رئيس التحرير
عصام كامل

خبر وتحليل

كيف يمكن قراءة تصريحات ترامب حول إيران من ملعب كرة سلة؟

قوبل ترامب بصيحات
قوبل ترامب بصيحات استهجان قوية من الجماهير
18 حجم الخط

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: إن الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق مع إيران باتت في "مراحلها النهائية"، متوقعا إمكانية إنجاز تفاهم خلال "يومين أو ثلاثة"، في تصريحات تعكس تسارعا ملحوظا في الخطاب الأمريكي بشأن الملف النووي الإيراني.

وأكد ترامب أن الاتفاق المرتقب سيكون "جيدا جدا"، مشيرا إلى أن طهران تعاني ضغوطا اقتصادية كبيرة قد تسهم في دفع مسار التفاوض نحو نتيجة سريعة.

وفي الوقت ذاته، شدد ترامب، والذي قوبل بصيحات استهجان قوية من الجماهير في واقعة تعكس التوترات السياسية والاجتماعية المستمرة في الولايات المتحدة، على أن الولايات المتحدة "لن تسمح مطلقا لإيران بامتلاك سلاح نووي"، مجددا التزام واشنطن بخط أحمر استراتيجي ثابت في سياستها تجاه البرنامج النووي الإيراني.

ما الرسائل التي أراد ترامب إيصالها للداخل الأمريكي؟

تعمد ترامب الإدلاء بتصريحاته عقب حضوره مباراة في نهائي دوري كرة السلة في نيويورك، في دلالة سياسية وإعلامية مرتبطة بأسلوب ترامب في إدارة الخطاب العام، مستهدفا "تقليل ثقل الموضوع أمام الجمهور الأمريكي"، وهو ما ينسجم مع خطاب ترامب القائم على "تبسيط القضايا الاستراتيجية".

كما سعى ترامب إلى الظهور أمام الجمهور الأمريكي في صورة "القيادة المهيمنة غير المتوترة"، و"تعزيز صورة القائد القريب من الجمهور"، و"زيادة تأثير التصريح إعلاميا عبر سياق غير رسمي"، وهو ما يتناقض مع تراجع شعبيته بصورة كبيرة في الداخل الأمريكي؛ حيث أظهر استطلاع رويترز/ إيبسوس أن نسبة تأييد ترامب تبلغ حوالي 34% فقط، وأن 59% من المشاركين في الاستطلاع يتوقعون ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة خلال العام المقبل، في حين يرى 17% أن الأسعار ستتحسن، أما المشاركون الباقون فأفادوا بعدم تأكدهم أو توقعهم بقاء الأسعار على حالها.

وأظهر الاستطلاع أن 22% فقط من الأمريكيين يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة للأسر الأمريكية، مقارنة بـ 70% يعارضون ذلك. وهذا يمثل رضا أقل مقارنة بسلفه جو بايدن، الذي أنهى ولايته بنسبة تأييد بلغت 29% ونسبة معارضة 63% فيما يخص قضية تكاليف المعيشة.

ووجد الاستطلاع أن 36% من الأمريكيين – فقط - أيدوا الضربات الأمريكية على إيران، في حين قال 25% إن فوائد الضربات تستحق تكاليفها.

وأشار الناخبون المسجلون إلى أنهم سيختارون الديمقراطيين على الجمهوريين بنسبة 41% مقابل 37% لو أجريت الانتخابات التشريعية اليوم.

هل يمكن بالفعل التوصل لاتفاق خلال يومين أو ثلاثة؟

يطرح حديث ترامب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران خلال "يومين أو ثلاثة"تساؤلات حول واقعيته، إذ لا ينظر إلى هذا الإطار الزمني بوصفه تقديرا تفاوضيا دقيقا بقدر ما يعكس رغبته في استخدام العامل الزمني –القصير نسبيا- كأداة ضغط سياسي موجهة لإيران.

