قصة مسجد الضرار ومسجد التقوى والفرق بينهما
قصة مسجد الضرار ومسجد التقوى والفرق الشاسع بينهما، من يقرأ سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتعلم منها الدروس والعبر التي تساعد على معرفة عوامل النهوض والنصر، وأسباب السقوط والهزيمة، وخلال السطور القادمة سنتناول قصة مسجد الضرار ومسجد التقوى والفرق الشاسع بينهما وآراء أهل العلم في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، ومسجد الضرار، وكيف حذر الله تعالى رسوله عن طريق الروح الأمين جبريل عليه السلام من ألاعيب المنافقين ومن الصلاة في هذا مسجد الضرار، خاصة مع استقبال العام الهجري الجديد.
مع اقتراب العام الهجري الجديد يجب أن نؤمن أن الله تعالى لم يذكر مسجد ضرار عبثًا بل كشف النوايا التى في صدور المنافقين وما يحيكونه من مؤامرات ودسائس للإسلام والمسلمين لا الأبنية وفضح المقاصد التى يخفونها لا الشعارات
فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: 107]

مسجد الضرار…
" كان مسجد الضرار قد بني لأبي عامر الفاسق الذي كان يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان المشركون يعظمونه، فلما جاء الإسلام حصل له من الحسد ما أوجب مخالفته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفراره إلى الكافرين، فقام طائفة من المنافقين يبنون هذا المسجد، وقصدوا أن يبنوه لأبي عامر هذا، والقصة مشهورة في ذلك، فلم يبنوه لأجل فعل ما أمر الله به ورسوله بل لغير ذلك ".
وذكر ابن هشام في سيرته أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر عمار بن ياسر، ومالك بن الدخشم مع بعض أصحابه وقال لهم: ( انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه، ففعلوا)
لقد أراد المنافقون ببناء هذا المسجد تقوية النفاق والمنافقين، والإعداد لمحاربة المسلمين، والتفريق بين المؤمنين، وقد خيَّب الله مسعاهم، وأبطل كيدهم بأن نهى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة فيه، فقال تعالى: { لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا }(التوبة: من الآية108)، ومن ثم فما قام به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأمر بهدمه وإزالته هو التصرف الأمثل.
مسجد التقوى… ما حقيقته؟!
قال الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108]
اختلف أهل العلم في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقالت طائفة : هو مسجد قباء . وقال آخرون : هو مسجد النبي ﷺ، وهذا ما اختاره أبو سعيد الخدري، ورواه عن النبي ﷺ ، حيث إن ابنه عبد الرحمن سأله : أيُّ المسجدين الذي أُسس على التقوى ؟ فقال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت : يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى ؟ قال : فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض ” الحصباء هي الحصى الصغار، وكان مسجد رسول الله ﷺ أرضه من الحصباء، ولم يكن مفروشا بالسجاد، ولا بالحصر ولا غيره، وإنما كان من تراب عليه حصباء .
فلما سئل النبي ﷺ : أي المسجدين الذي أسس على التقوى ؟ هل هو مسجد قباء أو المسجد النبوي؟ أخذ النبي ﷺ كفا من الحصباء، ثم ضرب به الأرض، ثم قال: ” هو مسجدكم هذا ” يعني مسجد المدينة . أي: هو مسجده الشريف، وذلك أنه إذا كان مسجد قباء هو المقصود بالآية، وأنه المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، وبُنيت قواعده على البر والتقوى، والصلاح والإخلاص، فمسجد الرسول ﷺ أولى بهذا الفضل والشرف، وهو داخل في الآية من باب أولى، لأنه أفضل عند الله عز وجل من جميع المساجد، إلا المسجد الحرام الذي بأم القرى .
وفي رواية أخرى: عن أبي سعيد رضي الله عنه أيضا : أنه اختلف رجلان من بني خدره في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أبو سعيد الخدري : هو مسجد رسول الله ، وقال العمري : هو مسجد قباء ، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك ؟ فقال : ” هو هذا المسجد ” لمسجد رسول الله ﷺ ، وقال : ” في ذلك خيرٌ كثير ” الحديث عند الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي .
وقوله : ” في ذلك خيرٌ كثير ” يعني : مسجد قباء فيه خير كثير .
فثبت أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد الرسول أولا ، وما سواه من المساجد في الإسلام تبعٌ له ، لأنه أشرفها وإن كان المسجد الحرام أعظم منه لكن هو بني قبل الإسلام ، فمسجد النبي ﷺ هو أفضل مسجد أسس في الإسلام ، وقد أثنى الله تعالى على أهله ، فقال ﴿ فيه رجالٌ يحبون أن يتطّهروا ﴾ التوبة : 108 . وقوله ( فيه رجال ) هذا وصف لهم بالرجولة ، وصفات الرجولة هي الشجاعة ونصرة الحق والكرم والسماحة والحلم وغير ذلك ، ووصفهم بأنهم يحبون أن يتطهروا من النجاسات ، ومن الذنوب والخطايا والسيئات ، ويطهروا قلوبهم مما لا يحب الله تعالى من الكفر والشك والنفاق ، والحقد والغل والشقاق ﴿ والله يحب المطهرين ﴾ الطهارة المعنوية والحسية .

الفرق بين مسجد التقوي ومسجد الضرار
مسجدٌ أسّس على التقوى خيرٌ من مسجد أسّس على النفاق والكفر: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ فمسجد المنافقين؛ كأنفسهم وبقيّة أعمالهم، متزلزل ومضطرب: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾؛ بينما مسجد المؤمنين المتّقين؛ كنفوسهم مُستَحكِم البنيان، وكأعمالهم دائم ومزهر.
