عمرو بن العاص يكتب السطر الأخير للإمبراطورية البيزنطية في مصر
في مثل هذا اليوم من عام 641 ميلادية، تمكنت الجيوش الإسلامية بقيادة عمرو بن العاص من القضاء على آخر معاقل الروم البيزنطيين في مدينة الإسكندرية، وكان بمثابة إعلان رسمي لسقوط الهيمنة القيصرية التي جثمت على صدر القارة الإفريقية لقرون طويلة، ويصبح هذا اليوم نقطة التحول التي صاغت هوية مصر الحديثة.
ما قبل السقوط.. عام من حصار الحصون المنيعة
تأسست خلفية هذا النصر الحاسم من رحم مخطط عسكري طموح أداره عمرو بن العاص بحنكة بالغة؛ فقبل سقوط الإسكندرية بنحو عام، كان المسلمون قد خاضوا معارك شرسة ونجحوا في فتح أغلب مناطق مصر وترويض حصونها، وعلى رأسها حصن بابليون الاستراتيجي في قلب الدلتا.
وترتب على سقوط بابليون اندفاع الفصائل الإسلامية نحو الشمال حتى وصلت إلى أسوار الإسكندرية، التي كانت تعد في ذلك الوقت واحدة من أحصن المدن العالمية ومحمية بطبيعتها الجغرافية وأساطيلها البحرية التي تمدها بالإمدادات والمؤن من وراء البحار دون انقطاع.
كواليس المعركة.. حصار الشهور الأربعة والصدمة التكتيكية
أكثر من أربعة أشهر كاملة وقف فيها الجيش الإسلامي عاجزًا عن اقتحام الأسوار العالية والمنيعة بسبب النقص في الآلات الحصار الثقيلة وقوة المدفعية الرومانية البدائية. وتكشف المراجعات التوثيقية لتلك الحقبة أن الموقف تطلب صدمة تكتيكية حاسمة؛ حيث استغل عمرو بن العاص انشغال الروم بالخلافات السياسية الداخلية في القسطنطينية عقب وفاة الإمبراطور هرقل، وكثف من هجماته الخاطفة ملوحًا بإستراتيجية الإنهاك، حتى أجبر القائد البيزنطي المقوقس على إدراك حتمية الهزيمة والدخول في مفاوضات صلح تاريخية أسفرت عن توقيع معاهدة الإسكندرية الشهيرة، التي قضت بجلاء القوات الرومانية بالكامل وتعهد المسلمين بحماية الأرواح ودور العبادة وحرية المعتقد لأهل البلاد.
الإسكندرية قاعدة الانطلاق الإسلامي نحو الغرب الإفريقي
ترتب على القضاء على معاقل الروم في الإسكندرية نتائج جيوستراتيجية عجلت بتغيير موازين القوى في العالم القديم؛ إذ لم يعد للمحيط البيزنطي أي موطئ قدم في وادي النيل، وتحولت المدينة من ثغر دفاعي للروم إلى قاعدة انطلاق ومصنع لإنشاء أول أسطول بحري إسلامي تولى حماية السواحل المصرية لاحقًا.
ومع استقرار الأوضاع السياسية والإدارية، اتخذ عمرو بن العاص قرارًا استراتيجيًا بنقل عاصمة البلاد من الإسكندرية إلى الفسطاط؛ لضمان القرب من مركز الخلافة، لكنه ترك الإسكندرية كبوابة اقتصادية وثقافية كبرى فتحت آفاق التجارة مع العالم، وشكلت الظهير العسكري الآمن الذي انطلقت منه الفتوحات اللاحقة نحو برقة وطرابلس والمغرب العربي.
