبسحق الإرهاب"، على حد وصفه.
ماذا يريد الاحتلال الإسرائيلي من التصعيد؟
تكشف الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية على لبنان أن المنطقة لا تزال تمر بمرحلة انتقالية هشة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع المفاوضات السياسية، وتبقى قدرة الأطراف على ضبط التصعيد، العامل الحاسم في تحديد مستقبل التفاهمات الإقليمية؛ حيث أكد جيش الاحتلال أنه سيواصل عملياته العسكرية في الجنوب اللبناني، بما في ذلك إزالة التهديدات خارج نطاق ما يسميه بـ"المنطقة الأمنية".
وأشار البيان أيضا إلى أن جيش الاحتلال نشر خريطة لهذه "المنطقة الأمنية" التي تمتد لنحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار صعب يتمثل في الحفاظ على مسار التفاهم مع إيران من جهة، ومنع انزلاق الجبهة اللبنانية إلى مواجهة أوسع من جهة أخرى؛ إذ إن نجاح أي اتفاق إقليمي سيظل مرهونا بمدى قدرة الأطراف المختلفة على ضبط ساحات الاشتباك الميدانية، وهي مهمة تبدو أكثر تعقيدا في ظل تشابك الملفات وتعدد اللاعبين الإقليميين.
ما تداعيات تصاعد قواعد الاشتباك؟
وتشير الخسائر التي تكبدها جيش الاحتلال الإسرائيلي في المواجهات الأخيرة، بما في ذلك مقتل ضباط وجنود في المعارك الدائرة بجنوب لبنان، إلى أن الجبهة اللبنانية دخلت مرحلة أكثر حساسية، تتجاوز حدود المناوشات التقليدية نحو مواجهة تحمل مخاطر اتساع نطاقها.
وتعكس هذه التطورات سعي كل طرف إلى تثبيت معادلات ردع جديدة على الأرض؛ فإسرائيل تحاول الحفاظ على حرية تحركها العسكري ومنع أي تهديدات على حدودها الشمالية، فيما يسعى حزب الله إلى إظهار قدرته على الرد ورفع كلفة أي عمليات عسكرية تستهدفه أو تستهدف مناطق نفوذه.
كما أن تصاعد قواعد الاشتباك يزيد من صعوبة الفصل بين الساحة اللبنانية وبقية الملفات الإقليمية، ولا سيما مسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية. وفي حال استمرار المواجهات بالوتيرة الحالية، فقد تجد الأطراف الإقليمية والدولية نفسها أمام تحديات متزايدة لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.
وفي المحصلة، لا تبدو المواجهة المتجددة بين حزب الله وإسرائيل مجرد جولة عسكرية عابرة، بل تعكس صراعا أوسع على قواعد الاشتباك وموازين القوى في المنطقة. وبين محاولات فرض معادلات أمنية جديدة والحفاظ على أوراق القوة والردع، يبقى مستقبل التهدئة مرهونا بقدرة الأطراف المعنية على احتواء التصعيد وتحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات ميدانية قابلة للتنفيذ.