ويهدف هذا النوع من التصريحات إلى رفع كلفة التأخير على طهران، عبر تصوير مسار المفاوضات وكأنه في مراحله الحاسمة والنهائية، بما يدفع الطرف المقابل إلى تقديم تنازلات أسرع.

كما يندرج هذا الخطاب ضمن استراتيجية تفاوضية تقوم على إظهار واشنطن باعتبارها الطرف القادر على ضبط إيقاع العملية التفاوضية.

ويتناقض ذلك أيضا مع تقرير نشرته مجلة "نيويورك تايمز" الأمريكية حول الخسائر الأمركية العسكرية خلال حربها على إيران.

وبحسب التقرير، فقد سجلت الحرب أكثر من 4800 هجوم متبادل، مع استهلاك الولايات المتحدة لأكثر من ألف صاروخ توماهوك، أي ما يعادل نحو 30% من مخزونها قبل الحرب، فيما قدرت التكلفة المباشرة حتى الآن بنحو 29 مليار دولار، مع احتمالات تجاوزها تريليون دولار على المدى الطويل.

ماذا تعني تصريحات ترامب حول إسرائيل؟

تعكس تصريحات ترامب بشأن إسرائيل حرصا على إبقاء مستوى التنسيق الاستراتيجي مع تل أبيب دون أي تشكيك علني، إذ أكد أنه لا يحمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية التصعيد الأخير، واصفا المكالمة الهاتفية التي أجراها معه بأنها "رائعة".

ويمكن قراءة تلك التصريحات بوصفها رسالة سياسية تستهدف تثبيت متانة التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، وتجنب تحميل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية مباشرة عن التوترات الإقليمية، بما يحافظ على هامش التنسيق المشترك في إدارة التصعيد مع إيران.

وتتناقض تصريحات ترامب –أيضا- مع التقارير المتواترة حول الخلافات بينه وبين نتنياهو؛ حيث نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب وجه انتقادات حادة لرئيس الوزراء الإسرائيلي خلال اتصال هاتفي، على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

كما نقل الموقع عن مصادره أن ترامب وصف نتنياهو بأنه "مجنون" واتهمه بعدم إظهار الامتنان للدعم الأمريكي.

لماذا الحديث عن باراك أوباما؟

عكس تفاؤل ترامب بإمكانية التوصل إلى اتفاق نووي جديد توجها تفاوضًا يهدف إلى إعادة صياغة الاتفاق المحتمل بوصفه "أفضل بكثير" من اتفاق 2015 الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

ويقرأ هذا الطرح باعتباره استمرارا لاستخدام ترامب لغة المقارنة مع السياسات الديمقراطية السابقة كأداة سياسية، تهدف إلى تعزيز شرعية أي اتفاق مرتقب داخليا، وتقديمه كإنجاز تفاوضي يتجاوز النماذج السابقة من حيث الشروط والمخرجات.

وتنسجم تلك التصريحات –أيضا- مع خطاب سياسي يهدف إلى ترسيخ ترامب لصورته كصانع صفقات، وأنه قادر على تحقيق نتائج أكثر صرامة وفعالية من الإدارات الديمقراطية السابقة.

ويعزز هذا النمط من التصريحات موقع الملف الإيراني بوصفه أحد أبرز ملفات الأمن القومي القابلة للتوظيف انتخابيا، بما يتيح لترامب تقديم أي تقدم دبلوماسي محتمل باعتباره إنجازا شخصيا وسياسيا في آن واحد. 

ويأتي ذلك في سياق سياسي يتزامن مع بدء العد التنازلي لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر 2026، وسط مؤشرات استطلاعات رأي تشير إلى تراجع كبير في صفوف الحزب الجمهوري لصالح الديمقراطيين جراء سياسات ترامب المتهورة فيما يتعلق بالملفات الاقتصادية والسياسة الخارجية الأمريكية.

الجريدة الرسمية